بين الأفق والشفق
من قصتي الحب عند العرب
مالت الشمسُ إلى الغروب، ومِلتُ معها أرقبُ هبوطها المتئد بين الأفق والشفق. فنحن أمةٌ تبني من الكلمات قصوراً لما عجزت عن بنائه في الواقع.
صمتَ الحسُّ، فتساءلتُ: لماذا يكتب العرب عن الحب بكل هذا الصخب والزخم؟
إن الأسباب تضرب بجذورها في أرضٍ أعمق بكثير من مجرد "الرومانسية" العابرة:
ثراء اللغة.. آلة موسيقية:
العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي آلة موسيقية باذخة. تخيلي أن هناك أكثر من 14 درجة للحب (تبدأ من "الهوى"، وتمرُّ بـ "الشغف" و"الكلف"، وصولاً إلى "الهيام" و"التدلُّه"). هذا الثراء القاموسي يغري الكاتب باستكشاف أدق الزوايا الشعورية وأعقدها.
الحب تمرد:
في المجتمعات العربية القديمة -والحديثة أحياناً- كان التعبير الصريح عن العاطفة نوعاً من التحدي للقيود الصارمة. لذا، صارت الكتابة هي "المتنفس الشرعي" الوحيد لقول ما لا يمكن فعله، وتحويل الكبت إلى فن.
الحب سمو روحي:
اشتهر العرب بـ "الحب العذري" (نسبةً لـبني عذرة)، حيث لا يُعد الحب غايةً جسدية، بل حالة من السمو الروحي والتصوف. الكتابة هنا لا تصف بشراً، بل تصبح صلاةً في محراب الجمال المطلق.
ديوان العرب وتخليد الفقد:
بما أن "الفقد" و"الرحيل" كانا سمة الحياة البدوية وارتحال القبائل، صار الشعر وسيلة لاسترجاع اللحظات الهاربة. "الوقوف على الأطلال" ليس مجرد بكاء، بل هو محاولة بائسة لهزيمة الزمن بالكلمة.
"باتت النجومُ قابَ لمسةٍ من يدي.. تأملتُها حتى تيقنتُ أنها بلغت مداعبةَ الرمال. أغمضتُ عيني والطمأنينةُ تدغدغُ روحي، بينما يطرقُ بابَ عقلي حديثُ الموج."
"إن العربي لا يكتب عن الحب لأنه مُرتوٍ به و مكتف، بل لأنه يفتقده أو يرتجيه كحلمٍ مستحيل. فالقصيدة في ثقافتنا هي المعادل الوجداني لواقعٍ جاف، وتعويضٌ فاخرٌ عن حياةٍ قد تكون أكثر قسوة."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس






