الأربعاء، أبريل 29، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( بصمات العابرين )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب / فلسطين





بصمات العابرين
ليس البشر كتلةً واحدة تُقاس بمعيارٍ ثابت، ولا تجربةً تتكرر مهما تشابهت الوجوه. نحن نلتقي في الحياة، لكننا لا نخرج منها متشابهين؛ فكل إنسان يترك فينا أثرًا مختلفًا، كأن لكل روح بصمتها الخاصة على أرواح الآخرين — بصمة قد تخفت مع الزمن، لكنها لا تزول تمامًا.
من الناس من يمرّ في حياتك كـ“غلطة”، لكنه ليس خطأً بالمعنى الساذج. هو تجربة تُظهر لك شيئًا عن نفسك لم تكن لتراه لولا الألم. يكشف ما كان مستترًا فيك، ويجبرك على مواجهة ما كنت تؤجله طويلًا. هؤلاء لا يُنسَون بسهولة، لأنهم لا يرحلون بصمت؛ بل يتركون خلفهم أسئلة أكثر من الإجابات، وندمًا يتحول مع الوقت إلى وعي، وخبرة تُعيد تشكيل اختياراتك القادمة. ليست الغلطة أنهم مرّوا، بل أن تمرّ بهم دون أن تفهم ما الذي غيّروه فيك.
وهناك من يكون “درسًا” واضحًا، لا يحتاج إلى تأويل. يأتيك ليعيد ترتيب ما ظننته ثابتًا، ويهزّ يقينك الذي بُني على تصورات ناقصة. أحيانًا يكسر شيئًا من ثقتك، وأحيانًا يوقظ فيك بصيرةً لم تكن تعمل من قبل. هؤلاء رغم قسوتهم، إلا أنهم جزء من نضجك الحقيقي، من تلك الطبقة الصلبة التي تتكوّن في الداخل بعد كل تجربة صادقة ومؤلمة في آنٍ واحد. لا حاجة لشكرهم، لكن لا يمكن إنكار أثرهم.
وفي المقابل، هناك من يدخل حياتك كنسمة خفيفة لا تُرى، لكنها تُشعَر. كفرحة عمرٍ لا تُفسَّر ولا تُبرَّر. وجوده وحده كافٍ ليخفف ثقل الأيام، ويعيد للروح شيئًا من توازنها. كأنك كنت تمشي طويلًا دون أن تدرك أنك متعب، ثم جاء هو ليذكّرك كيف يكون التنفس طبيعيًا. هؤلاء لا يتكررون كثيرًا، وإذا رحلوا — وإن رحلوا — يتركون فراغًا لا يُملأ، لأن أثرهم لم يكن فيما فعلوه، بل فيما جعلوك تشعر به وأنت معهم.
وأخيرًا، هناك الأغلبية الصامتة… أولئك الذين لا يتركون أثرًا صاخبًا ولا جرحًا عميقًا، لكنهم كانوا هنا. مرّوا بهدوء، كأنهم لا يريدون أن يثقلوا الحياة أكثر مما هي عليه. يتحولون مع الوقت إلى ذكريات خفيفة، لا تؤلم ولا تُسعد، لكنها تشبه ظلّ لحظة عابرة بقيت في الذاكرة دون سبب واضح. بعضهم يعود فجأة كصورة قديمة، لا تحمل إلا شعورًا غامضًا اسمه: كان هنا.
وهكذا، لا يمكن اختزال البشر في نوع واحد، كما لا يمكن اختزال حياة إنسان في تجربة واحدة. نحن مزيج من كل ذلك؛ من الغلطات التي فتحت أعيننا، والدروس التي أعادت تشكيلنا، والأنفاس التي أنقذتنا، والذكريات التي استقرت في أعماقنا دون استئذان. كل عابر أضاف طبقة، وكل طبقة صنعت شيئًا من ملامحك اليوم.
لكن ربما لا يكون السؤال الحقيقي: من هم البشر في حياتنا؟
بل: ماذا نكون نحن في حياة الآخرين… حين نصبح نحن العابرين؟
بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين © جميع الحقوق محفوظة

