الأحد، أكتوبر 11، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ» )) بقلم القصاص والمفكر الكيلاني بن عبدالله بوستة / الجمهورية التونسية


أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ»
لَمْ يَكُنْ فَارِسٌ يَكْرَهُ المَدْرَسَةَ. كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: أَنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ.
فَارِسٌ فِي الحَادِيَةَ عَشْرَةَ، نَحِيلٌ كَقَلَمِ الرَّصَاصِ، خَفِيفٌ كَظِلٍّ يَرْكُضُ، وَعَيْنَاهُ وَاسِعَتَانِ تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ المُتَسَابِقِينَ. إِذَا دَخَلَ سَاحَةَ المَدْرَسَةِ، صَارَ لِلْجَرْيِ مَعْنًى، وَإِذَا رَفَعَ يَدَهُ فِي حِصَّةِ الحِسَابِ، صَمَتَ القِسْمُ لِيَسْمَعُوا جَوَابَهُ. كَانَ الأَوَّلَ حِينَ يَرْكُضُ، وَالأَوَّلَ حِينَ يَحْسِبُ، حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ المَسَاءُ الخَرِيفِيُّ الَّذِي تَغَيَّرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
وَضَعَ أَبُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُنْدُوقًا صَغِيرًا، أَمْلَسَ، يُضِيءُ إِذَا لَمَسَهُ، كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ سَقَطَتْ فِي كَفِّهِ.
قَالَ أَبُوهُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، بِنَبْرَةٍ لَا يَنْسَاهَا فَارِسٌ: "يَا بُنَيَّ، هَذَا هَاتِفٌ ذَكِيٌّ، صَنَعَهُ الأَذْكِيَاءُ لِيُقَرِّبَ البَعِيدَ، لَا لِيُبْعِدَ القَرِيبَ. هُوَ نَافِذَةٌ، وَلَيْسَ بَيْتًا. خُذْهُ، وَلَكِنْ تَذَكَّرْ: كُنْ أَنْتَ سَيِّدَهُ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَهُ."
هَزَّ فَارِسٌ رَأْسَهُ، وَضَحِكَ، وَلَمْ يَفْهَمِ المَعْنَى إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ الصُّنْدُوقُ لُعْبَةً بَيْنَ الأَلْعَابِ. يَضَعُهُ بِجَانِبِ كُتُبِهِ، يَلْعَبُ بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى دَفَاتِرِهِ المَدْرَسِيَّةِ، إِلَى كُرَتِهِ الجِلْدِيَّةِ، إِلَى قَصَصِهِ المُصَوَّرَةِ.
وَفِي الأُسْبُوعِ الثَّانِي، بَدَأَ الصُّنْدُوقُ يَكْبُرُ. لَمْ يَكْبُرْ فِي حَجْمِهِ، بَلْ كَبُرَ فِي رَأْسِ فَارِسٍ. صَارَ يَأْكُلُ وَالشَّاشَةُ تَأْكُلُ مَعَهُ، يُرَاجِعُ وَالشَّاشَةُ تُرَاجِعُ مَعَهُ، يَنَامُ وَالشَّاشَةُ لَا تَنَامُ، تُضِيءُ فِي العَتْمَةِ كَعَيْنٍ صَغِيرَةٍ لَا تَغْمِضُ. تَرَكَ كُتُبَهُ مَفْتُوحَةً كَأَفْوَاهٍ عَطْشَى تَنْتَظِرُ، وَغَرِقَ فِي عَالَمٍ يَلْمَعُ بِلَا تَوَقُّفٍ: مَعَارِكُ لَا تَنْتَهِي، كُنُوزٌ تَظْهَرُ وَتَخْتَفِي، نُجُومٌ تَلْمَعُ إِذَا نَقَرَ، وَتَصْفِيقٌ كَثِيرٌ بِلَا أَكُفٍّ.
كَانَتْ أُمُّهُ تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهِ وَتَقُولُ بِرِفْقٍ: "يَا فَارِسُ، الوَقْتُ يَمْضِي بِسُرْعَةٍ."
فَيُجِيبُ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ: "دَقِيقَةٌ يَا أُمِّي، هَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الأَخِيرَةُ فَقَطْ!"
