الأربعاء، يوليو 08، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس 168 "حاضر سيدي ")) للكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا


**********
حاضر سيدي
حين كان مساعد الكتيبة "أبو فتحي" يوزع المهام اليومية على بعض عناصر الكتيبة، أشار إلى المساعد فيصل ليكون مساعد الإطعام
غير أن المساعد فيصل اعترض على ذلك بقوله قد كنت قبل يومين بهذه المهمة، فنظر إليه المساعد أبو فتحي بعيني صقر وقال له "اسمع يا مساعد فيصل: في هذه الكتيبة لا يوجد رأس كبير ونحن على استعداد لكسر أكبر رأس، وما عليك سوى تنفيذ ما آمرك به"
أذعن فيصل لتعليمات أبو فتحي وقال له "حاضر سيدي"
وإذن أنا الآن في طريقي لمقابلة المساعد أبو فتحي أطلب منه شطب اسمي من عداد الغائبين وإثبات حضوري
طبعا كانت بعض مواقف المساعد أبو فتحي حاضرة في ذهني وأنا في الطريق إليه وهذا ما جعلني قلقا متوترا
ربما كنت أنا من القلائل الذين لا يحسنون دفع الرشاوى التي يمتنع بها تحقيق وتنفيذ القانون، ولعل مرجع ذلك أنني نشأت بين جنبات الجوامع والمساجد وفيها تلقيت تعليمات صارمة بهذا الخصوص، لكن غيري كان بمقدوره أن يسير لمقابلة "أبو فتحي" ببرود و استخفاف ودونما اهتمام منه بأمر الآخرة والموقف العصيب فيها
براكية أبو فتحي تقع مباشرة خلف مبنى القيادة، وهي عبارة عن عربة مبيت، حشر داخلها منضدة خشبية وكرسي خيزران يجلس عليه الرجل المترهل "أبو فتحي" يدير من خلالها الشؤون الإدارية للكتيبة
وأنت تقرأ تضاريس وجه "أبو فتحي" تجد فيها ملامح شدة وصرامة، فحاجباه الملتصقان ببعضهما، والعيون الخضر ترسل في كل لحظة ألف تهديد ووعيد، وتلك البشرة التي تميل إلى احمرار كل ذلك جعل من أبي فتحي شخصية مخيفة، وتحديدا لمن نشأ في بيئة تخشى مخالفة القانون أو العبث به ثم تراها لا تحسن السير في الطرق الملتوية لأن أمرها مبرمج وفق حسابات الآخرة، وما عدا ذلك فإن المال يخلق الابتسامة في أشد الوجوه صرامة
- وكتب : يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس168

مجلة وجدانيات الأدبية (( حماية مستمرة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


