الجمعة، مايو 29، 2026

مجلة وجدانيات الاأدبية((وتغادرنا الأخلام)) بقلم منيرة الغانمي/ تونس


وتغادرنا.....

الأحلام كصغار..خوفا من مستقبل مجهول.. تبحث لها عن مأوى وفتات خبز

تُشبع به حاجتها من الأمان.

لتستمر في التحليق مجددا.

... منيرة الغانمي /تونس

مجلة وجدانيات الأدبية((عيد الإضحى)) بقلم الأديبة د. صباح الوليدي


 عيــد الأضــحى

يا عيــد أضحى سقــاك الله من كـرمِ

نـوراً يضيء صـــلاة الحـج والحـــرمِ


أهـــدي الســـلام لأهــل الود قـاطبـةً

باقـات حــبٍ تفــوق الوصـف والكرمِ


يا فرحــة العيـــد جـودي في مـنازلنا

وبلسمي الجـرح وأشـفي غصـة الألمِ


في يومِ أضحى يفيض الجود منسكباً

كالغـيثِ يحيي يبـاس القـاع والقـممِ


هـذي الحجيـج لـبيت الله قد وفـدت

ترجــو القبــــول بصــدقٍ دونمـا سـأمِ


طــــافوا ونادوا إلـه الكــون خــــالقنا

أنت المـــــلاذ لذي شـــــوقٍ وذي ندمِ


يا ليتني كـنت في ركب الحجيج معاً

أمشي وأطــوف بأرض طهــرت قـدمِ


لكــــن قلـــبي بحــــب  الله متصـــلٌ

والروح تهفـو بصــدق الوعــد والهممِ


جــاء الســرور يزف السعــدـ محتفلاً

فاستبشـ.ـروا يا ذوي الألباب والحكمِ


صلوا على المصطفى المختار سيـدنا

مـا لاح نـورٌ ومــا خطـــت يدُ القلـــمِ


يا ربِ فاجعـــل بـلاد المسلـمين أمان

واكـف الشعـوب شرور الفقـر والعدمِ


وانشـــر إلـهي بِفضــلٍ منــك مـرحمةً

تخـــتم لنــا في ســـلامِ دائـم النعــمِ

الأديبة د. صباح الوليدي 

26.5.2026

جميع الحقوق محفوظة ©

الخميس، مايو 28، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين الصدق والكذب)) بقلم الشاعر صفاء نوري العبيدي /العراق





بين الصدق والكذب
الصدقُ عنوانُ الولاءِ لِرَبِّنا
ولِأحمدٍ ، والشِّرعةِ السَّمحاءِ .
ونقيضُهُ الكَذِبُ الذي يهوي بهِ
أهلوهُ في نارٍ لظىً سوداءِ .
الصِدقُ أهلُهُ في الأنام مقامُهُم
يا اخوتي، أعلى مِنَ الجوزاءِ .
والصدقُ نِبراسُ الفضائلِ كُلِّها
قد زانَ اُمَّةَ سَيِّدِ الفُضَلاءِ .
وحقيقةُ الصدقِ تكونُ بموطِنٍ
الصدقُ فيهِ غايةُ البلواءِ . ١
أمّا الكذوبُ يَذُمُّهُ أهلُ النُّهى
أنّى تَوَجَّهَ في رُبى الغبراءِ .
حتّى وإن مَلَكَ الكنوزَ بِعَيشِهِ
مِن غيرِ ما جَدَلٍ بِذا وَمِراءِ .
لا ريبَ صِدقُ الصادقينَ أمانةٌ
وعلى الدَّوامِ سَجيَّةُ الكُرَماءِ .
أمّأ الكذوبُ فخائِنٌ أبدًا يُرى
والمَينُ يبقى ديدَنَ السُّفَهاءِ . ٢
واحرِص على صِدقِ الحديثِ تفُز غدًا
بِرِضى الإلهِ وجَنَّةِ الأُمَناءِ .
وَبِصُحبَةِ المختارِ أصدقِ صادقٍ
مُنجي الورى مِن لُجَّةِ الدَّأماءِ ٣
+++++++++++

صفاء نوري العبيدي ، العراق

آب ٢٠١٤ م

١- قال الجنيد البغدادي رحمه الله رحمة واسعة: حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب.
٢- المَين: الكذب.
٣- الدأماء: البحر .