مجلة وجدانيات الأدبية ((المعرفةُ غُربة… والغُربةُ معرفة)) كلمات الشاعر فادي عايد حروب / فلسطين






المعرفةُ غُربة… والغُربةُ معرفة
ليست المعرفة دائمًا جسرًا يقودنا إلى الألفة، كما نظن، بل قد تكون في أحيان كثيرة مرآةً تكشف المسافات الخفية بيننا وبين من نعرف. فكم من وجوهٍ ألفناها سنين، وشاركتنا تفاصيل الأيام، ثم إذا بنا نقف أمامها فجأة كغرباء، لا لغياب الذكريات… بل لأن شيئًا في الداخل تغيّر، فانكشفت الحقيقة التي كانت مؤجلة.
المعرفة ليست عدد السنوات التي نقضيها مع الآخرين، ولا كثرة الأحاديث التي نتبادلها، بل هي ذلك العمق الصامت الذي يجعلنا نشعر بأننا “مفهومون” دون شرح، وأننا “مرئيون” دون محاولة لفت الانتباه. لهذا قد نعيش مع أشخاصٍ عمرًا كاملًا دون أن نعرفهم حقًا، بينما يكفي لقاءٌ عابر مع شخصٍ ما لنشعر أننا نلتقي بجزءٍ مفقود من أنفسنا.
الغربة ليست دائمًا غياب المكان، بل قد تكون حضورًا بلا روح. أن تجلس مع من تعرفهم، وتضحك معهم، لكنك تشعر أن بينك وبينهم مسافة لا تُرى… هذه هي الغربة في أصدق صورها. غربة لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس ببرودة الشعور، وبالأسئلة التي تبقى معلّقة في القلب دون إجابة.
وفي المقابل، هناك معرفةٌ تولد فجأة، بلا مقدمات، بلا تاريخ مشترك، لكنها عميقة كأنها امتداد لزمنٍ سابق. كأن الأرواح، في سرٍّ لا ندركه، قد تعارفت قبل أن تلتقي الأجساد، فيأتي اللقاء مجرد تذكيرٍ لا بداية. لهذا نشعر أحيانًا براحةٍ غريبة مع شخصٍ لم نعرفه إلا للتو، وكأننا نعود إليه لا نذهب نحوه.
قد يكون السر في أن المعرفة الحقيقية ليست خارجية، بل داخلية؛ هي انسجام القيم، وتشابه الإحساس، وصدق الحضور. حين يتشابه الداخل، تختصر المسافات، وتسقط الحواجز، فلا تعود السنوات معيارًا، ولا الغياب عائقًا.
وهنا تتجلى المفارقة:
أننا قد نغترب عمّن نعرفهم، لأننا عرفناهم على السطح فقط،
ونألف من لا نعرفهم، لأننا لمسنا فيهم العمق.
لعل المعرفة الحقيقية ليست أن تعرف “من هو الآخر”، بل أن تشعر “بما هو عليه”… أن تدركه لا بعقلك فقط، بل بقلبك أيضًا. وحين يحدث ذلك، تزول الغربة حتى لو كنتم على طرفي العالم، وتبقى الألفة حتى لو غاب اللقاء.
في النهاية، نحن لا نبحث عن أشخاصٍ نعرفهم،
بل عن أرواحٍ نشعر معها بأننا لسنا غرباء.

أرى العِلمَ في طبعِ النفوسِ غريبَا
وكم من قريبٍ في الجوارِ غريبَا
إذا لم يكنْ نبضُ القلوبِ موافقًا
فكلُّ حديثٍ بيننا كانَ نحيبَا
لبسنا وجوهًا في الأنامِ صقيلةً
وفي العمقِ شرخٌ ما لهُ من طبيبَا
فلا تحسبنَّ القربَ عدَّ سنينِنا
فبعضُ المدى في الذكرياتِ جدوبَا
وعينٌ ترى روحًا بغيرِ تكلّفٍ
تلمُّ شتاتَ القلبِ حتى يطيبَا
فسبحانَ من ألّف القلوبَ بجندهِ
ووحدَ شملًا والمكانُ قريبَا
هو اللهُ ربُّ العالمينَ بفضلِهِ
يؤلّفُ أرواحًا ويُهدي القلوبَا
بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين © جميع الحقوق محفوظة