********
حماية مستمرة
بقلم: ماهر اللطيف / تونس
كان الجميع يهرول في اتجاه مقصده... 
إلا أنا.
أحسست بيد تجذبني إلى الأسفل، وأخرى تخنق أنفاسي، وثالثة تجثم على صدري، ورابعة تمنع عني الدم والماء والهواء...
أذان الظهر يدوي من صوامع المدينة، مناديًا إلى الصلاة وذكر الله. طوابير الناس تمر من الجانبين بمحاذاتي، وأصواتهم، وأصوات نعالهم، تزيد من اضطرابي وقلقي...
لم أستطع الصياح وطلب النجدة. حتى الدمعة تجمدت بين الأجفان، وأبت أن تسقط. أردت أن أحرك يدي فلم أستطع؛ كانتا ثقيلتين لا تقويان على الحراك. حاولت الهرب، فخانتني قدماي، وسقطت أرضًا محدثًا زلزالًا مدويًا.
نظرت يمنة ويسرة، واستعطفت المارة بعيني، عسى أحدهم ينتشلني من الهلاك، لكن أحدًا لم يلتفت إلى هواني وضعفي، أو يمد إلي يده. تماسكت، وحاولت النهوض مجددًا، فخانني هذا الجسد الممتلئ، وسقطت مرة أخرى. كان الزلزال الثاني أشد وقعًا من الأول...
تذكرت حينها كيف كنت أمشي على أربع. أحاول النهوض فأسقط، فيبتسم أبي ويعينني على الوقوف، فأقع من جديد، فيعيدني مرة أخرى... وكنت -كما أخبرني- لا أرضخ للفشل منذ نعومة أظافري، أستبسل، وأؤمن بنفسي رغم وهني وضعفي...
أرجعني إلى وعيي صوت أعرفه جيدًا. دققت فيه، وأخذت أحدد هويته في مخيلتي قبل أن ألتفت إليه:
- انهض... كالعادة.
- (مبتسمًا) بطبيعة الحال... (حاولت مرة، وثانية، وثالثة... لكنني فشلت.) تمهل...
- (ساخرًا) اضمحلت قوتك، وبت ضعيفًا.
- (مقاطعًا) لا... انظر كيف سأنهض وأقهر ضعفي...
التفت سريعًا أستجلي مصدر الصوت، فلم أجد أحدًا. أعدت البحث، فلم يكن حولي أحد.
عندها فقط أدركت أنني لم أكن أسمع إلا صدى صوته...
نعم... إنه صوت أبي. الصوت الذي أرعبني في صغري، وأمرني ونهاني، ودلني وأرشدني، وعلمني عند بلوغي، ووجهني ونصحني في كبري...
وها هو اليوم، حتى بعد أن وُري الثرى، ما يزال يحميني ويرعاني، يحفزني على النهوض كلما فقدت توازني، ويأخذ بيدي حتى لا يدعسني من فوق التراب... وهو من تحت التراب.

مجلة وجدانيات الأدبية (( مقاطع من القصيدة المطولة :- "بَحثًا عن أثر" )) للشاعر صالح أحمد (كناعنة)

************
كُنتُ آوي إلى سانِحاتِ النَّغَم
والرّياحُ تَهُبُّ بما لا أرى أو أعي
وغَدي يُختَلَسْ
أنَذا أنطَوي لائِمًا قَدَري
بَعدَ أن داهَمَ العَتمُ ما كانَ لي أو لَدَيّْ
##
مُثقَلٌ دامَ صَدرُ الزَّمان
بِجَنى الحبِّ مَرقى الضِّياء
حينَ كانَ بَنو أمتي
يَطلُبونَ الرَّدى كي تَطيبَ الحياة
##
حينَ لاذَ بما أشتَهيهِ الظّلام
دَنَّسوا شَرَفَ الصَّمتِ في وَحدَتي
قومِيَ العاطِلونَ عن الأمنِيَة
فَمَضى كُلُّ مَن انجَبَتهُ الطَّريق
قد دَعَتهُم إلى الموتِ روحُ الحياة
##
بينَ روحي وأغنيةٍ في ضَميرِ الوَتَر
بعضُ شَوقٍ وحُبٍّ بَعيدٍ .. أكيد
هاجِسي في المدى يَستَقي ريحَهُ
كي أحَنِّطَهُ فوقَ هامِ الكَلام
فإذا مِتُّ أو ماتَ ...
قالوا أثَر!
##
مقاطع من قصيدتي المطولة :- "بَحثًا عن أثر"
على بحر الخبب (المحدث)
::::::: صالح أحمد (كناعنة) :::::::

مجلة وجدانيات الأدبية (( الكهولة )) بقلم الشاعر توفيق السلمان


*****
الكهولة
كم محزناً فعل المشيب وحالهُ
بالعيش ما بين الحياة والمماتِ
صعبُ على المرء بأن يحيا عليلاً
متعباً يستاء من هذي الحياةِ
كم تخدع النفس بأوهام وما
من فرحةٍ تبقى بدنيا الأمنياتِ
يا بئس عمرٍ قد نراه في المشيب
حيثُ نحيا في ركام الذكرياتِ
ماضٍ إذا عدنا إليهِ وحكينا
ما رأينا بين ذا الماضي وآتِ
وكم أضِعنا من حياة في الفراغ
ليت إنّا لم نضِعْ تلك الفتاتِ
تلك الثواني لم نكن ندري بها
فألفُ آهٍ للثواني الماضياتِ
فالعمر لو تدري قصير عيشهُ
فلنغتنمُ تلك الثواني الباقيات
كم صعبةُ عيش الكهولة إذ أرا
ها مثلما يبدو كإعلان الوفاةِ
توفيق السلمان

مجلة وجدانيات الأدبية (( شاهد عيان )) بقلم الشاعر م. حمدي توفيق



* شَاهِدْ عَيَانْ *
.......................
أَنَا قُلْتِ مِنْ .. زَمَانْ
قَلْبِي شَاهِدْ .. عَيَانْ
عَلَى اللَّي بَاعْ الْمَحَبَّة
وَلِلْأَمَانَة .... خَانْ
......
وَدَارِيتْ كْتِيرْ فِـ عُيُوبْ
وَقُلْتِ بُكْرَة يِتُوبْ
لْقِيتْ عَذَابِي ذُنُوبْ
وَالْجُرْحِ مَالُوشْ أَمَانْ
......
يَا مُنْصِفْ الْمَظْلُومْ
أَنَا عِشْتِ يَامَا فِـ لُومْ
بِينْ السَّهَرْ وَالنُّومْ
بَاجْرَعْ فِـ الْأَحْزَانْ
.......
سَقَانِي مُرِّ الْكَاسْ
وَقَسَّى عَلَيَّا نَاسْ
وَإِحْسَاسِي بِالْإِخْلَاصْ
اتْرَدِّ .... بِالْخُسْرَانْ
......
لَكِنْ خَلَاصْ صَدْمِتِي
صَقَلِتْ مَلَامِحْ عِزِّتِي
وِمِنْ النَّهَارْدَة دُنْيِتِي
مَفِيهَاشْ كَلَامْ وهَوَانْ
......
طَوِيتْ كِتَابْ هَوَاهْ
وَمَبَقَاشْ بَالِي مَعَاهْ
وَاللَّي نِسِينَا نِسِينَاهْ
لَوْ كَانْ مِينْ مَا كَانْ
......
وِالنْهَارْدَة وَاقِفْ أَنَا
بَاعْلِنْ بِدَايَةْ ... سَنَه
وِالْجُرْحِ لَمَّا انْحَنَى
ثَبَّتْ جُذُورِي كَمَانْ
.....
مَبْقِيتْشِ أَقول يازَمَانْ
وَلَا أَشْتِكِي ...النِّسْيَانْ
وِالْلِي ظَلَمْنِي .. رِجِعْ
وِقَلْبِي.. شَاهِدْ عَيَانْ!
......
قلمي
م. حمدي توفيق

مجلة وجدانيات الأدبية (( خارج حدود الخارطة )) بقلم الكاتب عبدالفتاح الطياري - تونس


*******************
خارج حدود الخارطة
ثارت الياسمين في بلاد الزين، وأوهمت العالمين أن تونس أصبحت مأوى البائسين. قفل كلُّ مُهانٍ جرابه، وقصد بلاد الثائرين... أما خلف ستار النصوص، فقد انتصب وهمُ الانعتاق والسراح.
​هكذا سارت "لينا" السوداء نحو تلك الأرض، تحمل في حقيبتها حلم البقاء، وفي عينيها بريق من صدّقوا أن "الربيع" قد أزهر للجميع. لم تكن تطلب سوى مساحة من الأمان، ذاك البيت الصغير الذي يحمي كرامتها من عاصفة الاضطهاد. لكن، ما إن لامست قدماها تراب تلك الأرض، حتى اصطدمت بالحقيقة التي تتوارى خلف ديباجة القوانين البراقة.
​لقد اكتشفت لينا أن النصوص التي كُتبت عن الحرية والمساواة لم تكن إلا جداراً عازلاً، صِيغت بلغةٍ أنيقة لتُرضي ضمائر من صاغوها وتُغطّي على واقعٍ لا يرحم. كان العالم، بكل حدوده وخطاباته، يمارس كذباً جماعياً؛ تُمنح فيه "الحرية" كشعار في المحافل، وتُسلب كحق في شوارع التيه. وقفت لينا وسط زحامٍ لا يعترف بوجودها، وأدركت أن "الانعتاق" الذي بشّرت به الشعارات ليس إلا سراباً وسط صحراء من التمييز. وبينما كانت الأيام تمضي، أيقنت أن هذا العالم كاذب؛ يفتح أبوابه بالكلمات، ويغلقها بالأقفال الحديدية والقيود الخفية.
​في الغرفة الضيقة التي حاولت أن تجعلها وطناً مؤقتاً، كانت تحتفظ بكتيبٍ صغير وُزّع عليها عند وصولها إلى الحدود. كان الكتيب مزخرفاً بعبارات ملونة عن "حقوق الإنسان" و"المساواة العالمية"؛ كلماتٌ منتقاة بعناية، حبرٌ أنيق على ورق مصقول يَعِدُ بالعدالة والكرامة لكل من يعبر الحدود. كانت تقرأ تلك السطور بتمّعن، في البداية شعرت ببريق أملٍ يضيء عينيها، لكن سرعان ما تحول إلى مرارةٍ حين اصطدمت بالواقع. لقد أدركت أن تلك النصوص لم تُكتب لكي تُطبّق، بل لترضي ضمائر من وضعوها، تماماً كما يُغطي القاتل آثار جريمته بقطعة قماش مزينة بالزهور.
​كانوا يتحدثون عن "الحرية" وهم يحيطون المكان بالأسلاك الشائكة، ويتحدثون عن "المساواة" بينما يُصنّفون البشر بناءً على أوراقهم الثبوتية وألوانهم وحجم معاناتهم. في تلك اللحظة، سقط القناع عن العالم في عيني لينا؛ عرفت أن "الحرية" التي يتشدقون بها هي عملة غير قابلة للصرف في واقعها المرير.
​حين أغلقت الكتيب، لم تشعر بالغضب، بل بشيء أعمق: الانعتاق من الوهم. اتخذت قرارها: لن تعول على وعودٍ كُتبت لغيرها، ولن تطلب كرامتها من نصوصٍ لا تملك أرواحاً. لقد ولدت لينا من جديد في تلك اللحظة، لا كلاجئة تنتظر الرحمة، بل كإنسانة قررت انتزاع حقها في العيش، حتى وإن كان العالم كله يرفض الاعتراف به.
​أدركت لينا أن "المسار العادي" الذي تنشده ليس متاحاً لمن يتبعون الطرق المرسومة، تلك التي تُعبدها النصوص الجميلة لتقودهم نحو مخيمات النسيان أو مكاتب الانتظار الأبدية. قررت أن تتوقف عن كونها "رقماً" في ملفات المؤسسات الدولية، وبدأت ترسم مسارها الخاص، مساراً يتطلب شجاعةً وحذراً.
توقفت عن قراءة البيانات التي تتغنى بالحرية، واعتبرتها ضجيجاً يهدف فقط لإسكات جوعها وتغطية عيونها عن الحقيقة المرة. ​كان فك الارتباط قرارها الأول.
و ​أيقنت أن النجاة تتطلب أن تكون متوارية؛ أن تتجاوز الحدود دون أن تترك أثراً في سجلاتهم، لأن السجلات هي سجونهم الجديدة. فكان الخفاء أفضل.
​ آمنت أن قوتها ليست في الاستغاثة بالمجتمع الدولي، بل في قدرتها على المشي لساعات، وتحمل العطش، والثقة بحدسها حين تضل الطرق.
​لم يعد حلمها ببيتٍ آمن يبدو "شاذّاً" كما أوهموها، بل أصبح الغاية التي تبرر كل خطوة خشنة على الأرض. بدأت تتسلل عبر الغابات والدروب التي لا تظهر في الخرائط، حيث لا وجود لنصوص الحرية ولا لادعاءات المساواة، بل وجودٌ خام؛ إما أن تنجو وتصل، أو تبتلعك الأرض.
​مضت لينا تمشي، مدركةً أن العالم الذي خلفته وراءها هو عالم "كاذب" بامتياز، يكتب عن الحقوق بيد ويقبض على الأرواح باليد الأخرى. وفي كل خطوة كانت تقطعها، كانت تتحرر من "الأوهام الجميلة" لتستعيد حقيقتها كإنسانة لم تعد تنتظر إذناً من أحد لتعيش بكرامة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري - تونس

مجلة وجدانيات الأدبية (( عجبًا )) للشاعر د. أسامه مصاروه

*****
عجبًا
عجبًا هنا في غرْبتي وَمَتاهَتي
رُغمَ الطبيعةِ بلْ وَرُغْمَ رِوايَتي
فكري يُعيدُ كما الشَّريطِ تَساؤُلي
لِمَ أصْبَحَتْ مثْلَ السَّراب حكايَتي
عجبًا بِكلِّ صراحَةٍ لا أفْهَمُ
لِمَ بَعْدَ هذا الْعٌمْرِ لا أتَعَلَّمُ
قَدْ خُضْتُ في ساحِ الْكِفاحِ مَعارِكًا
وَوَقَفْتُ وِقْفَةَ مارِدٍ لا يُهْزَمُ
مِنْ أجْلِ شعْبي والْعَدالَةِ ثائِرُ
قلمي سلاحي للْقَضِيَّةِ ناصِرُ
فقصيدتي ومشاعِري وَشَجاعَتي
سيْفي الَّذي عِنْدَ الشَّدائِدَ باتِرُ
لَمْ أخْشَ يوْمًا طاغِيًا مُتَجَبِّرا
حتى أرى شعْبِي الْحبيبَ تَحَرِّرا
إنّي وَإن طالَ الظّلامُ مُرابِطٌ
ما كُنْتُ إلّا في الحِمى مُتَجَذِّرا
فَعلى فؤادِيَ لا غرامَ تَرَبَّعا
حتى وَلا عشْقانِ جِدُّ تنازَعا
حتى رأيْتُ عيونَها ولِسِحْرِها
لَمْ أدرِ قدْ يأتي الجمالُ مُقَنَّعا
مَسَحَتْ بِعَيْنَيْها جِراحَ قَصائِدي
فجِراحُها كَجِراحِ أيِّ مُجاهِدِ
فَأنا هنا في غُرْبَةٍ لا تنتَهي
وَكَذا الْمٌجاهِدُ ذو النِّضالِ الْخالِدِ
قدْ كانَ قلبي ساذِجًا فَتَرَنَّما
وبلا إرادَتِهِ غدا مُتَوَهِّما
وَيَظُنُّ أنَّ الْحُبَّ حقًا نِعْمَةٌ
فَتَمَهّلوا في اللَّوْمِ كُنتُ مُتَيَّما
معْ أنَّني مِنْ قَبْلُ كُنتُ مُنَعّما
متفائِلًا وَمَعِ الْوَرى مُتَناغِما
ما كُنْتُ يوْمًا لِلْمَضارِبِ ذاهِبًا
أوْ حولَ بيْتٍ للْحبيبَةِ هائما
غجَرِيَّتي في السوقِ كانتْ ترْفُلُ
وَعلى نساء السوقِ كانتْ تُقْبِلُ
وَلَعلَّ بَعْضَ الْبائِعاتِ عَرِفْنَها
أوْ رُبَّما وَقَفتْ هنالِكَ تَسْألُ
أمّا أنا فَوَجَدْتُني مُتَرَدِّدا
معْ أنَّ ما بينَ الضُّلوعِ تَمَرَّدا
ما كُنتُ يوْمًا في الْهوى مُتَسَرِّعًا
بلْ عِشْتُ في بيْتِ الْهوى مُتَعَبِّدا
وَأنا أُرَدِّدُ ما عساني أفْعَلُ
إنْ فجْأَةً سَمِعَتْ فُؤادِيَ يَسْألُ
وَحَقيقَةً لَمَحتْ وُجودي خلفَها
فَإذا بَقلْبي للْإِلهِ يُهلِّلُ
وَلَعلَّها شعَرتْ بما في خاطِري
وَبِما يَجولُ بِمُهْجَتي ومَشاعِري
فإذا بِها تأتي وقلبي يَرجِفُ
كفراشَةٍ خرجتْ بِجَوٍّ ماطِر
سَلَبَتْ حياتي قبل قلبي الساذِجِ
وهِيَ الَّتي خَبِرَتْ شؤونَ الخارِجِ
وتواضُعًا خَبِرَتْ حقيقَةَ بَعْضِها
فَأَنا جَهِلْتُ هوًى كبَحْرٍ هائِجِ
وَجمالُهُا حَقًا عجيبٌ أمْرُهُ
وبلا مُبالَغَةٍ غريبٌ سِرُّهُ
وَلِأَنَّها قَبِلَتْ جميلًا دعْوتي
غَمَرَ الفُؤادَ سنا الْحَديثِ وَسِحْرُهُ
أحْسَسْتُ أنّي أستطيعُ لِقاءَها
وبِدونِ خدْشي حُسْنَها وَحَياءَها
كمْ كُنْتُ أرجو أن تَدومَ علاقَتي
فَأنا بِها شَغِفٌ أخافُ جفاءَها
قدْ يطْلُبُ الإنْسانُ حُبَّ حياتِهِ
وَيَظَلُّ يبْحَثُ عنْ مُكَمِّلِ ذاتِهِ
وَبِدونِ جدْوى تنْقَضي أيّامُهُ
فَهَلِ الْغرامُ يعودُ بعدَ وَفاتِهِ؟
أمّا النَّقيضُ لِذلكَ الْمُسْتَعْجِلِ
فَهُوَ الْخَلِيُّ وَليْسَ في الْمُسْتَقْبَلِ
لكنّهُ وبِلا انْتِظارٍ مُسْبَقٍ
قد يلتقي حبّأ كنبتَةِ حَنْظَلِ
وتَكَرَّرتْ لِسعادتي جلساتنا
نظراتُنا ضَحِكاتُنا هَمساتُنا
وشَعَرْتُ عادتْ لي الحياةُ مُجَدَّدا
وَغَدتْ بلا خجلٍ كذا لَمَساتُنا
وَبِدونِ أنْ أدري تَوَقّفَ وَصْلُها
وَكَأنَّ دنُيانا تزامَنَ محْلُها
وأنا مِنَ الْبَحْثِ الطَّويل عَنِ السَّبَبْ
ما عُدْتُ أعْرِفُ شَمْسُنا ما شكْلُها
وَتَتابَعتْ أيّامُ عُمْري بَعْدها
وأنا أصونُ بلا انْقِطاعٍ وُدَّها
قالوا اخْرُجَنَّ بِرِحْلَةٍ وَلِفَتْرَةٍ
إذْ في الطبيعّةِ ما يُخّفِفُ بُعْدَها
عجَبًا خَرَجْتُ إلى الجمالِ الْمُطْلَقِ
حيْثُ الطّبيعَةُ تحْتَفي بالرَّوْنَقِ
عفوًا وَعُذْرًا أصْدِقاءَ طفولَتي
لا شيءَ مِنْ قيْدِ الْجَميلَةِ مُعْتِقي
د. أسامه مصاروه

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس 168 "حاضر سيدي ")) للكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا

********** حاضر سيدي حين كان مساعد الكتيبة "أبو فتحي" يوزع المهام اليومية على بعض عناصر الكتيبة، أشار إلى المساعد فيصل ليكون مساعد...