بصمات العابرين
ليس البشر كتلةً واحدة تُقاس بمعيارٍ ثابت، ولا تجربةً تتكرر مهما تشابهت الوجوه. نحن نلتقي في الحياة، لكننا لا نخرج منها متشابهين؛ فكل إنسان يترك فينا أثرًا مختلفًا، كأن لكل روح بصمتها الخاصة على أرواح الآخرين — بصمة قد تخفت مع الزمن، لكنها لا تزول تمامًا.
من الناس من يمرّ في حياتك كـ“غلطة”، لكنه ليس خطأً بالمعنى الساذج. هو تجربة تُظهر لك شيئًا عن نفسك لم تكن لتراه لولا الألم. يكشف ما كان مستترًا فيك، ويجبرك على مواجهة ما كنت تؤجله طويلًا. هؤلاء لا يُنسَون بسهولة، لأنهم لا يرحلون بصمت؛ بل يتركون خلفهم أسئلة أكثر من الإجابات، وندمًا يتحول مع الوقت إلى وعي، وخبرة تُعيد تشكيل اختياراتك القادمة. ليست الغلطة أنهم مرّوا، بل أن تمرّ بهم دون أن تفهم ما الذي غيّروه فيك.
وهناك من يكون “درسًا” واضحًا، لا يحتاج إلى تأويل. يأتيك ليعيد ترتيب ما ظننته ثابتًا، ويهزّ يقينك الذي بُني على تصورات ناقصة. أحيانًا يكسر شيئًا من ثقتك، وأحيانًا يوقظ فيك بصيرةً لم تكن تعمل من قبل. هؤلاء رغم قسوتهم، إلا أنهم جزء من نضجك الحقيقي، من تلك الطبقة الصلبة التي تتكوّن في الداخل بعد كل تجربة صادقة ومؤلمة في آنٍ واحد. لا حاجة لشكرهم، لكن لا يمكن إنكار أثرهم.
وفي المقابل، هناك من يدخل حياتك كنسمة خفيفة لا تُرى، لكنها تُشعَر. كفرحة عمرٍ لا تُفسَّر ولا تُبرَّر. وجوده وحده كافٍ ليخفف ثقل الأيام، ويعيد للروح شيئًا من توازنها. كأنك كنت تمشي طويلًا دون أن تدرك أنك متعب، ثم جاء هو ليذكّرك كيف يكون التنفس طبيعيًا. هؤلاء لا يتكررون كثيرًا، وإذا رحلوا — وإن رحلوا — يتركون فراغًا لا يُملأ، لأن أثرهم لم يكن فيما فعلوه، بل فيما جعلوك تشعر به وأنت معهم.
وأخيرًا، هناك الأغلبية الصامتة… أولئك الذين لا يتركون أثرًا صاخبًا ولا جرحًا عميقًا، لكنهم كانوا هنا. مرّوا بهدوء، كأنهم لا يريدون أن يثقلوا الحياة أكثر مما هي عليه. يتحولون مع الوقت إلى ذكريات خفيفة، لا تؤلم ولا تُسعد، لكنها تشبه ظلّ لحظة عابرة بقيت في الذاكرة دون سبب واضح. بعضهم يعود فجأة كصورة قديمة، لا تحمل إلا شعورًا غامضًا اسمه: كان هنا.
وهكذا، لا يمكن اختزال البشر في نوع واحد، كما لا يمكن اختزال حياة إنسان في تجربة واحدة. نحن مزيج من كل ذلك؛ من الغلطات التي فتحت أعيننا، والدروس التي أعادت تشكيلنا، والأنفاس التي أنقذتنا، والذكريات التي استقرت في أعماقنا دون استئذان. كل عابر أضاف طبقة، وكل طبقة صنعت شيئًا من ملامحك اليوم.
لكن ربما لا يكون السؤال الحقيقي: من هم البشر في حياتنا؟
بل: ماذا نكون نحن في حياة الآخرين… حين نصبح نحن العابرين؟
بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين © جميع الحقوق محفوظة