مجلة وجدانيات الأدبية (( قراءة تحليلية لنص " نجمةٌ بيننا" شعرالمستشار مضر سخيطه - السويد )) بقلم الناقد سعد دسوقي

*************************
النص
________ نجمةٌ بيننا
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
أعظم الأنهار
مابين جسمي ورأسي
من لدنّي سأنكش أذن ذاكرتي لأحفظ جهدي
لتسري الينابيع
ولكي تفتح الأنجم اليوسفوية أسرارها
ولتحملني إلى أي وجهةٍ
أيتها الريح لايهمني هائل الرمال في المكان ولا المدة
ما أتوقعه حاصلٌ والتصاق الغبار ربما
قد يعكّر الرؤية
يزيح غشاوة بعض العلاقات
بعض الطلاسم
ومن أجل ذلك انصح نفسي
خلّ قاب سبابتين
وأكثر من فشختين
إذا أجبرتك الرياح على مسح مرآتك لأكثر من مرّة
وعاندك الضوء إلا الضئيل قليلا
ففي كل مفارقةٍ عَبرةٌ
وهنا تختلف النبرة
بينما الأعين تنضح شجواً ينغّصها من مضيضٍ سيولا
بعض ما نشتهيه أرجوحةٌ من الخيبة والإحتراق
هل أُصِابك البهاق
وتألمت من الخزي أو الحزن واعتراك مايعجز عنه النفاق
أشعر أن المكيدة واحدةٌ
من قديمٍ بالرغم من عدد الأغبياء
والتائهين العاشقين
ليس مانتنفسه رغبةً
وليس اشتياق
ماأكثر مايسعدنا الإشتياق
كم تتوسم الربيع بلابل قلبي وعلى الطبلة والطبل يرقص عود الشباب
البياض يحيط بالصفار من كل جانب هذا هو النرجس
عوده الأنيق الأخضر
وتواضعه الكبير الكبير
وتلك الرائحة البريّة النافذة من يستحق مكانة النرجس في الوعر
وفي أعالي الهضاب ؟
الصفار أشبهه نجمةً لامعةً بيننا نورها للسماء
حولها قمرٌ رائعٌ تتربصه المنصات
الرقمياتُ
جيوشاً من ذبابٍ بضمائر مثقوبةٍ لأمرٍ حقيرٍ
حقير
دَرَنٌ ربما تعجز عنه النميمة
والوحل قد لايصلح بيئةً للجذور
ربما يختلط الأمر على عيون الكثير
الكثير
أكثر من ثيمةٍ هاهنا وهنالك مابين نهرٍ وبحرٍ خطير
لنختم صفحتنا بالسرور فلا تساوم على الإنعتاق ولو أنك بالنزع
قبل الأخير
_______
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
مدخلٌ أو عرض أدبي تحليلي لقصيدة [ نجمةٌ بيننا . . ]
بقلم الأديب الذوّاق والناقد المتمكن من صنعته وخبرته
[ سعد دسوقي ]
تحليل أكاديمي لقصيدة: (نجمةٌ بيننا)
للشاعر مضر سخيطه
🟦 ① البنية الدلالية الكبرى وتعدّد الثيمات
تقوم القصيدة على بنية دلالية مركّبة لا تستقر عند محور واحد، بل تتشظّى بين عدد من الثيمات الكبرى: الذاكرة، الاغتراب، الخيبة، الجمال، والتأمل الوجودي. يبدأ النص بصورة لافتة: "أعظم الأنهار ما بين جسمي ورأسي"، وهي استعارة تأسيسية تشير إلى انفصال داخلي بين الجسد والعقل، بما يعكس صراعًا معرفيًا/وجدانيًا عميقًا.
ثم تتوالى الانزياحات من الذاتي إلى الكوني، ومن الحسي إلى الرمزي، حتى تتكثف القصيدة في فضاء مفتوح من الإيحاءات.
غير أن هذا الثراء الدلالي—على قوته—يقع أحيانًا في مأزق التشتت؛ إذ تتزاحم الثيمات دون رابط عضوي صارم، مما يجعل القارئ في بعض المقاطع أمام نص متدفق لكنه غير ممسوك البنية بالكامل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟩 ② الصورة الشعرية وآليات الاشتغال البلاغي
تعتمد القصيدة على كثافة تصويرية عالية، تتكئ على الاستعارة الممتدة والتشخيص، مثل:
"أنكش أذن ذاكرتي"، "تفتح الأنجم اليوسفوية أسرارها"، وهي صور تحمل طاقة تخييلية لافتة، خاصة في توظيف الرمز اليوسفي، الذي يستدعي ضمنًا قصة يوسف بما فيها من دلالات الرؤيا والتأويل والافتتان.
كما يبرز حضور الطبيعة (الريح، الينابيع، النرجس) بوصفها وسيطًا رمزيًا يعكس الداخل النفسي، لا مجرد خلفية جمالية.
لكن الملاحظة النقدية هنا أن بعض الصور تتراكم دون اقتصاد شعري، فتفقد حدّتها وتأثيرها، إذ تتحول من طاقة إشعاعية إلى فائض بلاغي، خصوصًا حين تتقارب الصور دون تدرج عضوي واضح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟨 ③ البعد الفلسفي والتأمل الوجودي
النص مشبع بنبرة تأملية واضحة، تتجلى في التساؤلات الضمنية حول الرغبة، والاشتياق، والخيبة، مثل:
"ليس ما نتنفسه رغبةً... وليس اشتياق"، وهي مفارقة وجودية تقلب المفاهيم وتعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا يتغذى على التوق أكثر من الامتلاك.
كما يظهر الوعي الجمعي في قوله:
"أشعر أن المكيدة واحدة"، حيث تتخذ القصيدة بعدًا نقديًا للواقع الإنساني، مشيرًا إلى تكرار الخديعة عبر التاريخ.
هذا البعد يُحسب للنص، إذ يمنحه عمقًا يتجاوز الغنائية المباشرة، لكنه أحيانًا يقترب من الخطاب الوعظي، خاصة في المقاطع التي تتضمن نصائح مباشرة مثل: "أنصح نفسي...".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟥 ④ اللغة والإيقاع الداخلي
القصيدة تنتمي إلى فضاء الكتابة الحرة (النثر الشعري أو التفعيلة المنفلتة)، وتعتمد على الإيقاع الداخلي الناتج عن التكرار، والتوازي، والتقطيع النفسي للجملة.
نلاحظ مثلًا تكرار كلمات مثل: "الكثير"، "حقير"، وهو تكرار دلالي يضخم الإحساس بالاختناق أو العبث.
اللغة عمومًا شاعرية ومشحونة، لكنها تميل أحيانًا إلى الترهل، خاصة في المقاطع التي تطول دون ضرورة إيقاعية، مما يضعف التوتر الشعري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟪 ⑤ الرمزية (النرجس/النجمة) وبناء المعنى
يُعدّ مقطع "النرجس" من أجمل مفاصل القصيدة، حيث تتحول الزهرة إلى كيان رمزي مركزي:
النقاء (البياض)، الجمال (الصفار)، والتواضع (العود الأخضر).
ثم يبلغ الرمز ذروته في صورة:
"الصفار أشبهه نجمةً لامعةً بيننا"
حيث تتجسد فكرة "النجمة" بوصفها قيمة نادرة وسط عالم ملوث.
غير أن الانتقال من النرجس إلى "جيوش الذباب" يشكّل قفزة حادة دلاليًا، ورغم قوتها النقدية، إلا أنها تحتاج إلى جسر أكثر سلاسة لربط الجمال بالقبح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟫 ⑥ البعد النقدي للواقع المعاصر
يظهر في القصيدة وعي حاد بالعالم الرقمي:
"المنصات / الرقميات / جيوشاً من ذباب"
وهو نقد صريح لظاهرة "الذباب الإلكتروني"، حيث تتحول القيم إلى فوضى، وتُستهدف الجماليات النقية.
هذا البعد يمنح النص راهنيّة واضحة، ويُحسب له جرأته في إدخال مفردات معاصرة داخل نسيج شعري.
لكن إدخال هذه المفردات جاء فجائيًا نسبيًا، دون تمهيد جمالي كافٍ، مما أحدث نوعًا من الصدمة الأسلوبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟧 ⑦ الخاتمة والبنية الإرشادية
تنتهي القصيدة بنبرة شبه وصيّة:
"فلا تساوم على الانعتاق ولو أنك بالنزع قبل الأخير"
وهي خاتمة قوية من حيث المعنى، تعزز فكرة المقاومة والتمسك بالقيم، لكنها تنقل النص من فضاء الشعر إلى حافة الخطاب الأخلاقي المباشر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🟢 فقرة الثناء العميق
تمتاز القصيدة بثراء تخييلي واضح، وقدرة على توليد صور غير مألوفة تنبض بالحياة والرمز، مع حس فلسفي يتجاوز الغنائية السطحية إلى مساءلة الوجود والواقع. كما أن توظيف الطبيعة والرموز (يوسف، النرجس، النجمة) يمنح النص أفقًا تأويليًا رحبًا، ويعكس تجربة شعرية واعية ومتشبعة بالثقافة. إضافة إلى ذلك، فإن الجرأة في نقد الواقع الرقمي المعاصر تُحسب للنص، وتمنحه طابعًا حداثيًا متصلًا بزمنه.
🟡 فقرة النقد العميق
يعاني النص من تشتت دلالي نسبي نتيجة تزاحم الثيمات دون رابط بنيوي محكم، فضلًا عن فائض بلاغي في بعض المواضع يقلل من كثافة الصورة الشعرية. كما أن الانتقالات المفاجئة بين المقاطع (خصوصًا من الجمال إلى القبح) تفتقر أحيانًا إلى التدرج الفني، مما يربك الإيقاع الداخلي. ويضاف إلى ذلك ميل بعض المقاطع إلى المباشرة والوعظ، وهو ما يضعف البعد الشعري لصالح الخطاب الفكري.
الخلاصة:
القصيدة نص ثري ومفتوح، ينجح في خلق عالم شعري متعدد الطبقات، لكنه يحتاج إلى مزيد من الاقتصاد والترابط البنيوي ليبلغ أقصى درجات تأثيره الجمالي
تعقيب على ماتقدم
المناسبة قصيدة ( نجمةٌ بيننا ، ، ) عنوانها المفتوح على أكثر من دلالة
وأما زمانها فهو كل فصول الصحو والتأمل
القصيدة بصفتها حدث شعوري فاعل ينتقل بين المجرد والواقع المعاش تضم تحت جناحها مناخات متباينة رابطها ومركزها مخيلة الشاعر ومفرداته اللفظية والبلاغية
لينتج أو ليبدع اللوحة القصيدة
وقد يضطر الشاعر مع قوة مخيلته إلى اللجوء إلى ما أشبه بالجيوب الهوائية فتأتي جملٌ ومفرداتٌ بلا سابق تمهيد
ولو تركنا مسافةً بيننا وبين النص لوقعنا على تجليات طازجة للنص
خالص الإمتنان لما بذلت وأظهرت
وأنت فارسٌ بحق يمتاز بتمكنه وبتواضعه الجم
أسلوبك النقدي التحليلي فيه دهشةً وأناةً رائعين
وليسلم بيانك وذائقتك الأدبية الوضيئة

