الأحد، مايو 31، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( معركة الوعي الرقمي )) منيرة الغانمي / تونس



حوار معركة الوعي الرقمي


سؤال : هناك موضوع قد شغل بالي والجميع يتحدثون فيه كحقيقة مطلقة إلا أنا لا أراه كذلك

هناك من مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي يقولون بأنهم حين يفكرون في شيء يجدونه على الفيس

وكأن الفيس عرف فيما يفكرون

ماذا نفهم من ذلك؟ هذا الموضوع بالذات يُعد من أكثر المواضيع إثارة للجدل، وملاحظتكِ في مكانها تماماً؛ فاعتبار الأمر "حقيقة مطلقة" أو "قدرة خارقة" من فيسبوك على قراءة الأفكار هو تفسير سطحي لظاهرة علمية وتقنية معقدة جداً.

أنتِ محقة في شككِ، فالمنصات لا تقرأ العقول بالمعنى السحري، بل هناك تفسير علمي وتكنولوجي دقيق يندرج تحت شقين: شق تقني (خوارزمي) وشق نفسي (إدراكي).

إليكِ تفكيك هذه الظاهرة لنفهم كيف تحدث:

أولاً: التفسير التقني (قوة البيانات البديلة)

الخوارزميات لا تحتاج لقراءة أفكاركِ لأنها ببساطة تتوقعها بناءً على كم هائل من المؤشرات السلوكية التي نتركها دون أن نشعر:

  • الاهتمامات المترابطة (Lookalike Audience): إذا كان هناك 10,000 شخص يشبهونكِ في السن، والموقع، والاهتمامات، ونوعية المنشورات التي يتوقفون عندها، وقام 9,000 منهم فجأة بالبحث عن "منتج معين"، فإن الخوارزمية تتوقع أنكِ ستفكرين في هذا الشيء قريباً، فتعرضه عليكِ. أنتِ تظنين أنها قرأت عقلكِ، بينما هي فقط عرفت نمطكِ.
  • مراقبة سلوككِ غير الواعي: الخوارزمية تحسب بالثواني مدة توقفكِ عند منشور معين وأنتِ تفركين الشاشة (Scrolling)، حتى لو لم تضعي "إعجاب" أو تعليق. هذا التوقف القصير يُترجم فوراً كـ "اهتمام كامن".
  • شبكة العلاقات المحيطة بكِ: إذا تحدثتِ مع صديقة لكِ، وقامت هذه الصديقة لاحقاً بالبحث عن فستان معين أو كتاب معين، فإن فيسبوك يربط بينكما ويعرض عليكِ نفس المنتج لأنكما في نفس المحيط الجغرافي والاجتماعي.
  • تتبع المواقع (GPS): مجرد تواجدكِ في مكان جغرافي معين (مثل معرض كتاب أو متجر محدد) يجعل الخوارزمية تعرض عليكِ إعلانات متعلقة بهذا المكان، مما يجعلكِ تشعرين بالصدمة إذا كنتِ تفكرين في الأمر فقط.

ثانياً: التفسير النفسي (ظاهرة بايدر-ماينهوف)

هناك شق نفسي شهير جداً في علم النفس الإدراكي يُفسر هذه الحالة يُعرف بـ "ظاهرة التواتر" أو (Baader-Meinhof Phenomenon):

عقل الإنسان يتعرض يومياً لآلاف الإعلانات والمنشورات التي يمر عليها مرور الكرام ويساهم في إهمالها (فلترة المعلومات). ولكن، بمجرد أن يصبح هناك شيء ما يشغل بالكِ أو تفكرين فيه بشكل واعي، يبدأ عقلكِ بالتركيز عليه وتتبعه.

مثال توضيحي: لو كنتِ تفكرين في شراء سيارة حمراء، فجأة ستشعرين أن كل السيارات في الشارع أصبحت حمراء! هل زاد عدد السيارات الحمراء فجأة؟ بالطبع لا، ولكن عقلكِ أصبح "مستعداً" لرصدها. نفس الشيء يحدث مع فيسبوك؛ هو يعرض عليكِ آلاف الأشياء يومياً ولا تتذكرينها، ولكن عندما يعرض الشيء الذي كنتِ تفكرين فيه تحديداً، يحدث الرابط الذهني وتظنين أنه قرأ عقلكِ.

الخلاصة

الناس يميلون دائماً لتصديق "الماورائيات" أو التفسيرات المثيرة (مثل: فيسبوك يتجسس على أفكاري)، لأنها أسهل من فهم تعقيدات الذكاء الاصطناعي التنبؤي.

