الأحد، أكتوبر 11، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( لو كنت تدري )) بقلم الشاعر محمد عطاالله عطا ٠ مصر

*************************************
لو كنت تدري
أتدري معنى الحب قبلما

تأتي إلينا بعبائة العشاق

تفيض غزلا بكل بشاشة

تزيد لهبا بحالة الأشواق

لو صدق حبك بالوجدان

لوجدتني مع اللقا بعناق

ومتلهفا لأحضان الحنان

بسعادة بفرحة الإشراق

كأميرة تتراقص بنشوة

لفارس قد فاز بالسباق

يا سامعا لحديثي تمهل

لنصيحة لو تعي بسياق

فقلوبنا ترى قبل العيون

سر تستر ومغلف بنفاق

قلوبنا ساحات الحقيقة

وتستقبل الحب كالبراق

بقلم

محمد عطاالله عطا ٠ مصر

مجلة وجدانيات الأدبية (( أوراق الخريف )) بقلم الكاتب جمال الدين خنفري /الجزائر

************************
أوراق الخريف -
على مقعد الحديقة؛
ظل يشيخ.!!
ظل يشيخ -
ريح الرصيف؛
وجه مصفر.!!
وجه مصفر -
غيمات بلا أمل؛
الأرض عطشى.!!
جمال الدين خنفري/ الجزائر

مجلة وجدانيات الأدبية (( كيف يُحارَب الحق ويُزيَّف الوعي؟ )) بقلم الأستاذ أبو العز المشداوي

*******************************
كيف يُحارَب الحق ويُزيَّف الوعي؟
حين يصبح الباطل في ثوب الحق
ليست كل معركة تُخاض بالسلاح، فهناك معارك أشد خطرًا تُخاض بالعقول وتُستهدف فيها البصائر قبل الأبصار، ويُحارَب فيها الحق لا بقوة الدليل وإنما بتشويه أهله، وتزيين الباطل، وقلب الموازين حتى يصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
إن أخطر ما يُبتلى به الناس ليس غياب الحقيقة بل وجودها أمام أعينهم مع وجود من يعمل على حجبه أو تحريفها أو صرف الناس عنها.
وهنا تكمن خطورة دعاة الضلال الذين يستغلون ثقة الناس بهم ومكانتهم في المجتمع وربما انتسابهم إلى العلم والدعوة ليقدّموا الباطل في صورة الحق.

أولًا: التلبيس على الناس
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
إن التلبيس من أخطر وسائل التضليل إذ لا يُطلب من الناس دائمًا أن يتركوا الحق صراحةً بل قد يُمزج الحق بالباطل ويُقدَّم الباطل في عبارات جميلة حتى يقبله الناس دون أن يدركوا حقيقة ما وراءه.
وقد يُستغل الدين لتبرير ما لا دليل عليه أو تُرفع شعارات المحبة والتسامح والإصلاح لتغطية الانحراف عن الوحي. وليس كل من رفع شعارًا حسنًا صادقًا في مقصده كما أن الحكم على المقاصد لا يكون بالظنون وإنما يُنظر في الأقوال والأفعال والأدلة.

ثانيًا: أئمة الضلال وخطرهم على الأمة
لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة المضلين فقال: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ».
رواه أبو داود والترمذي.
وتظهر خطورة الإمام المضل حين يجعل الناس يثقون به أكثر مما يثقون بالدليل الشرعي أو يجعلون أقواله ميزانًا للحق فما وافق هواهم قبلوه وما خالفه ردّوه ولو قامت عليه الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس المقصود أن كل عالم أخطأ أو كل مخالف في مسألة صار من أئمة الضلال فالعلماء بشر يصيبون ويخطئون، والعدل يقتضي التفريق بين الخطأ والاجتهاد وبين الانحراف المتعمد والدعوة إلى الباطل.

ثالثًا: قلب الحقائق وتشويه أهلها
من وسائل محاربة الحق أن يُترك الدليل وتُوجَّه السهام إلى صاحبه فيُتَّهم المصلح بالتشدد والناصح بإثارة الفتنة والمطالب بالدليل بأنه يريد الفرقة بينما لا يُناقَش أصل المسألة ولا تُوزَن الأقوال بميزان الشرع.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
فالحق لا يحتاج إلى الكذب لينتصر ولا إلى الظلم ليُثبت وجوده وإنما يحتاج إلى علم وبيان وحجة وإلى رجال يلتزمون الصدق حتى حين يختلفون مع خصومهم.