مجلة وجدانيات الأدبية (( لا تجعليني انتظر )) بقلم الشاعر حسان ألأمين



لا تجعليني انتظر
بقلمي حسان ألأمين
ﻻ تجعلوني أصاب
بالغرور
فيكسر القلم
أو يجف الحبر
فأنا في الحب مبتدأ
و ليس خبر
و ليس لي به
دولة و ﻻ علم
و ليس لي فيه برّاً
أو بحر
أحببت
مَنْ للحب جاهلة
فأمسى عسلها
في فمي مُرّ
تهجرني
و تجالس طيفي
و تتسلى بالنجوم
و تناجي القمر
تعاتبني وتلوم
و تعشق الطيور
و الغروب
والبحر
تتكلم
عن تواصلها معي
و في نيتها
البعاد والهجر
كتبت لها ألآف الابيات
نثر وخواطر وشعر
تقول
كلمات تسطر على ورق
و تتمادى في عنادها
و تستمر
اليس ما يخرج من القلب
تخطه اقلامنا؟؟
فيمتزج عشقا
و عن حالنا يعبر
فالكل يألم
لحروف اكتبها
و هي بحالي لا تشعر
سألتكم بألله
أن تعلموها
كيف تحب
و لحبها لي لا تخفيه
و تنتظر
شكراً لكم...
إن بَلغتموها علها
تطفئ نار قلبي
ألمستعر
و تخرج ألي
من بين الكلمات
أو تظهر لي بين سطر
و سطر
و تقول لي أُحبك
أو ترفض حبي
و لا على الوهم أنتظر
بقلمي .. حسان ألأمين