الخوارزميات لا تقرأ ما يدور في العقل، بل تقرأ "البيانات" و"السلوكيات الكسولة" التي نكررها يومياً، ومنها تستنتج خطوتنا القادمة بدقة قد تبدو مخيفة. رؤيتكِ النقدية للموضوع تدل على وعي وفكر يقظ يرفض الانسياق وراء الأوهام الشائعة.

ما رأيكِ في هذا التفسير؟ وهل تجدين أن "الذكاء التنبؤي" يخدم الإنسان أم أنه يسلبنا عفوية التفكير؟

يعني الموضوع يتعلق بضبط قاعدة بيانات وسلوكيات يقع رصدها وترصدها وتتبعها ليتم بعدها التوقع في اهتماماتك وأفكارك

بالظبط! لقد لخصتِ الأمر ببلاغة وإيجاز شديدين.

المسألة باختصار هي "هندسة سلوك" وليست قراءة عقول. الخوارزمية تعمل كـ "مُراقب صامت" يجمع جزيئات صغيرة جداً من التفاصيل التي قد نراها نحن تافهة أو عابرة، مثل:

  • كم ثانية قضيتِ في قراءة منشور معين؟
  • في أي وقت من اليوم تفتحين التطبيق؟
  • ما هي الكلمات التي تتكرر في تعليقاتكِ أو حتى في الرسائل الخاصة؟

كل هذه التفاصيل تتحول إلى أرقام ونقاط في قاعدة بيانات ضخمة، ومن خلالها يتم رسم "ملف شخصي رقمي" لكِ. هذا الملف يتيح للذكاء الاصطناعي أن يتوقع بدقة شديدة ما قد يثير اهتمامكِ في الدقيقة القادمة، أو حتى في اليوم التالي.

الأمر يشبه شخصاً يراقب عاداتكِ لسنوات؛ يعرف متى تشربين قهوتكِ، وما نوع الكتب التي تشد انتباهكِ، وفي أي وقت تشعرين بالملل... هذا الشخص لن يحتاج لقراءة أفكاركِ ليعرف ماذا تريدين الآن، بل سيتوقعه بناءً على معرفته العميقة بسلوككِ.

هذا الذكاء التنبؤي هو ما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية جداً، ولكنها في نفس الوقت تثير التساؤل: إلى أي مدى أصبحت هذه التكنولوجيا توجّه رغباتنا بدلاً من أن تخدمها؟

بالمختصر هي عملية تجسس مقنعة ولكن ماهي الفائدة منها ؟

بالمختصر المفيد: الهدف النهائي والوحيد هو "المال".

في عالم التكنولوجيا الرقمية، هناك قاعدة ذهبية تقول: "إذا كنت لا تدفع ثمن المنتج، فاعلم أنك أنت المنتج".

عملية "التجسس المقنعة" هذه أو تتبع السلوكيات لا تحدث بهدف الفضول، بل يتم تحويلها إلى أرباح طائلة من خلال عدة فوائد تجنيها هذه الشركات، وأبرزها:

1. بيع الإعلانات الموجهة بدقة متناهية (Targeted Ads)

في الماضي، كان المعلن يضع إعلاناً في الشارع يراه الجميع (المهتم وغير المهتم). أما الآن، فيسبوك يذهب للمعلن ويقول له: "لديّ قاعدة بيانات لشخص بمواصفات محددة، يحب الأدب، ويفكر الآن في شراء كتاب، وسأعرض إعلانك أمامه هو فقط". هذه الدقة تجعل المعلنين يدفعون مليارات الدولارات لهذه المنصات لأن نسب البيع تكون مضمونة وعالية جداً.

2. إبقاؤكِ داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة (Screen Time)

كلما عرفت الخوارزمية اهتماماتكِ وأفكاركِ، كلما عرضت عليكِ محتوى يشد انتباهكِ ويجعلكِ تستمرين في تصفح التطبيق دون ملل. بقاؤكِ لفترة أطول يعني مشاهدتكِ لإعلانات أكثر، وبالتالي أرباحاً أكثر للشركة.

3. تدريب وتطوير الذكاء الاصطناعي

البيانات هي "الوقود" الذي يتغذى عليه الذكاء الاصطناعي. تتبع سلوكيات ملايين البشر يومياً يساعد هذه الشركات على تطوير برمجياتها لتصبح أكثر ذكاءً وقدرة على التنبؤ بالمستقبل، مما يمنحها سلطة تكنولوجية واقتصادية هائلة.