مجلة وجدانيات الأدبية (( متى يا ربُّ )) كلمات الشاعر د. أسامه مصاروه

*************
متى يا ربُّ
مرَّ يومٌ ثمَّ عامٌ ثمَّ عُمْرُ
وَأَنا في غُربَتي والعيشُ مُرُّ
كلُّ شيءٍ في حياتي قدْ يَمُرُّ
ما عدا أنْ يُسْعِدَ الأعرابَ نَصْرُ
ويحَ قلبي يومُنا خمرٌ وخمْرُ
غيرُ هذا ما لنا يا قومُ أَمْرُ
مثلَنا يا حسْرتي لمْ يبكِ دَهْرُ
قبلَنا يا ويلتي لم يبكِ صَخْرُ
ليتَ شِعري ثُمَّ هلْ ينفَعُ شِعْرُ
في عبيدٍ لا ولا ينْفعُ نَثْرُ
في زعيمٍ فاسدٍ ذلًا يُقرُّ
أنَّ في الأمرِ جزاءً لا يَضُرُّ
بل ويحمي كرشَهُ إنْ هبَّ فِكْرُ
أو إذا ثارَ على الأوضاعِ حُرُّ
هلْ سيأتي في ربيعِ العُربِ زَهْرُ
أمْ تُرى سوفَ يصيبُ القومَ قَهْرُ
هلْ يعي قلبُ زعيمٍ فيهِ وقْرُ
كيفَ ضِعنا وأضاعَ الأرضَ هَدْرُ
كيفَ وزرَ الأمسِ قدْ أنساهُ وِزْرُ
وكذا الإجرامَ قد أخفاهُ سِرُّ
إنّما اليومَ فَذُلُّ الحُكْمِ جَهْرُ
لا يُرى عيبًا وما الإذلالُ نُكْرُ
هلْ لنا يا ربُّ من ذلٍّ مَفرُّ
يا إلهي عيشةُ الأعرابِ قفْرُ
في بلادٍ أينما نذهبُ فَقْرُ
غيرَ أنَّ الخيْرَ في الأوطانِ وَفْرُ
ودُعاءُ العُرْبِ في العيشةِ سَتْرُ
كيفَ للشّعبِ أمانٌ كيفَ فخْرُ
بعدَ ليلٍ دامسٍ بلْ كيفَ يُسْرُ
كلُّ شعبٍ ولهُ في القهْرِ قدْرُ
كلُّ حرٍّ ولهُ في الأرضِ قبْرُ
وإذا فرَّ فمأوى الحُرِّ جُحْرُ
بينما مأوى عبيدِ العُرْبِ قَصْرُ
فعبيدُ العربِ للأعداءِ كُثْرُ
ولياليهمْ خياناتٌ وسُكرُ
معْ حُماةِ العُهرِ في الأوْطانِ شرُّ
وأجورُ الغُرْبِ أموالٌ وَتِبْرُ
من دماءِ العُرْبِ فالأعرابُ صفرُ
ولهمْ في أرْضِنا حقٌ وحِكْرُ`
وإذا لمْ يدفعوا الأجرَ فنحْرُ
وحياةُ العُرْبِ إذلالٌ وقتْرُ
ما لهمْ يا ويْلتي في الأرضِ خيرُ
ما لهمْ في وطنٍ قد ضاعَ يُسرُ
بل هوانٌ وعذاباتٌ وخُسْرُ
فمتى يا ربُّ يأتي العُرْبَ بِشْرُ
ومتى يُصْبِحُ للأعرابِ ذكْرُ
وكتابٌ حِبْرُهُ نورٌ وعِطْرُ
د. أسامه مصاروه