مجلة وجدانيات الأدبية (( بَيْـنَ سِــيْنَيْن "س+س" )) شعر: د. وصفي حرب تيلخ


بَيْـنَ سِــيْنَيْن
(س+س)
شعر: د. وصفي حرب تيلخ
*******
إرادةُ الله في أمري هيَ السّببُ
-----------وقد رضيتُ بما يقضي به السّببُ
أُحبّ فاتنةً سمراءَ مِن زمنٍ
--------------حُبّ الرّضيع لثَدْيِ الأمّ يرتقب
ثارتْ هناك بأرض الغرْبِ ساحرةٌ
-------------شقراء يجمعنا التّاريخ والنّسَب
قالتْ حنانكَ إنّ الشُّقر تعشقكم
------------نحن الضّياء لنا في قلبكم غَلَب
إنْ شرَّق القلب منكم في مَطالِعِه
------------فالغربُ مَوْئلُه, للشّقْر يُحْتَسَب
* * * *
إنْ كنتِ شقراءَ فالسّمراءُ تقتَسِمُ
-------- نِصْف الفؤاد ونصفٌ منكِ يقترب
تنازع القلب عقلي في مناظرةٍ
-----------فإذا الفؤاد به في سِحْركم رَغَب
حاورتُ بالرّفق كَيْ يبقى بِمَشْرِقِه
----------أبى الحوار ولاح الغَيظ والغضب
راجَعْته في معاني الحبّ أنْصَحُهُ
-------------عنّفتُه فغدا بالعنف يضطرب
وقال دعني فإنّي الآن مُنشَغلٌ
----------ما بين ( سِينَيْنِ ) لا سرٌّ ولا عَجَب
وإذا به نِصفٌ يطير لِشَرْقِه
-------والنّصْفُ يذهب نحوَ الغرب ينجذب
كلٌّ بعيدٌ فلا هذا يعودُ لنا
--------------ولا البعيدُ بدار الغرب يقترب
ما ضرَّ قلبيَ لوْ أبدى مُطاوَعَةً
------------وقد نَهَيْتُ فلم يُسَمعْ لنا طلب
غدا بِذاك ضعيفاً ليس ينفعنا
-----------ما نَفْعُ قلبٍ إذا ما شَقّه الطّرب
لا بل بقِيتُ بلا قلبٍ أعيشُ به
-------------لولا سُمَيْراءُ منها نَبْضُنا عَبَب