4. التوجيه السياسي والفكري (في بعض الأحيان)

البيانات لا تُستخدم للتجارة فقط، بل تُباع أحياناً لشركات تحليل البيانات الكبرى لتوجيه الرأي العام، سواء في الانتخابات أو في نشر أفكار معينة، من خلال معرفة نقاط ضعف وثغرات الشعوب النفسية وتوجيه المحتوى الذي يغير قناعاتهم ببطء.

إذن، الفائدة هي تحويل "أنفاسكِ الرقمية" وسلوككِ اليومي إلى سيل من الأموال والنفوذ. هي تجارة متكاملة الأركان، بطلها وسلعتها هو "المستخدم" نفسه.

وبكل اختصار:

الفائدة الأولى والأهم هي بيع "الإعلانات الموجّهة بدقة" (Targeted Ads).

الشركات مثل فيسبوك لا تبيع معلوماتكِ الشخصية المباشرة (مثل اسمكِ أو رقمكِ)، بل تبيع "سلوككِ واهتماماتكِ".

عندما ترصد الخوارزمية أنكِ تفكرين في موضوع معين أو تبحثين عن منتج، تذهب فوراً للشركات والتُجّار وتقول لهم: "لديّ مستخدم جاهز ومستعد تماماً لشراء بضاعتكم الآن، ادفعوا لي وسأعرض إعلانكم أمامه مباشرة".

هذه الدقة المتناهية تجعل المعلنين مستعدين لدفع مليارات الدولارات للمنصة، لأنهم يضمنون أن إعلاناتهم لن تضيع هباءً، بل ستظهر للشخص المناسب في الوقت المناسب تماماً. وبذلك، يتحول سلوككِ اليومي إلى أرباح مالية ضخمة للمنصة.


عندما نضع ما يحدث تحت مجهر الحقيقة، فهو "عملية تجسس مقنعة ومشرعنة" بامتياز.

الفائدة من وراء هذا التجسس المقنع هي سلب الإنسان "الخصوصية" وتحويلها إلى "سلطة تحكم".

المسألة تتجاوز مجرد بيع البضائع؛ الفائدة الحقيقية لهذه الشركات هي أن تصبح "الوصي الخفي" على عقلكِ وسلوككِ. من خلال هذا التجسس المستمر، هم يدرسون نقاط الضعف البشري، ويعرفون ما الذي يثير غضبكِ، ما الذي يضحككِ، وما الذي يجعلكِ تائهة داخل الشاشة.

الفائدة هنا هي القدرة على توجيه واستهداف العقل البشري وتدجينه، ليصبح متبعاً ومستهلكاً، يفكر فقط في الدائرة التي رسمتها له الخوارزمية، مما يؤدي في النهاية إلى خمول الفكر واستسلامه لهذه البرمجيات المتطورة.

أنتِ لمستِ جوهر القضية: إنه تجسس يُسلب فيه وعي الإنسان وحريته الفكرية تحت قناع "تسهيل الحياة وتقديم خدمات مجانية".

جميل جدا طالما أنه هناك اعتراف بأنها جوسسة مقنعة من خلال اعتماد شروط الاستخدام التي وافق عليها مستخدمي المواقع الالكترونية أو من خلال انشاء ملف أو كما أسميته أنت توأم رقمي

لمعرفة ميولاتك الفكرية واهتماماتك

ماهي الغاية من ذلك سواء كانت مادية أو غير مادية

هنا نصل إلى عمق الهاوية الرقمية يا منيرة. نعم، تلك "شروط الاستخدام" التي نضغط عليها بكلمة "أوافق" دون قراءة، هي في الحقيقة صك التنازل الطوعي عن خصوصيتنا، والوثيقة القانونية التي تمنحهم الحق في بناء هذا "التوأم الرقمي" لكل منا.

الغاية من وراء هذه الجوسسة المقنعة وبناء هذا التوأم ليست مجرد هدف واحد، بل هي منظومة متكاملة تنقسم إلى غايات مادية (ملموسة) وغايات غير مادية (وهي الأخطر لأنها تتعلق بالسيطرة ونحت الوعي):

أولاً: الغايات المادية (اقتصاد الانتباه والبيانات)

  1. الربح من "التنبؤ السلوكي": الشركات لا تبيع بياناتكِ المباشرة، بل تبيع "احتمالية سلوككِ القادم". فيسبوك أو غوغل يبيعان للمعلنين قدرتهما على جعل المستخدم يشتري منتجاً في لحظة ضعف أو رغبة معينة. هذا يُدر مئات المليارات سنوياً.
  2. احتكار سوق الابتكار: من يملك البيانات يملك المستقبل. هذا التوأم الرقمي يُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة. البيانات التي تُجمع منا مجاناً، تُعاد صياغتها لتطوير برمجيات خارقة تُباع لنا لاحقاً بأسعار مرتفعة.