رابعًا: الرياء حين يصبح الدين وسيلة للشهرة
ومن أخطر ما يفسد العمل أن يتخذ الإنسان الدين طريقًا إلى السمعة والمنزلة في قلوب الناس فيظهر بمظهر العالم أو العابد أو المنفق، بينما يكون مقصوده ثناء الناس لا رضا الله.
وفي صحيح مسلم في حديث أول من يُقضى عليهم يوم القيامة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، ورجلًا قاتل، ورجلًا أنفق ماله وكانت العلة في هلاكهم أنهم طلبوا الشهرة والثناء بأعمالهم ولم يخلصوا لله.
وهذا تحذير عظيم من الاغترار بالمظاهر فليس كل مشهور على حق وليس كل صاحب خطاب مؤثر مخلصًا وليس كل من أكثر الكلام عن الدين قد حقق مقصوده.
ومع ذلك فإن الحكم على سرائر الأشخاص إلى الله ولا يجوز الجزم بنفاق شخص أو ريائه لمجرد الظن أو الاختلاف معه.

خامسًا: كيف نواجه التضليل؟
إن مواجهة التضليل لا تكون بتضليل مقابل ولا بالتشهير ولا بإطلاق الاتهامات بلا بيّنة بل تكون بالعلم والتثبت والعدل.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
ومن واجب أن يسأل عن الدليل ويميز بين النص الشرعي وتفسير البشر له ويتحقق من صحة الأحاديث ويرفض أن تتحول محبة الأشخاص إلى عصمة لهم من الخطأ أو أن يتحول بغضهم إلى مبرر لظلمهم.
فالحق لا يُعرف بكثرة الأتباع ولا بعلو الأصوات ولا بالمناصب والشهرة وإنما يُعرف بالدليل الصحيح والفهم السليم والعدل في الحكم.

الخاتمة: لا تجعل الأشخاص ميزانًا للحق
إن الأمة لا تُحمى من الضلال بمجرد كثرة الخطباء أو انتشار الشعارات وإنما تُحمى بالعلم الصادق، والإخلاص، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهمهما على الوجه الصحيح.
فالحق لا ينتصر بالتعصب وإنما ينتصر بالعلم والصدق والعدل والباطل لا يصبح حقًا مهما زيّنته الألسن أو رفع أصحابه من الشعارات .
وعندما تعرف الحق تعرف رجاله .

مجلة وجدانيات الأدبية (( فكرة ... مؤجلة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


فكرة... مؤجلة
بقلم :ماهر اللطيف /تونس
جلست في مكتبي أخيرًا، بعد عناء يوم كامل من العمل. هيأت نفسي، وأحضرت أوراقي ولوازمي، وتفقدت أقلامي، ثم شرعت أدون رؤوس أقلام بعد أن تخمرت فكرة في ذهني.
ابتسمت وقلت: «نعم، هي كذلك... الآن أصبح كل شيء جاهزًا، ولم يبقَ غير التحرير والتدقيق وحفظ النسخة النهائية فيما بعد.»
كانت ورقتي حبلى بالتخطيط: الزمان، والمكان، والشخصيات، والعقدة، والحل، وأهم الأحداث... وكان هيكل المكتوب مرسومًا في ذهني بدقة ووضوح.
هممت بمباشرة الكتابة. توكلت على الله وبسملت، سويت الأوراق أمامي، وشحنت أقلامي بدموعي ودمي، وجلست على قلبي حتى لا يعيقني ويرجعني إلى الوراء.
لكن صوتًا داخليًا باغتني، وهو يجمد فكري ويثقل يمناي: «اطلع على تعليقات منشورك السابق، عساك تجد ما يفيدك، ويوجهك أكثر نحو التميز والتفرد في مكتوبك الجديد.»
استجبت له.
وكان الأمر كذلك... وليته لم يكن.
كانت معظم التعليقات إيجابية ومحفزة، كعادتها؛ تشجعني على المضي قدمًا، وتنويع مواضيعي وأجناسي الأدبية وغيرها. لكن قلة قليلة ارتأت أن تستفزني، وتقلقني، وتحبط عزيمتي، وتسفّه ما أقوم به.
كتب أحدهم:
ثُبْ إلى رشدك، وارجع إلى ربك؛ فما تقوم به ملهاة عن ذكر الله.
وقال آخر:
هل تعتقد نفسك عباس محمود العقاد أم نجيب محفوظ؟ أنت لم ترتقِ حتى إلى هاوٍ مبتدئ.
وثالث:
لا أظنك تفكر من مخك... انتبه، هناك من عبث بإعدادات جسدك!
قرأت التعليقات مرة، ثم أعدت قراءتها.
لم يؤلمني نقدهم؛ فالنقد مطلوب، وبه نرتقي ونحسن من أنفسنا وقدراتنا. الذي استفزني وأوجعني هو السخرية، والاعتداء على شخصي، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى محاولة للنيل مني.
ناديت زوجتي وأطلعتها على كل شيء.
ابتسمت وقالت:
- نفس التعليقات والأشخاص... ألم يملّوا ويرتدعوا؟!
قلت:
- فعلًا. ورغم تغير الأجناس الأدبية، فقد حافظوا على نفس التعابير.
قالت:
- قم بحظرهم وتجنبهم.
قاطعتها:
- لا يا حبيبتي. إرضاء الناس غاية لا تُدرك. لست ضد النقد، لكنني ضد الانتقاد والاعتداء على شخصي.
بقينا نتجاذب أطراف الحديث، نستحضر بعض كتاباتي القديمة منذ عقود، وما حملته من تعليقات مماثلة، حتى قلت لها:
- لذلك قلت لك إنني لن أطبع حرفًا ورقيًا يومًا ما.
نظرت إليّ طويلًا ثم قالت:
- ستحرم الناس من هذا الإرث الكبير، وقد تُسأل عنه غدًا...
صمتُّ.
عدت ببصري إلى مكتبي.
كانت الأوراق ما تزال أمامي، والخطة مكتملة، والشخصيات تنتظر أدوارها، والأحداث جاهزة... والقلم بين أصابعي.
لكنني لم أكتب.
تنحيت عن المكتب واتجهت نحو بيت الجلوس. تمددت على الأريكة، وشاهدت مسرحية هزلية حتى غلبني النعاس.
وبقيت الفكرة معلقة...
إلى أن يحل أجلها، إن حلّ.

مجلة وجدانيات الأدبية (( شعرة جنان )) بقلم الكاتب محمد حسان بسييس





شعرة جنان
لا يظن أحد أنه عاقل مائة في المائة. فكل واحد منا لا بد وحتما أن يكون عنده شعرة جنان، وإلا لن يستطيع التعامل مع الواقع المحيط به، فكلنا لو تم عرضنا على أساتذة علم النفس سنجد أن كل واحد منا عنده مرض نفسي يختلف عن الآخر، ولولا أن الجميع لديهم تلك الشعرة من الجنان لما استطعنا التعامل مع بعضنا البعض، وما تحملنا ما نشاهده من أمور تجعل الولدان شيبا، وهذه الشعرة من الجنان هي الحكمة الإلهية التي أوجدها فينا الله كما العلاج من الوباء بإعطاء السليم جرعة بسيطة من نفس مرض الوباء ليخرج جسمه مضاداته الطبيعية لمقاومة الوباء، فكذلك إيداع تلك الشعرة من الجنان فينا فهي لكي نستطيع التعايش فيما بيننا، وتحمل كل أمور الجنان التي بين أيدينا وهذه هي الحكمة من هذه الشعرة فهي العامل الرئيس لتحمل كل المخالفات العقلية التي تشاهدها يوميا، فهي سبب صبر الزوج على زوجته وسبب تحمل الزوجة لعقل زوجها، والأب لأبنائه والأم لأولادها، والزميل لزملائه بالعمل والصديق لصديقه وهلم جرا، فلو بيننا عاقل واحد تمام العقل لأصابه الجنون مما يشاهد أو يتعامل، فلو حكم عقله كل التحكم لحكم على كل من حوله بالجنون وترك هذا العالم وذهب يعيش وحيدا، وحتى لو عاش وحيدا سيصاب بالجنون من أثر الوحدة، فلن يصبح عنده شعرة فقط بسبب الوحدة بل سيصير مجنونا تام الجنان، وسينفر منه من هم عندهم شعرة جنان فقط، ولأصبح مجنونا كامل الأركان، فهذه الشعرة نعمة للبشرية لا نقمة، فلولاها لما تحملنا كل مظاهر الجنان التي حولنا، تلك الأمور التي تجعل الحليم حيران، ولولا تلك الشعرة لأصبحنا مجانين جنونا تاما، فهي شعرة التعايش، وشعرة الحفاظ على التواصل، فلا تظنن نفسك عاقلا كل العقل، فلو كنت عاقلا كما تدعي فلا مجال لك للعيش معنا لأننا نمتلك بعضا من الجنان والأجمل أننا نظن أنفسنا عقلاء، لذا أقول لك كلمة نصيحة لو فهمتها لن تكون مجنونا وتكون سيد العقلاء ألا وهي

طظ فيش.


بقلمي/ محمد حسان بسييس

مجلة وجدانيات الأدبية (( حكاية الطفلِ جميل (من قريةِ دوما الفلسطينيةِ)) بقلم الشاعر أسامه مصاروه



حكاية الطفلِ جميل
(من قريةِ دوما الفلسطينيةِ)
"سنه حلوه يا حبيبي
سنه حلوه يا جميلْ"
منْ أجلِ جميلٍ الغالي
أصواتُ الأسرةِ في العالي
فجميلٌ أنْهى اليومَ سنهْ
والأسرةُ في فرحٍ وهنا
أطفالٌ في عُمرِ الأزهارْ
وشموعٌ تلمعُ كالأقمارْ
وجميلٌ لا يدْري ما الأمرْ
معْ أنَّ الخدَّ بدا كالجمرْ
فالكلُّ هناكَ يُقبِّلُهُ
ويصوِّرُهُ أو يحمِلُهُ
والأمُّ تقدِّمُ ما صَنعتْ
من كعكٍ أو مِمّا وضَعتْ
والوالدُ ينظرُ مُبْتسِما
مرِحًا فرِحًا أو مُنْسجِما
والأختُ الكبرى مُنْفَعِلةْ
ونراها أيضًا مُنْشَغِلةْ
فمُهمّتُها تنظيمُ الحفلْ
وكذا استقبالُ جميعِ الأهلْ
والأختُ الوسطى مُنْهَمكةْ
ومِرارًا تبدو مرتبكةْ
فهنا طفلٌ يرمي الحلْوى
وبلا داعٍ يهْوى الشَّكْوى
وَهناكَ رضيعٌ في المهْدِ
يبكي يحتاجُ إلى نهْدِ
والأمُّ تثرثرُ معْ نِسْوهْ
من أهلِ الحارةِ في نَشْوهْ
والأختُ الثالثّةُ الصُغْرى
فعليْها تصويرُ الذِكرى
إذْ كانتْ فعلًا بالتدبير
مُتَمكِّنةً أوْ بالتصْويرْ
وهناكَ جميعُ العمّاتِ
وكذلكَ كلُّ الخالاتِ
فجميلٌ شرَّفَ بعدَ سنينْ
في وقتٍ كانَ الكلُّ حزينْ
هلْ يَعني البنْتُ وموْلِدُها
شرٌّ قدْ باتَ يُهدِّدُها
إطفاءُ الشمعةِ قدْ حانا
وجميلٌ يجْهلُ ما كانا
وأخيرًا أطفئَتِ الشمعةْ
ومِنَ الشمسِ انْهمرتْ دمعةْ
ألمٌ في الدمعةِ أمْ فرحُ
أمْ فيها حزْنٌ لا مرَحُ
ما زالَ الحفلُ بلا جزَعِ
ما زالَ الأهلُ بلا فزَعِ
حتى قذفَ المحتَلُّ الكلبْ
قنينةَ نَفطٍ باسْمِ الربْ
حرقَ الأطفالَ بلا إحساسْ
إذْ لمْ يحْسِبْهمْ أصلًا ناسْ
ومتى شعروا ومتى ندِموا
فالغيرُ عدوٌّ أوْ أشرارْ
لمْ يبقَ جميلٌ في الدُّنيا
في غيرِ الجنَّةِ لنْ يحْيا
السفير د. أسامه مصاروه

مجلة وجدانيات الأدبية (( أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ» )) بقلم القصاص والمفكر الكيلاني بن عبدالله بوستة / الجمهورية التونسية


أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ»
لَمْ يَكُنْ فَارِسٌ يَكْرَهُ المَدْرَسَةَ. كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: أَنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ.
فَارِسٌ فِي الحَادِيَةَ عَشْرَةَ، نَحِيلٌ كَقَلَمِ الرَّصَاصِ، خَفِيفٌ كَظِلٍّ يَرْكُضُ، وَعَيْنَاهُ وَاسِعَتَانِ تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ المُتَسَابِقِينَ. إِذَا دَخَلَ سَاحَةَ المَدْرَسَةِ، صَارَ لِلْجَرْيِ مَعْنًى، وَإِذَا رَفَعَ يَدَهُ فِي حِصَّةِ الحِسَابِ، صَمَتَ القِسْمُ لِيَسْمَعُوا جَوَابَهُ. كَانَ الأَوَّلَ حِينَ يَرْكُضُ، وَالأَوَّلَ حِينَ يَحْسِبُ، حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ المَسَاءُ الخَرِيفِيُّ الَّذِي تَغَيَّرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
وَضَعَ أَبُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُنْدُوقًا صَغِيرًا، أَمْلَسَ، يُضِيءُ إِذَا لَمَسَهُ، كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ سَقَطَتْ فِي كَفِّهِ.
قَالَ أَبُوهُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، بِنَبْرَةٍ لَا يَنْسَاهَا فَارِسٌ: "يَا بُنَيَّ، هَذَا هَاتِفٌ ذَكِيٌّ، صَنَعَهُ الأَذْكِيَاءُ لِيُقَرِّبَ البَعِيدَ، لَا لِيُبْعِدَ القَرِيبَ. هُوَ نَافِذَةٌ، وَلَيْسَ بَيْتًا. خُذْهُ، وَلَكِنْ تَذَكَّرْ: كُنْ أَنْتَ سَيِّدَهُ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَهُ."
هَزَّ فَارِسٌ رَأْسَهُ، وَضَحِكَ، وَلَمْ يَفْهَمِ المَعْنَى إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ الصُّنْدُوقُ لُعْبَةً بَيْنَ الأَلْعَابِ. يَضَعُهُ بِجَانِبِ كُتُبِهِ، يَلْعَبُ بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى دَفَاتِرِهِ المَدْرَسِيَّةِ، إِلَى كُرَتِهِ الجِلْدِيَّةِ، إِلَى قَصَصِهِ المُصَوَّرَةِ.
وَفِي الأُسْبُوعِ الثَّانِي، بَدَأَ الصُّنْدُوقُ يَكْبُرُ. لَمْ يَكْبُرْ فِي حَجْمِهِ، بَلْ كَبُرَ فِي رَأْسِ فَارِسٍ. صَارَ يَأْكُلُ وَالشَّاشَةُ تَأْكُلُ مَعَهُ، يُرَاجِعُ وَالشَّاشَةُ تُرَاجِعُ مَعَهُ، يَنَامُ وَالشَّاشَةُ لَا تَنَامُ، تُضِيءُ فِي العَتْمَةِ كَعَيْنٍ صَغِيرَةٍ لَا تَغْمِضُ. تَرَكَ كُتُبَهُ مَفْتُوحَةً كَأَفْوَاهٍ عَطْشَى تَنْتَظِرُ، وَغَرِقَ فِي عَالَمٍ يَلْمَعُ بِلَا تَوَقُّفٍ: مَعَارِكُ لَا تَنْتَهِي، كُنُوزٌ تَظْهَرُ وَتَخْتَفِي، نُجُومٌ تَلْمَعُ إِذَا نَقَرَ، وَتَصْفِيقٌ كَثِيرٌ بِلَا أَكُفٍّ.
كَانَتْ أُمُّهُ تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهِ وَتَقُولُ بِرِفْقٍ: "يَا فَارِسُ، الوَقْتُ يَمْضِي بِسُرْعَةٍ."
فَيُجِيبُ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ: "دَقِيقَةٌ يَا أُمِّي، هَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الأَخِيرَةُ فَقَطْ!"
وَكَانَتِ الدَّقِيقَةُ الأَخِيرَةُ لَا تَنْتَهِي أَبَدًا، بَلْ تَلِدُ دَقَائِقَ أُخْرَى، وَأُخْرَى.
حَتَّى حَلَّ صَبَاحُ الخَمِيسِ، الصَّبَاحُ الَّذِي لَا يُنْسَى. القِسْمُ هَادِئٌ، وَالمُعَلِّمُ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ يُوَزِّعُ أَوْرَاقَ الِاخْتِبَارِ عَلَى المُمْتَحَنِينَ، وَصَوْتُ المَطَرِ الخَفِيفِ عَلَى النَّوَافِذِ يَمْلَأُ القَاعَةَ مُوسِيقَى لَطِيفَةً مِنْ صُنْعِ الطَّبِيعَةِ.
قَرَأَ فَارِسٌ السُّؤَالَ الأَوَّلَ بِخَطِّ المُعَلِّمِ الجَمِيلِ: اِحْسِبْ مِسَاحَةَ الحَدِيقَةِ إِذَا كَانَ طُولُهَا 8 أَمْتَارٍ وَعَرْضُهَا 7 أَمْتَارٍ.
مَسْأَلَةٌ كَانَ يَحُلُّ مِثْلَهَا وَهُوَ مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ. لَكِنَّ قَلَمَهُ تَوَقَّفَ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ القَاعِدَةَ. كَانَ يَعْرِفُهَا، كَانَ يَحْفَظُهَا كَاسْمِهِ. لَكِنَّ الكَلِمَاتِ بَدَتْ بَعِيدَةً، كَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي خِزَانَةٍ فِي أَعْلَى الرَّفِّ، وَضَاعَ مِفْتَاحُهَا. فِي رَأْسِهِ، بَدَلًا مِنْ جَدْوَلِ الضَّرْبِ، كَانَتْ أَصْوَاتٌ أُخْرَى تَتَزَاحَمُ وَتَتَصَايَحُ: اِنْقُرْ هُنَا! اِفْتَحِ الصُّنْدُوقَ! اِرْبَحْ نَجْمَةً إِضَافِيَّةً! حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى!
نَظَرَ حَوْلَهُ مُرْتَبِكًا. زُمَلَاؤُهُ مُنْهَمِكُونَ، أَقْلَامُهُمْ تَمْشِي بِثِقَةٍ فَوْقَ الوَرَقِ كَخُيُولٍ صَغِيرَةٍ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا. أَمَّا هُوَ، فَقَدْ شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ وَثَقِيلٍ: أَنَّ الشَّاشَةَ الَّتِي أَعْطَتْهُ كُلَّ شَيْءٍ بِلَا تَعَبٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ أَثْمَنَ شَيْءٍ بِلَا ضَجِيجٍ: قُدْرَتَهُ عَلَى التَّرْكِيزِ، عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى البَقَاءِ مَعَ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى النِّهَايَةِ.
عَادَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى المَنْزِلِ مُكْتَئِبًا بِوَرَقَةٍ عَلَيْهَا عَدَدٌ مُسْنَدٌ لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ: 10 مِنْ 20. لَمْ تَصْرُخْ أُمُّهُ وَلَمْ تُوَجِّهْ إِلَيْهِ اللَّوْمَ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ أَبُوهُ. وَهَذَا مَا أَوْجَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ عِقَابٍ. وَضَعَ أَبُوهُ يَدَهُ الدَّافِئَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الوَرَقَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ مُوجِعٍ: "مَا الَّذِي حَدَثَ لِحَدِيقَتِكَ يَا فَارِسُ؟ مَنِ الَّذِي سَرَقَ مِسَاحَتَهَا؟"
فِي اللَّيْلِ، لَمْ يَسْتَطِعِ النَّوْمَ. كَانَ السَّقْفُ فَوْقَهُ مُظْلِمًا، وَالهَاتِفُ بِجَانِبِ وِسَادَتِهِ يُضِيءُ كُلَّ حِينٍ كَأَنَّهُ يُنَادِيهِ. نَهَضَ فَجْأَةً، وَأَبْعَدَ الهَاتِفَ، وَفَتَحَ دَفْتَرَهُ المَدْرَسِيَّ عَلَى صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ. وَكَتَبَ فِي أَعْلَاهَا بِخَطٍّ مُرْتَجِفٍ، كَبِيرٍ، كَأَنَّهُ عُنْوَانُ بَحْثٍ: «لِمَاذَا أَنْسَى؟»
ثُمَّ أَجَابَ، وَكَأَنَّهُ صَارَ مُعَلِّمًا لِنَفْسِهِ: «لِأَنَّنِي لَمْ أُرَاجِعْ. لِأَنَّنِي تَرَكْتُ عَقْلِي غُرْفَةً فَارِغَةً، بِلَا بَابٍ، يَدْخُلُهَا كُلُّ عَابِرٍ. لِأَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَقْرَأُ سَطْرًا كَامِلًا دُونَ أَنْ أَقْفِزَ لِمُوَاصَلَةِ لُعْبَتِي المُفَضَّلَةِ.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يُقَرِّرْ أَنْ يُعَاقِبَ نَفْسَهُ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يُجْرِيَ تَجْرِبَةَ اخْتِبَارٍ، كَمَا يَفْعَلُ العُلَمَاءُ الحَقِيقِيُّونَ.
أَحْضَرَ مِنَ المَطْبَخِ ثَلَاثَ عُلَبٍ زُجَاجِيَّةٍ شَفَّافَةٍ، وَوَرَقَةً لَاصِقَةً.
كَتَبَ عَلَى العُلْبَةِ الأُولَى بِخَطٍّ وَاضِحٍ: «وَقْتُ البِنَاءِ»، وَهُوَ وَقْتُ الدَّرْسِ وَالمُرَاجَعَةِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّانِيَةِ: «وَقْتُ اللَّعِبِ»، وَهُوَ وَقْتُ الهَاتِفِ وَالمَرَحِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّالِثَةِ: «وَقْتُ الحَيَاةِ»، وَهُوَ وَقْتُ لَعِبِ الكُرَةِ مَعَ الأَصْدِقَاءِ وَزَرْعِ النَّبَاتَاتِ وَالِاعْتِنَاءِ بِالحَدِيقَةِ وَتَجَاذُبِ الحَدِيثِ وَالحِوَارِ وَالنِّقَاشِ مَعَ العَائِلَةِ.
ثُمَّ أَحْضَرَ كِيسًا فِيهِ ثَلَاثُونَ كُجَّةً زُجَاجِيَّةً صَغِيرَةً، زَرْقَاءَ وَلَامِعَةً، كُلُّ كُجَّةٍ تُسَاوِي نِصْفَ سَاعَةٍ مِنْ يَقَظَتِهِ. قَالَ: "سَأَرَى اللَّيْلَةَ أَيْنَ تَذْهَبُ حَيَاتِي."
وَفِي مَسَاءِ اليَوْمِ الأَوَّلِ، نَظَرَ إِلَى العُلَبِ. كَانَتْ عُلْبَةُ اللَّعِبِ مُمْتَلِئَةً حَتَّى الحَافَّةِ وَتَكَادُ تَفِيضُ، وَعُلْبَةُ البِنَاءِ فَارِغَةً إِلَّا مِنْ كُجَّتَيْنِ يَتِيمَتَيْنِ، وَعُلْبَةُ الحَيَاةِ فَارِغَةً تَمَامًا.
ضَحِكَ مِنْ نَفْسِهِ ضِحْكَةً حَزِينَةً وَقَالَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ: "هَذِهِ مُعَادَلَةٌ خَاسِرَةٌ. كَيْفَ يَنْجَحُ بِنَاءٌ بِلَا وَقْتٍ؟"
وَمُنْذُ الغَدِ، اخْتَرَعَ نِظَامًا أَسْمَاهُ فِي دَفْتَرِهِ: «دُسْتُورُ فَارِسٍ لِلتَّحَكُّمِ فِي الوَقْتِ» كَتَبَ فِيهِ ثَلَاثَةَ قَوَانِينَ بِلَا مُسَاوَمَةٍ:
سَمَّى القَانُونَ الأَوَّلَ «الشَّمْسُ قَبْلَ القَمَرِ» حَيْثُ لَا تُفْتَحُ شَاشَةٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْتَلِئَ عُلْبَةُ البِنَاءِ بِأَرْبَعِ كُجَّاتٍ كَامِلَةٍ. الدَّرْسُ هُوَ الشَّمْسُ، وَاللَّعِبُ هُوَ القَمَرُ، وَالقَمَرُ لَا يُضِيءُ بِدُونِ وُجُودِ الشَّمْسِ.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّانِيَ «الهَاتِفُ يَنَامُ بَعِيدًا» حَيْثُ لِلْهَاتِفِ بَيْتٌ جَدِيدٌ، لَيْسَ غُرْفَةَ النَّوْمِ، بَلْ رَفٌّ فِي المَطْبَخِ، يَنَامُ هُنَاكَ بِدَايَةً مِنَ الثَّامِنَةِ مَسَاءً، حَتَّى لَا يَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ لَيْلًا.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّالِثَ «يَوْمُ الِاكْتِشَافِ» حَيْثُ تَقَرَّرَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بِلَا شَاشَةٍ. سَمَّاهُ يَوْمَ اليَدَيْنِ، يَكْتَشِفُ فِيهِ شَيْئًا بِيَدَيْهِ لَا بِإِصْبَعِهِ: يَزْرَعُ حَبَّةَ فُولٍ فِي عُلْبَةِ يَاغُورْتَ، يُفَكِّكُ دَرَّاجَتَهُ وَيُرَكِّبُهَا، يَقْرَأُ قِصَّةً وَرَقِيَّةً حَتَّى يُشْبِعَ شَغَفَهُ وَحُبَّهُ الكَبِيرَ بِالمُطَالَعَةِ وَالقِرَاءَةِ.
كَانَ اليَوْمُ الأَوَّلُ صَعْبًا جِدًّا. كَانَتْ يَدُهُ تَتَحَرَّكُ لَا إِرَادِيًّا نَحْوَ الرَّفِّ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ فَقَدَتْهُ. لَكِنَّهُ قَاوَمَ، وَمَلَأَ عُلْبَةَ البِنَاءِ، وَلَمَّا أَنْهَى وَاجِبَاتِهِ قَبْلَ المَغْرِبِ، اكْتَشَفَ شَيْئًا نَسِيَهُ: أَنَّ النَّهَارَ طَوِيلٌ جِدًّا، وَأَنَّ لَدَيْهِ وَقْتًا فَائِضًا.
خَرَجَ يَلْعَبُ الكُرَةَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ فِي الحَيِّ، وَعَلَا صَوْتُهُ وَضِحْكَتُهُ حَتَّى غَطَّتْ عَلَى كُلِّ أَصْوَاتِ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. عَادَ إِلَى البَيْتِ وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ، لَا فَرَحٍ افْتِرَاضِيٍّ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، حَدَثَتِ المُعْجِزَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا الأَطْفَالُ. فَفِي حِصَّةِ العُلُومِ، سَأَلَ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ: "مَنِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَحَ لَنَا كَيْفَ تَنْبُتُ البَذْرَةُ؟"
رَفَعَ فَارِسٌ يَدَهُ بِثِقَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَتَذَكَّرَ حَبَّةَ الفُولِ الَّتِي زَرَعَهَا فِي يَوْمِ الِاكْتِشَافِ، كَيْفَ انْتَفَخَتْ، وَكَيْفَ تَشَقَّقَتْ، وَكَيْفَ مَدَّتْ جَذْرًا أَبْيَضَ صَغِيرًا كَخَيْطٍ، ثُمَّ سَاقًا خَضْرَاءَ شَقَّتِ التُّرَابَ بِقُوَّةٍ عَجِيبَةٍ. فَشَرَحَ الدَّرْسَ لَا كَمَنْ حَفِظَهُ، بَلْ كَمَنْ عَاشَهُ.
سَكَتَ القِسْمُ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ، ثُمَّ صَفَّقَ المُعَلِّمُ وَقَالَ جُمْلَتَهُ الَّتِي كَتَبَهَا فَارِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَّقَهَا فَوْقَ مَكْتَبِهِ: "هَذَا هُوَ التَّعَلُّمُ الحَيُّ يَا فَارِسُ. التَّرْكِيزُ عَضَلَةٌ، وَعَضَلَتُكَ الآنَ عَادَتْ قَوِيَّةً."
وَفِي آخِرِ الثُّلَاثِيِّ الدِّرَاسِيِّ الأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ العَامِ، عَادَ فَارِسٌ إِلَى المَنْزِلِ وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَطِيرُ مِنَ الفَرْحَةِ. سَلَّمَ بِطَاقَةَ النَّتَائِجِ المَدْرَسِيَّةَ إِلَى وَالِدَتِهِ وَتَعَانَقَا عِنَاقًا طَوِيلًا، فَهَذِهِ المَرَّةَ كَانَتِ العَلَامَاتُ مُخْتَلِفَةً وَالمُعَدَّلُ الثُّلَاثِيُّ مُرْتَفِعًا: 17 مِنْ 20. وَفِي إِحْدَى الخَانَاتِ، كَتَبَ المُعَلِّمُ بِخَطٍّ أَحْمَرَ جَمِيلٍ: «مُمْتَازٌ عَمَلًا وَسُلُوكًا، اليَوْمَ عَادَ تَرْكِيزُكَ، فَعَادَ نَجَاحُكَ. اِسْتَمِرَّ»
فِي المَسَاءِ، وَضَعَ فَارِسٌ هَاتِفَهُ فِي عُلْبَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا، كَصَدِيقَيْنِ تَصَالَحَا بَعْدَ خِصَامٍ، وَقَالَ لَهُ مُبْتَسِمًا: "أَنْتَ أَدَاةٌ ذَكِيَّةٌ وَجَمِيلَةٌ، لَكِنَّكَ لَا تَزْرَعُ حَدِيقَةً، وَلَا تُصْلِحُ دَرَّاجَةً، وَلَا تَحُلُّ مَسْأَلَةً، وَلَا تَجْعَلُنِي بَطَلًا. البَطَلُ لَيْسَ مَنْ يَرْبَحُ نُجُومًا فِي الشَّاشَةِ، البَطَلُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ وَقْتَهُ، وَلَا يَتْرُكُ وَقْتَهُ يَمْلِكُهُ."
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَ إِذَا رَأَى صَدِيقًا غَارِقًا فِي الشَّاشَةِ، لَا يَقُولُ لَهُ "اُتْرُكِ الهَاتِفَ"، بَلْ يُرِيهِ عُلْبَتَهُ الزُّجَاجِيَّةَ الثَّلَاثَ وَكُجَّاتِهِ الزَّرْقَاءَ، وَيَقُولُ: "لَا تُحَارِبِ الهَاتِفَ، نَظِّمْهُ. اِجْعَلْ لَهُ بَيْتًا وَوَقْتًا، وَلَا تَدَعْهُ يَسْكُنُ فِي كُلِّ بُيُوتِكَ وَأَوْقَاتِكَ."
اِنْتَهَتْ
القَصَّاصُ وَالمُفَكِّرُ: الكَيْلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَةَ
البَلَدُ: الجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ

مجلة وجدانيات الأدبية (( لو كنت تدري )) بقلم الشاعر محمد عطاالله عطا ٠ مصر

************************************* لو كنت تدري أتدري معنى الحب قبلما تأتي إلينا بعبائة العشاق تفيض غزلا بكل بشاشة تزيد لهبا بحالة الأشواق...