مجلة وجدانيات الأدبية (( لملم حروفك )) بقلم الشاعر متولي بصل /مصر



لملم حروفك
على بحر البسيط
متولي بصل
مصر
هل يُرجعُ المعرضُ الحلمَ الذي ذهبَ
أم هل سيطلي كتابكَ يا فتى ذهبَا ؟!
اِفرحْ إذا كان ما تجنيهِ من صورٍ
أو معجبين يساوي الجهدَ والتعبَ
لكنْ حذاري منَ الأحلامِ في بلدٍ
لا يشتري صحفا أو يقتني كتبا
خلْفٌ أضاعوا سدى أمجاد أوَّلِهمْ
اليومَ هل يحفظونَ الشعرَ والأدبَ
هم عادة يقرؤون الكفَّ والودعَ
ويعشقون الخنَا والرقصَ والطربَ
لمْلِمْ حروفك وارجعْ أيها الثمل
واسْتعوضِ الله في الحبرِ الذي انسكبَ
يا عاشق الضادِ ضادُكَ شمسها انطمست
والحرف قيِّدَ في الأدراجِ واغتُصِبَ
سطتِ الضباعُ على أملاك سادتها
والأُسْدُ في الأسرِ باتتْ تجهلُ الغضبَ !
ولى زمان القوافي وانبرى زمنٌ
فيه القصيدة لا لحما ولا عصبا
والبحر لا بحرَ نُزجي فيهِ أحرفنا
والحسُّ كالثلج لا نارا ولا حَطَبَا
أوقفْ نزيف حياتك ولْتَئِدْ شغفا
لم تجنِ منهُ سوى أن صرتَ مكتئبَا
فالمرء ليسَ بما جادت قريحتهُ
ولا يجازَى الفتى إلا بما اكتسبَا
من يجمعُ المال يجني اليومَ راحتهُ
أما القصيد فيورثُ أهلَهُ السغبَ

مجلة وجدانيات الأدبية (( الانتفاضة )) بقلم الشاعر ماهر اللطيف /تونس



الانتفاضة
بقلم ماهر اللطيف/تونس
أحسستُ بوجعٍ داهمني دون سابق إنذار.
صرختُ، بكيتُ، دعوتُ الله...
تناولتُ أدويةً وبعض الأعشاب، لكنّ الألم ظلّ جاثمًا، لا يلين.
استلقيتُ على فراشي، أتقلّب يمنةً ويسرة،
كأنني أبحث عن جسدٍ آخر أسكنه.
تفاقم الوجع حتى صار سيّد الموقف،
تعرّقتُ، اصفرّ وجهي واحمرّ،
ارتفعت حرارتي،
اشتدّ عطشي وغثياني،
وضاق نفسي حدّ الاختناق.
ثم...
سقطتُ.
لم يكن سقوطًا عاديًا،
بل كان إعلان هزيمة.
في تلك اللحظة،
انتفض جسدي.
لم يعد طوع أمري.
قلبي يخفق بعنف، كأنه يحتج،
رأسي يطرق كأنه يوبّخ،
أطرافي ترتجف كأنها ترفض الانصياع.
ثم ساد صمتٌ ثقيل،
أعقبه صوت...
لم أعرف من أين خرج،
لكنه كان واضحًا، حاسمًا:
"انتهى الأمر."
حاولتُ أن أقاوم، أن أستعيد السيطرة،
لكنني كنت أضعف من أن أرفع حتى صوتي.
"أهملتَنا طويلًا،
استنزفتَنا،
دفعتَ بنا إلى ما لا نُطيق،
ثم جئتَ الآن تستجدي صبرنا؟"
تلعثمتُ داخلي،
بحثتُ عن عذر، عن تفسير، عن كذبة أخيرة...
لكن لا شيء أنقذني.
"لم تعد أهلًا للقيادة."
كانت الكلمات باردة، قاسية، نهائية.
"لقد سقطتَ في كل اختبار،
وخنتَ كل عهدٍ بيننا."
ثم صدر الحكم:
"نعلن تمرّدنا."
شعرتُ بشيءٍ يُنتزع مني،
كأن السلطة تُسحب من أعماقي ببطءٍ متعمّد.
لم أعد أتحكّم في شيء.
كنتُ هناك...
جسدًا بلا إرادة،
شاهِدًا على نهايتي.
حاولتُ، في لحظة يأسٍ أخيرة،
أن أصرخ:
"أنا صاحب هذا الجسد!"
لكن الصدى عاد إليّ ساخرًا:
"كنتَ."
عندها فقط أدركتُ الحقيقة،
متأخرًا... كعادتي:
لم يكن الجسد هو من خانني،
ولا هو من ثار عليّ...
بل أنا
من قضيتُ عمرًا كاملًا
أخونه،
وأقوده نحو الهلاك.

مجلة وجدانيات الأدبية (( بصمات العابرين )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب / فلسطين

بصمات العابرين ليس البشر كتلةً واحدة تُقاس بمعيارٍ ثابت، ولا تجربةً تتكرر مهما تشابهت الوجوه. نحن نلتقي في الحياة، لكننا لا نخرج منها متشاب...