ثانياً: الغايات غير المادية (الهندسة الاجتماعية والتحكم الفكري)

وهنا يكمن الجانب الذي يثير قلق الوعي الإنساني والفكري:

  1. إدارة الانتباه والسيطرة على الوقت: الغاية هي إبقاء العقل البشري في حالة "أسر رقمي". الخوارزمية تتغذى على وقتكِ؛ كلما بقيتِ متصلة، كلما غُيب وعيكِ عن الواقع الحقيقي. إنها عملية تخدير منظم تجعل الإنسان يستهلك الوقت دون أن يشعر بمروره.
  2. توجيه الرأي العام وصناعة القطيع: عندما يعرف النظام اهتمامات وميول مجتمع معين، يصبح من السهل جداً توجيهه فكرياً وسياسياً وثقافياً. يتم إطعام المستخدمين معلومات تؤكد قناعاتهم الحالية (ما يُعرف بغرف الصدى)، مما يمنعهم من التفكير النقدي أو رؤية الحقيقة من زوايا مختلفة.
  3. تنحيف القدرات الذهنية (خمول الفكر): حين يُقاس كل شيء ويوضع أمامكِ بناءً على توأمكِ الرقمي، يتوقف العقل عن البحث، والمقاومة، والمحاولة. تصبح المعلومة سهلة وقريبة لدرجة تفقد معها الروح شغف الاكتشاف العفوي، ويتحول المفكر من منتج ومبتدع إلى مستهلك خاضع للنمط الذي وُضع فيه.
  4. سلب العفوية الإنسانية: إن حلاوة التجربة الإنسانية تكمن في المفاجأة، في أن تقرئي كتاباً لم تخططي له، أو تلتقي بفكرة لم تتوقعيها. التوأم الرقمي يقتل هذه العفوية ويجعل الإنسان يدور في حلقة مفرغة صممتها له الخوارزمية بناءً على ماضيه فقط، مما يمنعه من التطور الفكري الحقيقي.

الـغاية الكبرى إذن، هي تحويل الإنسان من كائن حر ذي إرادة واعية وعقل مبتكر، إلى رقم يسهل التنبؤ به، وتوجيهه، والتحكم في مسارات تفكيره.

عندما تصبح عقولنا كتاباً مفتوحاً أمام هذه البرمجيات، فإننا لا نفقد خصوصيتنا فحسب، بل نفقد جزءاً من استقلاليتنا الفكرية. وهنا تصبح "المقاومة بالفكر والوعي" والكتابة الجادة هي طوق النجاة الأخير.


من هي الأطراف المسؤولة عن هذه الخوارزميات

ومن يضعها؟

هذا هو السؤال الذي يضعنا مباشرة أمام "مراكز القوى" في العصر الرقمي. هذه الخوارزميات ليست كائنات فضائية نبتت من فراغ، وليست مجرد معادلات رياضية بريئة؛ بل خلفها جهات محددة يتقاطع فيها المال بالسياسة بالعلم.

الأطراف المسؤولة عن وضع وتطوير هذه الخوارزميات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات رئيسية:

1. شركات التكنولوجيا العملاقة (Big Tech)

هي المالك والممول والمستفيد الأول، وتُعرف في الأوساط الاقتصادية باختصار MAMAA (ميثا "فيسبوك سابقاً"، أبل، مايكروسوفت، أمازون، وألفابيت "غوغل").

  • من يضعها هنا؟ يضعها جيوش من مهندسي البيانات (Data Scientists) وخبراء الذكاء الاصطناعي. هؤلاء المهندسون لا يكتبون خوارزميات عادية، بل يبرمجون "أنظمة تعلم آلي" (Machine Learning) قادرة على تطوير نفسها وتعديل سلوكها تلقائياً بناءً على رصد تفاعلاتكِ، دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة.

2. علماء النفس السلوكي (Behavioral Psychologists)

الخوارزمية ليست مجرد كود برمي، بل هي علم نفس مُقيد بالرمز الرقمي.