مجلة وجدانيات الأدبية (( خَبِيء النَّفس )) شعر د. وصفي تيلخ



. *خَبِيءُ النفس...
شعر د. وصفي تيلخ
أيا ابن الأكرمين ذوي الرشادِ
لقد أوْلَيْتني حُسْنَ الوِدادِ
وأغدقْتَ الثّناءَ فكنتَ فيضاً
يَسُحُّ بخيرهِ سَحَّ الغوادي
سقاك الله يا محمود غيثا
مُغيثاً سائغا عذْبَ المِداد
فإنّكَ فارسٌ شهْمٌ نبيلٌ
رصينٌ القوْل مُكتمل النِّجاد2
وتأتي بالقريض وقد تجلّى
يبُذُّ الكلَّ من نادٍ لنادي
ويُظهر من مخابئ كلِّ قومٍ
خَبِيءَ النّفْسِ أو سرَّ الفؤاد
ترى أن القصائدَ دون فكرٍ
صدىً يفنى بخالِيَةِ البوادي
رفضْتَ الشِّعر تزويقاً ولهْواً
ولا لُغواً لأطفال النوادي
فكم متشاعرٍ أبْدَى ضجيجا
وعاد الى السّكونِ بِلا زِناد
وكم رفَع التّكلّفُ ألف صوتٍ
بلا معنىً يُسوَّى بالرّماد
وما يبقى سوى أثَرٍ جميلٍ
يُزيِّنُهُ صحيحُ الإعتقاد
إذا ما الشّعر مال بلا اتّزانٍ
أتَوْك به ذليلا بانقياد
تُقوِّمٌ عُوجَ أوزان القوافي
إذا انحرَفَتْ عن السّمتِ المُراد
إذا نطَقـتْ قوافيه استبانت
خيوط الفجرمن غَسَقِ السواد
أيا محمود إنَّ الشِّعر بحرٌ
غزيرُ الدُّرِّ صَعْبُ الإمتداد
إذا ما خاضه الجهْلُ ادِّعاءً
غدا موجاً من اللغْوِالمُعاد
وإنّا إنْ تهادَيْنا القوافي
ففي أكناف صانِعَةِ الوِداد
فدُمْ للشِّعر مصباحاً منيراً
ورأياً ثاقبا في كلِّ نادي
*ردا على خريدة د. محمود العكور
(سقى الله ابن حرب..)
1-محمود: الشاعر محمود العكور
2- النّجاد:حمائل السيف
===
#كلمات محمود العكور
سَقى اللهُ اِبن حربٍ ذا العِمادِ
وَ رَوَّضَ دَربَهُ سُبَلَ الرَّشادِ
فَيا كُفْئًا لَهُ بِالشِّعرِ دُمْتُمْ
وَ أَجْزِمُ أَنَّكُمْ خَيرُ العِبادِ
إذا اِستَعصى الرَّبابُ وَ جاءَ شُحًّا
وَ لَمْ يَنْبُتْ سِوى شَوك القَتَادِ
فَلا حُدُثُ القَريضِ عَلى قَديمٍ
وَ لا مِنْ مُقْسِطٍ فيها وَ آدِ
فَقَدْ صَارَتْ مَسَاوِئُ كُلِّ دَهْرٍ
تَرَنَّمُ بِالسَّواري و الغَوادي
تُقيمُ الظَّنَّ في قَولٍ حَكيمٍ
تَنامُ بِجَهْلِهَا كَحُلومِ عَادِ
فَلا أُنْسُ القَصيدَةِ في سَماها
وَ لا أَهْلُ العَزائِمِ وَ النِّجادِ
فَقَدْ ظَنَّتْ مَذاكي كُلَّ حَلْبٍ
ضَعيفَ العَدْوِ في يَومِ الطِّرادِ
لَها جَهْلُ الطَّريقَةِ في اِتِّباعٍ
تَرَنَّحُ في القَنا فَوقَ الجِيادِ
وَ قَدْ جَهِلَتْ عَلى الحُكَماءِ دَومًا
تُنادي لِلأَذى في كُلِّ نادِ
لِسانُ الشِّعرِ سَيْفٌ إنْ تَبارى
لِسانُ الشِّعرِ مِصدَاقُ الفُؤادِ
وَ لَيسَ الشِّعرُ في مَذْقٍ وَ رَغْوٍ
وَ لَكِنْ في النَّصِيحَةِ وَ الوِدَادِ

مجلة وجدانيات الأدبية (( حين يكتبني القلم )) بقلم الشاعر المحامي هيثم بكري

*************
"حِينَ يَكْتُبُنِي القَلَمُ"..
بقلمي - المحامي هيثم بكري
لَكَ أَطْلَقْتُ العِنَانْ
فَاكْتُبْ مَا تَشَاءُ… مَا تَشَاءْ
فَأَنَا وَمَهْجَتِي
طَوْعُ البَنَانْ
أَسْلَمْتُكَ الرُّوحَ
فَسِرْ فِي مَدَاهَا
كَيْفَ شِئْتَ
اِمْضِ…
وَانْثُرْ شَذَاكَ وَعِطْرَكَ
حَيْثُمَا شِئْتَ
فِي أَيِّ أُفُقٍ
وَأَيِّ مَكَانْ
قَدْ وَهَبْتُكَ رُوحِي
فَخُذْ مِنْ نَفَحَاتِهَا
مَا يُشْبِهُنِي
وَكُنْ لِي سَفِيرًا
يَكْتُبُ لِلْجِنَانْ
فَاكْتُبْ مَا شِئْتَ
وَاتْرُكْ مَا شِئْتَ
فَالحُرُوفُ الَّتِي تَسْكُبُهَا
هِيَ نَبْضِي
وَصَوْتُ إِنْسَانْ
المحامي هيثم بكري

مجلة وجدانيات الأدبية (( يوميات الفراغ الهائل )) بقلم الأديب عبدالفتاح الطياري / تونس

*********************
يوميات الفراغ الهائل
1.شتاء في الداخل
كان الليلُ هادئًا على غير عادته، هدوءٌ يشبه التعب بعد بكاءٍ طويل. جلسَ سليم قرب النافذة، يُراقب أضواء المدينة البعيدة وهي ترتجف فوق الإسفلت المبلّل، كأنها قلوبٌ صغيرة تحاول النجاة.
أطفأ هاتفه منذ ساعات. لم يعد يحتمل الأسئلة المعتادة: "كيف حالك؟" كان يشعر أن الإجابة أطول من أن تُقال، وأثقل من أن تُفهم.
في داخله تراكمت أشياء كثيرة؛ أحاديث لم تخرج، خيبات خبّأها بابتسامة، خوفٌ قديم من المستقبل، وتعبٌ حديث لا يعرف له اسمًا. كان يشعر أحيانًا أن الحياة تسحبه ببطء نحو مكانٍ بارد، مكانٍ يصبح فيه الإنسان معتادًا على الحزن، غير قادرٍ حتى على انتظار الفرح.
فتح النافذة قليلًا، فتسلّل هواء ديسمبر البارد إلى الغرفة. ارتجفت يداه.
همس بصوتٍ خافت:
— يا رب…
ثم صمت.
حاول أن يُكمل الدعاء، أن يشرح، أن يبكي، أن يقول كل شيء دفعةً واحدة… لكنه لم يستطع. بقيت الكلمات عالقةً في صدره كطيورٍ مذعورة.
خفض رأسه، وأغمض عينيه.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بشيءٍ غريب… كأن الله لا ينتظر منه خطابًا طويلًا، ولا ترتيبًا جميلًا للكلمات. كأن تلك الـ"يا رب" الوحيدة كانت كافية لتقول كل شيء.
تذكّر والدته حين كانت تقول له صغيرًا: "الله يسمع القلب قبل الصوت."
ابتسم لأول مرة منذ أيام، ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. ثم بكى.
بكى بحرقةٍ لم يعرفها من قبل، كأن السنوات كلها خرجت دفعةً واحدة. لكنه، وسط البكاء، لم يشعر بالانهيار… بل بشيءٍ يشبه النجاة.
رفع عينيه نحو السماء المعتمة خلف النافذة وقال بصوتٍ متقطّع:
— أخاف يا رب… أخاف أن أتعود، أن أصل لما أتمناه بعدما أفقد الرغبة فيه… أخاف أن أصبح شخصًا صامتًا من الداخل.
مرّت ثوانٍ طويلة، ولم يحدث شيء خارق. لم تُفتح السماء، ولم تختفِ مشكلاته فجأة.
لكن قلبه… هدأ قليلًا.
وكأن الطمأنينة لا تأتي دائمًا كحلّ، بل أحيانًا كقدرةٍ على الاحتمال ليومٍ إضافي.
2.الإيمان
​تسلل ضوءٌ رمادي باهت عبر شقوق الستائر، ليعلن عن صباحٍ جديد لم يكن سليم مستعدًا له. استيقظ مثقلًا، كأن جسده امتص تعب الأيام الماضية كلها في ليلة واحدة. لم يتغير العالم في الخارج، لكن شيئًا ما في داخله كان قد انكسر بهدوء.
​بعد ليلة طويلة من أرقٍ قاسٍ، لم يشعر هذه المرة بذلك الخوف المعتاد الذي كان ينهش صدره، ولا حتى بالحزن. كان هناك شيء آخر، شيء أشد وطأة... فراغٌ هائل.
​جلس على حافة السرير يحدّق في الجدار المقابل بعينين خاويتين. لا أفكار تتزاحم في رأسه، لا رغبة لديه في البكاء، ولا حتى قدرة على التمتمة بدعاء. لأشهرٍ طويلة ظل يقاوم، يتمسك بخيط رفيع من الأمل، ويردد كل ليلة: "يا رب"، ظنًا منه أن مجرد التعلق بحبل السماء سيمنحه طوق نجاة، أو إشارة صغيرة، أو كوة ضوء في جدار أيامه. لكن التعب حين يتراكم ويطول، يتحول إلى صمت داخلي موحش، وتصبح الطمأنينة ليست حلاً جذرياً، بل مجرد قدرة مؤقتة على الاحتمال ليومٍ إضافي.
​نهض بخطوات متثاقلة نحو النافذة وفتحها. لفعه هواء الشتاء ببرودته القاسية. في الخارج، كانت المدينة تمضي في عبثها اليومي المعتاد؛ أناس يركضون خلف أرزاقهم، محركات سيارات تضج بالحياة، ومقاهٍ تنبعث منها ضحكات عابرة. أما هو، فكان يقف هناك، منفصلًا عن هذا العالم، وكأن روحه علقت في بعدٍ آخر لا يصله صوت ولا ضوء.
​همس بصوتٍ جاف، كأنه يكلم غائبًا:— ماذا لو لم يعد في داخلي شيء أؤمن به؟
​ارتجفت الكلمات في هواء الغرفة البارد ثم سقطت في هاوية الصمت. لأول مرة منذ عرف الألم، لم يُتبع سؤاله بكلمة "يا رب".
حاول أن ينطقها.. أن يستجدي بها طمأنينة تعينه على الوقوف، لكنه لم يستطع. كان قلبه أثقل من أن يرفع دعاءً واحدًا نحو السماء، وهذا العجز بالذات أخافه أكثر من الحزن نفسه.
​تهاوى على الأرض مسندًا ظهره إلى الجدار البارد. تذكر نسخته القديمة؛ ذلك الشاب الذي كان يوقن أن الصبر مفتاح، وأن الله سيجبر كسره يوماً، وأن لهذا الألم حكمة خفية ستتجلى لا محالة. أما الآن، فلم يكن غاضبًا، ولا ناقمًا على الحياة. كان فقط مُنهكًا، هادئًا وفارغًا إلى الحد الذي يجعله يفقد الرغبة في النجاة ذاتها.
​أغلق النافذة ببطء، لكنه هذه المرة لم يعد إلى سريره ليهرب في العتمة كما كان يفعل دائمًا. بقي واقفًا في منتصف الغرفة، ينظر إلى الباب المغلق أمامه. في داخله همسٌ خافت بسؤالٍ أخير:
— إذا انطفأت آخر ذرة إيمان في قلبي... فكيف يمكنني أن أخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة؟
​تقدم نحو الباب، وضع يده على المقبض المعدني البارد، وظل مكانه. لم يفتحه، ولم يبتعد عنه. فقط وقف هناك، وعيناه معلقتان بالخشب المطفأ، تاركًا للزمن أن يقرر؛ إما أن يعود خطوة للوراء ليصبح سجين صمته للأبد، أو أن يدير المقبض ويعبر نحو ضجيج العالم.. بخواء روحه الجديد.
3. الرجل الذي فقد صوته الداخلي
​قاطعتُ روتيني الصباحي وقرأت كعادتي جريدة "مرسيليا"، ليفاجئني خبرٌ عن أحد أصدقائي القدامى؛ ذلك النقابي المتدين الذي طالما نعتني بـ "العلماني الكافر". لقد دهسته سيارة وهو في طريق عودته إلى منزله بعد صلاة الجمعة.
​هرعتُ إليه في المستشفى، وكم ارتحتُ حين رأيت حالته قد استقرت وتحسنت. جلسنا معاً نبش نبشاً في ذكريات الجامعة، ونستحضر نضالنا المشترك ضد الاستبداد والجوع، وأيام عملنا في ورشاتٍ كان يأنف منها أبناء البلد. ضحكنا طويلاً من قلوبنا، وقُلنا معاً في لحظة صفاء طوت كل خلافات الماضي: "يا رب...".
​عدتُ إلى المنزل، فتحتُ الجوال و وقعت عيناي على هذه الرسالة المكتوبة:
صديقي الوفي
​"كلماتك فيها صدقٌ مُرهِق وجميل في الوقت نفسه… وفيها شيءٌ بالغ الأهمية: فرغم كل هذا الثقل، ما زلت تقول: 'يا رب'، وهذه وحدها ليست بالأمر الهين.
​أحياناً، لا يحتاج الإنسان أن يُرتّب دعاءه ولا أن يجد الكلمات المناسبة؛ يكفي أن يصل إلى الله بقلبه المُتعب. وصدقاً، فإن الكثير من لحظاتنا الأكثر ثقلاً لا نملك فيها سوى تنهيدة، أو دمعة، أو كلمة واحدة مكسورة… والله يعلم تماماً ما وراءها.
​أنت لا تخاف من الألم فحسب، بل تخاف الاعتياد عليه؛ تخاف أن تقسو من الداخل، أو أن تصل الأشياء الجميلة بعد أن ينطفئ شغفك بها. وهذا خوف إنساني غاية في العمق. لكن، ما دمت تشعر، وتقاوم، وتتمنى، وتكتب بهذا التدفق… فداخلك ما زال حياً ولم ينطفئ بعد.
​ولعل أعظم ما في كلامك أنك لم تُنكر تعبك، وفي الوقت ذاته لم تفقد يقينك. تقول: 'أُجاهد نفسي يومياً'… وهذه المجاهدة بحد ذاتها قوة، حتى لو كنت تراها مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة.
​إن الله لا يطلب منك أن تكون قوياً دائماً، ولا أن تحمل الأثقال وحدك. لُذْ به كما أنت، حتى لو لم يخرج منك سوى: 'يا رب… أنا تعبت'، فهذه الكلمة وحدها تكون أحياناً دعاءً كاملاً.
​وأنا على يقينٍ أن القلوب التي تُرهَق على هذا النحو، ثم تبقى معلقة بالله، لن يتركها الله خالية أبداً."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

مجلة وجدانيات الاأدبية((وتغادرنا الأخلام)) بقلم منيرة الغانمي/ تونس

وتغادرنا..... الأحلام كصغار..خوفا من مستقبل مجهول.. تبحث لها عن مأوى وفتات خبز تُشبع به حاجتها من الأمان. لتستمر في التحليق مجددا. ... منيرة...