في أحد شتاءات عام 1943، وسط الرياح الباردة والأراضي الموحلة لقرية صغيرة في أوروبا الشرقية، امتزجت رائحة الخشب المحترق مع صمتٍ مرير. كانت السماء قاتمة مشحونة بغيوم رمادية، وكأنها تعكس أرواح البشر المثقلة بالدمار واليأس في ذروة الحرب العالمية الثانية. القرية، التي كانت تحمل من قبل بهجة الحياة الريفية، أصبحت اليوم أشبه بأنقاض ميتة، تنتشر فيها المنازل المهدمة والأبواب المخلّعة بفعل القصف.
وقف جنديان ألمانيان من الرايخ الثالث في منتصف الساحة الترابية، فوق منصة مرتجلة، يضع كل منهما بندقيته على كتفه. كان أحدهما طويل القامة، بملامح قاسية ونظرة جامدة تفتقر إلى أي إحساس؛ كأن عينيه مرآة تعكس البرد القارس المحيط. الآخر كان أقصر قليلاً وأقل جسارة، لكنه يرافق صديقه في طابع العنف ذاته. يرتدي كلاهما الزي الرسمي - معطفهما الرمادي الطويل يعانق ركبتيهما، علّاقات الرتب العسكرية تلمع ببريقٍ موحش تحت ظلال الغيوم، وأحذيتهما الثقيلة تخلف آثاراً عميقة في الوحل الذي يخفي أرض القرية.
في طرف الساحة المتجمدة وقفت امرأة شابة، بالكاد في مقتبل الثلاثينيات من عمرها، وهي تحتضن رضيعها إلى صدرها كأنها تحميه من العالم كله. وجهها شاحب وعينيها متعبتان ومُغرقَتان بالدموع، لكنها كانت تحاول أن تحافظ على تماسُك قد يكاد يصعب تصديقه. بين يديها الصغيرتين حملت غطاءً مهترئًا لُفَّ حول الطفل كدرع أخير ضد البرد والموت الذي يلوح في الأفق.
اللحظة الفاصلة جاءت بسرعة لم تترك للزمن مجالًا لينبض. أمر الجندي الأعلى رتبة نظيره بإشارة حاسمة بتنفيذ العمل. رفع الجندي بندقيته بيدٍ ثابتة وبلا تردد ملحوظ، كأنه تخلص منذ زمن بعيد من أي شعور بالشك أو الإنسانية. صوت الرصاصة شق السماء كضربة برق عنيفة، ارتجت معها الأرض. الطفل توقف عن البكاء فجأة، وصراخ الأم تحول إلى صدى اختفى تدريجيًا في الفضاء الشاسع. عيناها اتسعتا بدهشة وانهيار، عجزت عن الكلام، متمسكةً بابنها وكأنها تبحث عن حياته التي تسربت للتو بين الحطام.
بعد تنفيذ الجريمة المروّعة، تبادل الجنديان نظرة قصيرة وكأنهما أكدا لبعضهما أن عملهما قد أُنجز بنجاح. لم تكن هناك كلمة ندم ولا لحظة تأمل في ما فعلوه. بخطى ثابتة ومتثاقلة، استدارا ورحلا، تاركين وراءهما صمتًا مطبقًا وعالمًا أكثر برودة ووحشة.
كانت الساحة الآن تستضيف صورة مؤلمة: جسد الأم الذي انهار متشبثًا بالطفل، وكلاهما بلا حياة تحت غطاء مهترئ ووسط البرد القارس. تلك الصورة تحولت رمزًا مأساويًا لطبيعة الحرب؛ حيث الإنسانية تُستبدل بالقسوة، ويُصبح البراءة أول الضحايا في صراعات يتحكم فيها الطمع والجشع. الرصاصة لم تُنهِ فقط حياة الأم ورضيعها، بل قتلت جزءًا من الإنسانية جمعاء ليبقى الحطام شاهًدا على الفقدان المتكرر الذي لا يداويه الزمن.
الساحة سرعان ما استعادت صمتها القاتل بعد رحيل الجنديين، لكن المشهد الذي شهده كل من بقي على قيد الحياة في القرية صار كابوسًا لن يُمحى من ذاكرتهم. تلك اللحظة ليست فقط شهادة على وحشية الحرب، لكنها أيضًا تذكير دائم بثمن الكراهية واللامبالاة التي قادت العالم إلى هذا الحضيض
إبن عزوز فرح الإدريسي
ماي 2026
الجزائر
.jpg)