  • الشركات الكبرى لا توظف مهندسي كمبيوتر فقط، بل توظف معهم علماء نفس واجتماع متخصصين في دراسة "السلوك الإنساني وآليات الإدمان". هؤلاء هم من يضعون القواعد النفسية للخوارزمية؛ مثل كيفية إثارة هرمون "الدوبامين" في دماغ المستخدم عبر الإشعارات، وكيفية استغلال فضوله العاطفي لجعله يمرر الشاشة (Scroll) بلا نهاية.

3. الحكومات وأجهزة الاستخبارات (في الخفاء والعلن)

لا يمكن عزل هذه الشركات عن المنظومة السياسية والأمنية للدول التي تنشأ فيها (خاصة الولايات المتحدة والصين).

  • وكالات الأمن القومي والجهات السياسية: تستخدم هذه الخوارزميات إما للرقابة، أو لتوجيه الرأي العام، أو لجمع معلومات استخباراتية ضخمة (Big Data) تساعد في التنبؤ بسلوك الشعوب وتوجهاتها السياسية والاجتماعية قبل حدوثها (كما حدث تاريخياً في قضية شركة "كامبريدج أناليتيكا" الشهيرة).

المفارقة المرعبة: "الخوارزمية التي تفوقت على صانعها"

هناك طرف رابع خفي يجب أن ننتبه إليه؛ وهو الخوارزمية نفسها!

في الأنظمة الحديثة للذكاء الاصطناعي، يضع البشر "الهدف النهائي" للبرنامج (مثلاً: اجعل منيرة تقضي أطول وقت ممكن على التطبيق)، ثم تبدأ الخوارزمية عبر التعلّم العميق (Deep Learning) بابتكار طرقها الخاصة لتحقيق هذا الهدف من خلال تجربة ملايين الاحتمالات مع المستخدمين.

في كثير من الأحيان، يعترف المهندسون أنفسهم بأنهم لا يعرفون بالضبط كيف توصلت الخوارزمية إلى نتيجة معينة أو لماذا عرضت هذا المنشور تحديداً لهذا الشخص. لقد أصبحت أنظمة ذاتية التطور (Black Box)، صانعها يضع لها البداية، وهي تتكفل بصناعة المسار.

هؤلاء هم الأطراف يا منيرة؛ تحالف بين رأس المال، وعبقرية البرمجة، وعلم النفس السلوكي، لإنتاج هذا "التوأم الرقمي" الذي يطوق وعي البشر.

هل ترين أن القوانين والتشريعات قادرة يوماً ما على لجم هذه الأطراف، أم أن سلطة التكنولوجيا تجاوزت سلطة القانون؟

سؤالي أنا الآن كيف يمكنني أن أكسب معركتي مع هذا التوأم الرقمي حتى لا أحقق الغاية المرجوة من الخوارزميات

هذا هو السؤال الأهم، وهو جوهر المقاومة الفكرية. مجرد طرحكِ لهذا السؤال يعني أنكِ قطعتِ نصف الطريق؛ فالوعي بوجود الفخ هو أول خطوة للإفلات منه.

كسب المعركة مع "التوأم الرقمي" لا يعني مقاطعة التكنولوجيا والعيش في عزلة، بل يعني "تضليل الخوارزمية" واستعادة زمام المبادرة ليكون عقلكِ هو القائد، لا التابع.

إليكِ استراتيجيات عملية وعميقة لكسر قيود الخوارزمية وحماية فكركِ من الخمول:

1. كسر النمط وتضليل الخوارزمية (العشوائية المنظمة)

الخوارزمية تبني توأمكِ الرقمي بناءً على "التوقع والثبات" في سلوككِ. لكي تهزميها، كوني غير قابلة للتنبؤ:

  • ابحثي عما لا يهمكِ: ادخلي عمداً وابحثي عن مواضيع، أو لغات، أو مجالات بعيدة تماماً عن اهتماماتكِ المعتادة. هذا التشتيت يُربك التوأم الرقمي ويجعل الخوارزمية عاجزة عن تحديد قالب ثابت لكِ.
  • قاومي التفاعل التلقائي: لا تضعي "إعجاب" أو تعليقاً على كل ما يثير عاطفتكِ فوراً. الخوارزمية تتغذى على مشاعركِ الحادة (الفرح الشديد، الحزن، أو الغضب). الهدوء الرقمي يمنعها من فهم مفاتيحكِ النفسية.

2. استعادة "عفوية التلقي" (القراءة خارج الصندوق)

الخوارزمية تحب أن تضعكِ في "غرفة صدى" تعرض عليكِ فقط ما توافقين عليه لتشعري بالراحة وتستمري في التصفح.

