*****************
حصاد السنين
في زاوية خافتة من صالون البيت، جلس كلاهما. انتهت حصة الأطفال، نام الصغار أخيراً بعد نهار طويل من الركض والطلبات، وانتهت معها التزامات العمل وضغوط النهار. حلّ السكون، لكنه لم يكن سكوناً مريحاً، بل كان صمتاً ثقيلاً كالهواء قبل العاصفة.
وقف "آدم" ينظر من النافذة إلى أفق المدينة الذي بدا ضبابياً بفعل غبار المساء، بينما جلست "سارة" على الأريكة، تطالع كفيها وكأنها تبحث فيهما عن خطوط عمرٍ مضى.
التفت إليها وقال بصوت خافت: "ما الذي يجمعنا الآن يا سارة؟"
سؤالٌ كان معلقاً في الهواء منذ أشهر، ربما منذ سنوات. لطالما كان الأطفال هما المحور، والعمل هو الوقود، والمسؤوليات هي الغراء الذي يمسك خيوط حياتهما معاً. ولكن الآن، بعد أن هدأت الضوضاء، واجها الحقيقة العارية: لقد تحولا إلى شريكين في إدارة "مؤسسة المنزل"، لكنهما فقدا "الحبيبين" في الطريق.
حاولت سارة أن تتذكر آخر مرة تحدثا فيها عن شيء يخصهما هما فقط. طوال سنوات، تلاشت الهوايات المشتركة؛ حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع لغتهما الخاصة صارت ضبابية وباهتة. لم يعد هناك كتاب يتشاركان قراءته، ولا حلم غريب يضحكان عليه، ولا حتى نزهة عفوية دون تخطيط مسبق.
والأصعب من ذلك كله، كان الجفاء الجسدي. لم يكن الأمر مجرد غياب للعاطفة، بل إن "الجماع قد مات" بينهما منذ زمن. لم يعد هناك ذلك الخيط السحري الذي يربط جسديهما ليقول ما تعجز عنه الكلمات. تحولت اللمسات إلى مجرد واجبات عابرة، واعتذارات متبادلة بالتعب والإرهاق، حتى استسلم كلاهما لبرود السرير وجدار الصمت.
نظرت إليه سارة، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة، وقالت بصوت متهدج: "أنا لا أريد أن أفقدك، ولكنني لم أعد قادرة على أن أفقد نفسي أكثر من ذلك."
اقترب آدم وجلس في مواجهتها، شعر بصدق كلماتها وهزّته العبارة في عمق روحه. كان يعلم أنها محقة. لقد استنزفتهما الحياة حتى باتا مجرد أشباح يدوران في ساقية واحدة.
قالت له وهي تمسك يده برفق، في لمسة وداع عاطفية أكثر منها تمسكاً: "أنت ستظل دائماً في قلبي، حتى لو كان عليّ أن أدعك ترحل. أنا أتركك اليوم، ليس لأنني أحبك أقل، بل لأنني بدأت أحترم نفسي وأحترمك أكثر. لا يمكننا الاستمرار في تزييف حياة من أجل الحفاظ على المظاهر."
ساد الصمت مجدداً، لكنه كان صمتاً يحمل في طياته شجاعة الاعتراف. نظر آدم إلى يدهما المتشابكتين، وشعر بحجم الألم والتحرر في آن واحد.
قال لها وهو يبتسم بمرارة: "لقد أعطيتك قلبي يا سارة، وأعطيتني قلبكِ.. ولكن يبدو أننا وجدنا أنفسنا في مكان يجب على كل منا أن يسترد قلبه ليطببه ويداوي جراحه بمفرده."
لم تكن تلك الليلة ليلة شجار وصراخ، بل كانت ليلة نضج وسلام. أدركا أن الحب أحياناً لا يكفي إذا مات الشغف وانعدم التواصل الروحي والجسدي.
اتفقا على الانفصال بوعي، احتراماً للماضي الجميل الذي جمعهما، وحفاظاً على ما تبقى من ود لأجل الأطفال. رحلت سارة، وبقي آدم، لكن كلاً منهما غادر محملًا بأمل جديد:
أن يستعيدا أنفسهما التي تاهت في زحام الحياة، وأن يلتئم ذلك القلب الذي تصدع تحت وطأة الصمت والروتين.
لقد وضعت الحياةُ نقطة النهاية لزواج ميت، لتبدأ من جديد سطور حياةٍ تنبض بالاحترام والحرية...
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس