الجزء التاسع عشر: عبء النور
فادي عايد حروب — فلسطين— مدخل الراوي —
ثمة شيء لا يُقال كثيرًا عن النور.
يُقال إنه يُضيء.
ويُقال إنه يهدي.
ويُقال إنه يبعث الطمأنينة في القلب.
وكل هذا حق.
لكن ما لا يُقال كثيرًا —
أن النور ثقيل.
ثقيل على من يحمله
قبل أن يُضيء للآخرين.
ثقيل على من رأى
في زمن لا يريد أن يرى.
وثقيل على من عرف
في مجتمع يرتاح للجهل.
ويهمس الراوي بصوت من حمل وعرف:
"لا تحسد أصحاب النور على ضوئهم —
فما تراه إشراقًا
كان قبله احتراقًا."
— الفصل الأول: حين تكتشف أن النور يكلف —
حين لامس النور قلبك لأول مرة
شعرت بخفة لم تعرفها من قبل.
كأن حملًا سقط عن كاهلك.
وكأن الهواء صار أنقى.
وكأن الطريق صار أوضح.
وظننت أن هذه الخفة ستدوم.
لكن شيئًا بدأ يتشكل ببطء.
بدأت ترى ما لم تكن تراه.
وتشعر بما كنت تمر عليه دون أن تتوقف.
وتسمع ما كان يمر من حولك دون أن تصغي.
ومع كل ازدياد للنور في داخلك
ازداد وعيك بما حولك.
وازداد معه شيء آخر
لم تكن تتوقعه.
ازدادت المسؤولية.
وازداد الألم.
وازداد الثقل.
حينها أدركت حقيقة لم يخبرك بها أحد:
أن النور لا يزيل الحمل —
بل يجعلك ترى حجمه الحقيقي.
— الفصل الثاني: عبء النبي ﷺ —
حين تأملت ما حمله النبي ﷺ
فهمت معنى هذا الثقل.
لم يكن يحمل رسالة فقط
بل كان يحمل همّ البشرية في صدر واحد.
يرى الضال فيتألم.
ويرى الجائع فيتألم.
ويرى الظلم فيتألم.
ويرى من أعرض عن النور فيتألم.
حتى قال الله له:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾
كان قلبه يكاد يتعب
لأن الناس لم يروا ما رآه من النور.
وهنا يتجلى وجه آخر لعبء النور:
أن تحب الخير للناس
حتى حين لا يفهمونك.
ويقول الراوي:
"أعظم الناس نورًا
أعظمهم حملًا."
— الفصل الثالث: ما يحمله أصحاب النور —
حين نظرت حولي
رأيت أصحاب النور يحملون ما لا يراه الآخرون.
يحملون وعيًا لا يستطيعون إيقافه
يرون ما يتجاهله غيرهم.
ويحملون مسؤولية لا يستطيعون الهروب منها
لأن من عرف لا يستطيع أن يتظاهر بأنه لم يعرف.
ويحملون غربة من نوع خاص
غربة من يرى أبعد
في زمن لا يريد أن ينظر بعيدًا.
ويحملون صبرًا طويلًا
لأن من يحمل النور
يعلم أن الثمار لا تأتي دائمًا في وقته.
والناس يرون الضوء فقط —
ولا يرون ما دفعوه ليبقى مشتعلًا.
— الفصل الرابع: العبء الذي يُنضج —
لكن بعد زمن من حمل هذا الثقل
فهمت شيئًا مهمًا.
العبء الحقيقي
لا يكسر من يحمله —
بل يُنضجه.
كما أن الشجرة حين تحمل الثمار
تنحني بها.
لكن انحناءها
ليس ضعفًا.
بل دليل على أنها تحمل شيئًا حقيقيًا.
والقلب الذي يتألم للحق
ليس قلبًا ضعيفًا —
بل قلب
لا يزال حيًّا.
وتذكّرت كيف كان النبي ﷺ
يبكي في صلاته حتى يُسمع لصدره أزيز.
لم يكن ذلك ضعفًا
بل كان أعلى درجات القوة:
أن تحمل
وتظل رحيمًا.
— الفصل الخامس: النور الذي يحمل صاحبه —
في البداية
تظن أنك تحمل النور.
لكن مع مرور الوقت
تكتشف شيئًا أعجب.
أن النور هو الذي يحملك.
يمنح قلبك طمأنينة
لا يعرفها من عاش في الظلام طويلًا.
ويجعل الطريق
رغم تعبه
أخف من الطرق الأخرى.
لأن القلب
حين يعرف طريقه إلى الله
لا يضيع طويلًا.
ولهذا كان النبي ﷺ يعود إلى الصلاة كلما أثقلته الدنيا.
"أرحنا بها يا بلال."
لم تكن الراحة في ترك الحمل —
بل في العودة إلى مصدر النور.
— الفصل السادس: الثقل الذي يستحق —
سألت نفسي يومًا:
هل كنت أتمنى لو لم أعرف؟
لو لم يصلني هذا النور؟
وكان الجواب — رغم كل الثقل —
لا.
لأن الحياة قبل النور
كانت أخف…
لكنها كانت فارغة.
والحياة بعد النور
أثقل…
لكنها مليئة.
والإنسان حين يختار بين
الخفة الفارغة
والثقل المليء —
يختار الثقل.
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾
فالحق دائمًا ثقيل.
لكنه أبقى.
— خاتمة الراوي —
إن أثقلك النور يومًا
فلا تظن أنك أخطأت الطريق.
بل اعلم أنك وصلت
إلى المرحلة التي تبدأ فيها الرحلة الحقيقية.
لأن النور الذي لا يُثقل
لا يُغيّر.
والطريق الذي لا يُكلّف
لا يُوصل.
وما حمله النبي ﷺ من نور
غيّر وجه التاريخ كله.
بدأ بثقل في غار حراء،
وبرجفة في قلبه،
وكلمة طمأنينة من خديجة.
ثم صار نورًا
أضاء العالم.
فإن ثقل عليك ما تحمل —
فاعلم أنك في أثره.
وفي أثره
خير.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

فادي عايد حروب — فلسطين
جميع الحقوق محفوظة
● يتبع في الجزء العشرون: ثبات الجذر