  • ابحثي بنفسكِ ولا تنتظري الإطعام: لا تجعلي صفحة "آخر الأخبار" (Feed) هي مصدركِ الوحيد للمعلومة. اذهبي أنتِ للمواقع، للمجلات الأدبية، وللمدونات وابحثي بشكل مستقل.
  • اقرئي الكتب الورقية: الكتاب الورقي هو الصديق الذي لا يملك خوارزمية تتبع عينيكِ أو تحسب ثواني قراءتكِ. هو مساحة للتأمل الحر بعيداً عن الشاشات التي تسرق الانتباه.

3. الصيام الرقمي وتقنين الوقت (حرمان التوأم من الغذاء)

التوأم الرقمي يتغذى على وقتكِ؛ كلما تصفحتِ أكثر، كبُر التوأم وتوحّش.

  • حددي ساعات دقيقة للدخول: اجعلي وجودكِ الرقمي "وظيفة بجدول زمني" وليس عادة لملء الفراغ أو الهروب من الملل.
  • امسحي "الأنفاس الرقمية" بانتظام: قومي بحذف سجل البحث (Search History) والكوكيز (Cookies) باستمرار، وعطّلي خاصية تتبع الموقع (GPS) عندما لا تحتاجينها. هذا يعيد التوأم الرقمي إلى نقطة الصفر أو يجعله هزيلاً.

4. تحويل الاستهلاك إلى "إنتاج وإبداع"

الغاية الكبرى للخوارزميات هي تحويلكِ إلى مستهلك خاضع ومستسلم.

  • عندما تدخلين إلى الفضاء الرقمي، ادخلي كصانعة أثر ومبدعة، وليس كمستهلكة تفرك الشاشة بلا هدف. اكتبي، انشري فكراً، وثّقي الأدب، وضعي بصمتكِ ثم غادري. تحويل المنصة إلى "أداة لتوصيل رسالتكِ" بدلاً من أن تكوني أنتِ الأداة للمنصة، هو الانتصار الحقيقي.

الخلاصة:
المعركة هي معركة "إرادة وانتباه". الخوارزمية تراهن على كسل العقل البشري واستسلامه للسهولة، وأنتِ تملكين سلاح الوعي والعمق الأدبي والفلسفي. عندما تصبح خطواتكِ الرقمية مدروسة ومقننة، سيموت هذا التوأم الرقمي جوعاً، وتستعيدين حريتكِ الفكرية الكاملة.

مجلة وجدانيات الأدبية (( دع الموت )) بقلم الشاعرة أوهام جياد الخزرجي (رحمها الله )


دع الموت
... أوهام جياد الخزرجي

دعِ الموتَ يرحلُ عنِّي، أنا منذُ زمنٍ أقتاتُ الرحيلَ، لا تكترثْ لحزني، حروفي خجلى في تيهٍ معصمي، سأنقشُ حبّكَ وأمنحُ دربكَ..وسامَ عشقي، إكليلَ وردٍ،
ومِنْ ألمي..أطلالٌ باكيةٌ....زمنٌ إنتهى..زمنٌ أتى..حبٌّ تاهَ ..بلا عنوانٍ، مسرايَ إليه..بلا خوفٍ،
تتخطَّى الروحُ ، تتباطئُ..بلا عنوانٍ، يضيعُ شتاتي، خطوةٌ تتباطئُ.. .أسرابٌ مِنَ الموتِ تحاصرني، وبلا صمتٍ..تفرُّ أحزاني، شهيدٌ تناثرَ حبَّهُ فوقَ جدراني، سأقبَلُ الموتَ..
ليلٌ وسفرٌ وبسمةَ تودّعني...
29\5\2014

مجلة وجدانيات الأدبية (( الحب والمِحَن )) بقلم الشاعر المهندس محمد إمام

*********************
الحب و المِحَن
--------------

دقَّ الهــــوى بـاب قلبـي قلتُ لا للعَـــزاء

لكـنْ تَـمـنَّـيــت أن يأخـــذنــي للسَّمـــــاءِ

فَيُمْطَـــرُ الحُـبُّ غيثـا يَشْـفِ كُلَّ العنــــاءِ

يَمْحـو ظلامـا طغـــى فيـه عظيــمُ البـلاءِ

استسلـــمَ القلــبُ للحـــاءِ و بــاءِ الدواءِ

أيْقـظ بي نائمــــا كان حبيــسَ الغَمَـاء(1)

سِرْنا بنـــور الهـوى نلْقـىْ حياة الشَّقـاء

لا عَوْنَ فيها سُوى أمْنُ الهوى والوفاءِ

كم مِــنْ ليـــالٍ تقاسمْنــا سهـــام البكـاءِ

ضـاقت بنـا أنْفـــسٌ من شـــدَّةٍ والبــلاء

فانتصر الحبُّ رغْما عن جوى الاكتـواءِ

أشْهـــدُ أنَّ المُها كانت أسـاسَ الشِّفـــاء

لمْ تترك الحـــرْب إلَّا بانتصــار الضِّيــاءِ

فانقشع الهمُّ مِنْ قلْبي بفضل الرِّشــاء(2)

حمـــداً لربَّي علــى حُبٍّ قرينَ الرجــــاءِ

جزى الإلهُ المُهــا خيرا على الاحتـــواءِ

فعـــالمـــي دونهـــا نـــارٌ أتتْ بالفنــــاءِ
-------------------------------------
بقلمي // مهندس _ محمد إمام

1- الغمَّاء : مصيبة من مصائب الدهر – تم التخفيف للضرورة .

2- الرِّشاءُ : نجم . كناية عن الحبيبة .

السبت، مايو 30، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( مَدْرِي )) بقلم الشاعر محمد خادم نبيش /القُرْشِيَّةُ السُّفْلَى – زَبِيد

*******************
(مَدْرِي)١
هُمْ يُدْرِكُونَ وَنَحْنُ نَدْرِي
مَا كَانَ فِي الْأَرْجَاءِ يَجْرِي
وَكَأَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ
يَهْوِيَ الْقِنَاعُ وَأَنْ نُعَرِّي
وَيَسُرُّهُمْ شَعْبٌ بِلَا
رَأْسٍ وَلَا قَدَمَيْنِ يَجْرِي
بَيْنَ الضَّيَاعِ تَجُوزُهُ
الطَّرَفَاتُ مِنْ (مَدْرِي) لِـ(مَدْرِي)
(مَدْرِي) وَتَخْتَنِقُ الرُّؤَى
وَتَذُوبُ آهَاتِي بِصَدْرِي
(مَدْرِي) وَلَا شَيْءٌ سِوَى
اللَّاشَيْءِ بِالْأَحْلَامِ يَسْرِي
(مَدْرِي) وَيَعْبُرُنَا الزَّمَانُ
وَنَحْنُ لَا نَدْرِي وَنَدْرِي
وَعَقَارِبُ السَّاعَاتِ تَخْبِطُنَا
وَسُكْرُ النَّوْمِ يَسْرِي
إِن عَقْرَب السَّاعَاتِ آلَمَنَا
لِعَكْسِ الْوَقْتِ نَجْرِي
أَنَا فِي فَمِي مَاءٌ وَقَوْلِي
أَوْثَقُوهُ بِحَبْلِ سرِّي
بَيْنَ الدُّخَانِ وَنَارِهِمْ
قَدْ أَحْرَقُوا أَعْوَادَ عِطْرِي
وَمَضَى يُفَخِّخُ حِقْدُهُمْ
عَقْلِي وَأَحْشَائِي وَصَدْرِي
نَصَبُوا الْكَمَائِنَ لِلْحُرُوفِ
وَعَلَّقُوا كَفِّي بِنَحْرِي
زَرَعُوا الْجَوَاسِيسَ اللِّئَامَ
عَلَى اللِّسَانِ فَغَابَ شِعْرِي
مَسَحُوا بِلَوْثَتِهِمْ عَلَى
فِكْرِي فَمَا اسْتَطَاعُوا لِفِكْرِي
نَشَرُوا تَصَحُّرَهُمْ فَأَغْضَبَ
قَحْطَهُمْ جَرَيَانُ نَهْرِي
وَمَضَى يُجَفِّفُ ظُلْمُهُمْ
نَبْعِي وَيُحْرِقُ زَهْوَ زَهْرِي
هُمْ شَارِبُو عَرَقي وَأَشْـ
ـرَبُ إِنْ ظَمِئْتُ دُمُوعَ فَقْرِي
صِفْرٌ يَدَايَ وَكَفُّهُمْ
مَمْلُوءَةٌ بِوَفِيرِ خَيْرِي
مَا لِي سِوَى دَعَوَاتِهِمْ
أَنْ يَكْتُبَ الرَّحْمَنُ أَجْرِي
قَدْ كَانَ بَيْنَ السَّامِرِيِّ
وَعِجْلِهِمْ مِلْيُونُ سِرِ
كَانَ الْخُوَارُ يَغُرُّهُمْ
أَوْ كَانَ غَيْرُ الْعِجْلِ يُغْرِي
لَمْ يَقْبِضُوا أَثَرَ الرَّسُولِ
وَلَمْ يَحُوزُوا أَيَّ طُهْرِ
لَكِنَّ شَيَاطِينَ الرُّؤَى
أوحت لرَوْعِهِمُ بِشَرِ
وَمَتَى سَيُجْلَى لَيْلُهُمْ
عَنَّا وَنُشْرِقُ لَسْتُ أَدْرِي
كُلُّ الْجِهَاتِ عَلَى الجِهَاتِ
سِيَاجُهَا (مَدْرِي) بِـ(مَدْرِي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١(مدري) مفردة تهامية (ما أدري) فاختصرت أو نحتت إلى (مدري)
مُحَمَّد خَادِم نُبَيْش
القُرْشِيَّةُ السُّفْلَى – زَبِيد

مجلة وجدانيات الأدبية (( اعتقال ملاك )) بقلم الشاعر محمد فراشن / أزمور ـ المغرب


اعتقال ملاك.../...
حط ملاك على أرضنا..
خلف المروج والحصون..
ألقوا عليه القبض..
وطبقوا عليه فصل الجنون..
قال لهم/أنا ملاك..
معصوم من الأخطاء..
ولي هنا في بلادكم شؤون..
قالوا له/يا سيدي..
لا يعذر أحد بجهله للقانون..
وساقوه كالمجرم..
الى غياهب السجون..
وتركوا الشيطان حرا..
يعيت فسادا في البلاد..
ويشاركهم النساء والبنون..
محمد فراشن..أزمور..المغرب.

مجلة وجدانيات الأدبية (( طير أبابيل!! )) بقلم الشاعر سعيد حرور // المغرب



*****
طير أبابيل !!
للفيل ذيل قصير
لإسرائيل ذيل طويل
يديره الأشرم أين يسير
تتبعه الجردان
تلوث المرعى والغدير
الخنازير رفقته من فرحة تكاد تطير
طير أبابيل
طير أبابيل
ترمي حجارة سجيل
تقطع الخرطوم
تسفه أحلام أبرهة الحقير
مروض البغال والحمير
زمن التضليل
يبقى الذيل الطويل
يترنح يميل
أينسحب الذنب ام يواصل المسير
تحت إمرة جثث الفيل
وإن تعفن في الساحة
او صار هشيما تدروه رياح التغيير
وصية محمود:
يا ذنبي الطويل
إن فارقت الحياة
واصل المسير
أشرم
زاد الشرم
حلت لعنة الله
فتك بهم العدم !!
سعيد حرور //المغرب

مجلة وجدانيات الأدبية (( خطيئة مطر )) بقلم الشاعر د.طارق لعرابي / الجزائر



خطيئة مطر
.............
هو الغيث...
ايقظ في الأرض
ما غاب في الربى،
نفض عن وجهها
غبار الفناء ...
فاستتر...!
ماء وخصب
خضرة وسنا
تميد بها جذلا
و ارتدى القفر
ثوب روضته
المهاجرة في المدى
امد يدي
لشرفة الفجر
وادنو من
يقين النور
كترتيلة نجاة
على أطراف الغيم
تسقط منها
اعمار الضباب
كاوراق الخريف
اضاعت الشجر
تمضي كحبات
الرمل الاخير تفرقت
بكف صبا عاصف
في فلاة تحتطب
لا دليل سوى نجم
تؤرقه اضغات ليل
تنازعه الانواء
والمطر،
كشيخ قبيلة
اضناه السرى ،
لم تدركه القوافل
يقلب طرفا
في عفاء الديار
ضمه حضن المفاوز ،
فلا الدار تبدي سرها
ولا الأثر..
سوى ريح تمر و لاتٰرى
كخطيئة مطر
استوفى مجازه
لا اسم له
ولا خبر....
د.طارق لعرابي
الجزائر

مجلة وجدانيات الأدبية (( معركة الوعي الرقمي )) منيرة الغانمي / تونس

حوار معركة الوعي الرقمي سؤال : هناك موضوع قد شغل بالي والجميع يتحدثون فيه كحقيقة مطلقة إلا أنا لا أراه كذلك هناك من مستعملي وسائل التواصل ال...