الببغاء
كان الببغاء ينتقل من حال إلى حال ... يمرح ويشاغب ...وفي مناسبات عديدة ، تراه يتنفس هواء البلد على مقامات مختلفة وهو يقص حكاياه ليسافر في أجساد كثيرة ... كان يجالس الناس في مكانه .... يثقن فن السرد والمحاكاة ... ويرقي بكلامه إلى درجة السحر ... صورة واحدة لا تكفيه ...كان ينظف ريشه بمنقاره كل يوم لتتعدد صوره أمام مرآته في لعب فطري وذكاء منقطع النظير ... يرقص ليبدو قداسا في حفلاته الشعبية وهو يبرز مخالبه في حركات رياضية استفزازية ... كان الجميع يهابه ويخافه.... كانت ثرثرته تغرق الناس في التفكير ... تطربهم فأشفقون لحاله ... كان يقلد هتافات وزغاريد أهل الدار... يستهزئ من الزوار ويكتب عن مغامراتهم ؟نعم .. إنه كان يستقي كلماته من أفواه النساء الكبيرات سنا ... يسترق منهن ظلال العيون واحمرار الشفاه وطلاء الأظافر ... ينظر إلى سارقي الفرحة من أزواجهم ويسكت ... يتعجب من كل الحفلات والمراسيم والعادات ويكبت أسراره في نفسه ... حفلات ميلاد ... حفلات زواج ... يترصد لممرات الجرائم والأموات دون جدوى ... ويعشق رغما عنه رائحة القلق البائت ...كان يدون ويكتب تسويداته ... ذاكرة بلا عقل ... ذاكرة بلا قلب ... وحياة الغرقى ... كان يحلم دوما أن يرتمي بين أحضان أنثى وهو يهتف بكلمات هادئة ... يناديها بأدب القاصرة وهو الخجول ... وعنوة كانت تتسلل نظراته نحوي ليذكرني بحب الماء وهو يدغدغ زوارقي ... كان عشقي يتنامى مع عشقه لأقف أمامه وقفة ميمونة واحيي قلبه ... يظن أنني أناديه من أجل الترويح عن النفس والمتعة في الكلام ... لكن ... أكيد ، كانت نفسانا تتقاطعان وكان قلبه يوشك على التوقف، فيعم الصمت المكان الذي اختلي فيه معه ... تنهيدات وتأوهات تخترق أذانينا ... ثم ينسدل الستار بيننا عندما تجحظ عيناي في عينيه ويشحب وجهانا ... وأنا أمد يدي إليه ... يقول لي في سكوت : أأنت سجاني ...؟كنت اقبر وحشتي فيه ... أضربه على وجهه ... على صدره ... أشكره ... لكن ريقه يجف عندما يرد التحية وينزوي ليتلدد بجرحه ... ويفكر في أنه يستئجر ذقنه في صمت ليعيش سجينا بين الناس ... لذا ، صمم العزم أن يروي نهاية حياته تحت ضجيج الأبواق مع ترك النافذة المطلة على البحر مفتوحة ...تلك الليلة كان البحر هائجا والرذاذ يلفحه .... تلك الليلة ، التهبت يده كلها ببرم الحبال لينزل من قفصه الى الأرض تحت شتيت الحجارة ... الكل يناديه ويصيح : الببغاء سيهرب ..الببغاء سيتتحر ... ولما أحس بالخطر ،أراد أن ينعم بالقليل من الراحة لكنه ظل مقيدا الليلة كلها على حائط المبنى ... وفي الصباح ، اجتمعوا حوله من كل الجهات ... لبسوا ثوب الحداد وفقا للتقاليد ... ثم طافوا به البلاد على جسور عائمة .... داروا بمجثمه .. انتهموا جوهر حقيقته وطرحوه أرضا : أرادوا به شرا ... فتكوا بحياته ، وبقروا بطنه .... وحكموا عليه بالصمت المؤبد لأنه كان يفشي أسرار بيوتهم .....احمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق