عيناك وبغداد والقمر
*********************
أحزان
بعينيك عرشت
وقصائد صامتة
بديعة الأوزان
مغمورة في الصمت
ساجية
ممنوعة
لا يجروء على النطق بها اللسان
أحزان
وقد فقد الزَّمان هويته
وفقد جبينه
وتبرَّأَ المكان من المكان
وعاد بغيومه ورياحه أيلول
بكل لون التعسُّف والضَّغينة فيه
ينسف أوراق الزيتون
ويُجرِّد من خضرتها الأفنان
أحزان
وما زالت الأرض تسافر في المجرَّة
على وتيرتها الأولى
غير عابئة
لم تغير مسارها
ولم تكف عن الدوران
وما زال البحر يأتي من بعيد كما كان
وإذ يصحب
تحتضن أمواجه الشطآن
وما زال هاذا المارد العربيد بصدري
يزأر
وقد أفلت الزمام من يدي
وانفلت العنان
أساوره على الهجوع
يصدني
يندفع النجيع بعنف
يضيق به الوريد والشريان
أحزان
وما زلت على حالك
صارخة النهدين
متحدِّية الأجفان
لا الوجع يصد من عنادك
وإن كبر
شاع
وغدا بركان
وأرى بغداد بعينيك شامخة
وأراك ببغداد
باقات نور تفتح وأزان
مجلوة أنت ببغداد
وبغداد مجلوة فيك
كما تتناسق
تتعانق
تنصهر الألوان
وأراك نخلا ببغداد
مساحات اخضرار
أشجار سنديان
أحزان
تذكرني عيناك زرقة المياه
وما بين نهديك يذكرني الوديان
وارتيئ بغداد بعينيك
وارتييك ببغداد جداول حنان
وارتئي بعينيك المدى
كما المدى ببغداد بعيد
يخرج عن تركيبة المكان
فجأة أرى هذا الذي يحمل في جرابه دمار أمة
و بارودا و دخان
و أرى هذا الذي يحمل تركيبة الموت
و يحمل الأكفان
أراه يساورك
و أراك تصمدين كما بغداد شامخة
كما يصمد لغزو التتار البنيان
مأثورة أسطورة شموخك عند من سبقوني
لا الجبروت يفل في أسوارك
و لا جحافل البهتان
و ينظر إليك شزرا
و إلى السرير
و يلمع البرق في عينيه من الهيجان
و تمتد يده إليك
و يتمطط ليحتويك
كما يتمطط لفريسته الثعبان
و تصمدين و تصمدين و تصمدين
و لا دون ما يريده الأحباب ولا الأصحاب ولا الخلان
و يزحف الوحش
و تصمدين
و تصمدين
و كلهم غياب
و كلهم أذناب
و يزحف الوحش إليك
و تصمدين و تصمدين و تصمدين
و كلهم سقط السقوط
و سقط المتاع
و كلهم تلوث
و كلهم أدران
و يزحف الوحش ليحتويك
كمارد من جان
رباه هل هاته الرأس رأسي
أن مرجل من شدة الغليان
و يزحف الوحش
و تزور الأرض
كأنما الأرض على فوهة بركان
و يزحف الوحش
فجأة
من صخب الصخب ذراع تمتد
طويلة كالحتم
كالتاريخ
كالأمد
ملثم ينبجس من عتمة الليل
بهي الطلعة
سومري السمات
أسطوري الجسد
مركب تركيبة الصمود و الرفض
أسمر الجبهة و الخد
يمسك وردة بيد
و قنبلة بيد
يقف دونك و الوحش
ينكمش الوحش للحظة
يرتد
و تمتد إليه يد الملثم بالوردة
لكنه يكابر
في غيه ينسد
تمتد إليه اليد الثانية
و تساوره
و تحاوره
و تناوره
و يكابر الوحش
بما في جرابه من أدوات الموت معتد
و يزحف الوحش إليك
و يزحف الوحش
فيشده
فيصده
فيرده لا يرتد
و يكابر الوحش
و يزحف الوحش
فجأة رباه يرتفع الغبار
يلف الجبال و الوهاد و البحار
و تمطر السماء رذاذ الموت
يأتي على واحات النخل و الأشجار
رباه يدوي الإنفجار
يقع الجدار على ما تحت الجدار
تندك الأسوار
مارد يرقص رقصة الموت
أم جبروت جبار
أهاته بغداد أم يا ترى إعصار الإعصار
أهاته بغداد أم يا ترى جحفل من نار
أهاته العاصفة الأبدية التي تأتي على الأرض
أم يا ترى الحضارة تنهار
أم يا ترى هي ردة الإنسان إلى حجرية الأحجار
و يموت كل شيء
و يصمت كل شيء
و يذوب كل شيء
يتم الدمار
و ينسدل الستار
فجأة
على الركح يبدو الملثم و قد اتى على لثامه بهاه
مثل المسيح يغفر لمن أعمل الخنجر في ظهره و أدماه
تختزل حلم الإنسان ثناياه
كالفجر المشرق محياه
رباه
كأني أرى غيلان أكمل سده و بناه
و أراه
بالوردة إليك تمتد يمناه
و أراه إليك تمتد في تبتل العذراء يداه
يقبل يديك
يمسح الغبار عن صدغيك
يجثو عند قدميك
و أراه
بالوردة
الاسطوري الجسد تدمع عيناه
و غياب آلاف الملثمين الذين لن يجثوا عند
قدميك
هو الذي أبكاه
الهادي الفقيه