وَكَانَتِ الدَّقِيقَةُ الأَخِيرَةُ لَا تَنْتَهِي أَبَدًا، بَلْ تَلِدُ دَقَائِقَ أُخْرَى، وَأُخْرَى.
حَتَّى حَلَّ صَبَاحُ الخَمِيسِ، الصَّبَاحُ الَّذِي لَا يُنْسَى. القِسْمُ هَادِئٌ، وَالمُعَلِّمُ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ يُوَزِّعُ أَوْرَاقَ الِاخْتِبَارِ عَلَى المُمْتَحَنِينَ، وَصَوْتُ المَطَرِ الخَفِيفِ عَلَى النَّوَافِذِ يَمْلَأُ القَاعَةَ مُوسِيقَى لَطِيفَةً مِنْ صُنْعِ الطَّبِيعَةِ.
قَرَأَ فَارِسٌ السُّؤَالَ الأَوَّلَ بِخَطِّ المُعَلِّمِ الجَمِيلِ: اِحْسِبْ مِسَاحَةَ الحَدِيقَةِ إِذَا كَانَ طُولُهَا 8 أَمْتَارٍ وَعَرْضُهَا 7 أَمْتَارٍ.
مَسْأَلَةٌ كَانَ يَحُلُّ مِثْلَهَا وَهُوَ مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ. لَكِنَّ قَلَمَهُ تَوَقَّفَ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ القَاعِدَةَ. كَانَ يَعْرِفُهَا، كَانَ يَحْفَظُهَا كَاسْمِهِ. لَكِنَّ الكَلِمَاتِ بَدَتْ بَعِيدَةً، كَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي خِزَانَةٍ فِي أَعْلَى الرَّفِّ، وَضَاعَ مِفْتَاحُهَا. فِي رَأْسِهِ، بَدَلًا مِنْ جَدْوَلِ الضَّرْبِ، كَانَتْ أَصْوَاتٌ أُخْرَى تَتَزَاحَمُ وَتَتَصَايَحُ: اِنْقُرْ هُنَا! اِفْتَحِ الصُّنْدُوقَ! اِرْبَحْ نَجْمَةً إِضَافِيَّةً! حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى!
نَظَرَ حَوْلَهُ مُرْتَبِكًا. زُمَلَاؤُهُ مُنْهَمِكُونَ، أَقْلَامُهُمْ تَمْشِي بِثِقَةٍ فَوْقَ الوَرَقِ كَخُيُولٍ صَغِيرَةٍ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا. أَمَّا هُوَ، فَقَدْ شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ وَثَقِيلٍ: أَنَّ الشَّاشَةَ الَّتِي أَعْطَتْهُ كُلَّ شَيْءٍ بِلَا تَعَبٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ أَثْمَنَ شَيْءٍ بِلَا ضَجِيجٍ: قُدْرَتَهُ عَلَى التَّرْكِيزِ، عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى البَقَاءِ مَعَ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى النِّهَايَةِ.
عَادَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى المَنْزِلِ مُكْتَئِبًا بِوَرَقَةٍ عَلَيْهَا عَدَدٌ مُسْنَدٌ لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ: 10 مِنْ 20. لَمْ تَصْرُخْ أُمُّهُ وَلَمْ تُوَجِّهْ إِلَيْهِ اللَّوْمَ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ أَبُوهُ. وَهَذَا مَا أَوْجَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ عِقَابٍ. وَضَعَ أَبُوهُ يَدَهُ الدَّافِئَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الوَرَقَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ مُوجِعٍ: "مَا الَّذِي حَدَثَ لِحَدِيقَتِكَ يَا فَارِسُ؟ مَنِ الَّذِي سَرَقَ مِسَاحَتَهَا؟"
فِي اللَّيْلِ، لَمْ يَسْتَطِعِ النَّوْمَ. كَانَ السَّقْفُ فَوْقَهُ مُظْلِمًا، وَالهَاتِفُ بِجَانِبِ وِسَادَتِهِ يُضِيءُ كُلَّ حِينٍ كَأَنَّهُ يُنَادِيهِ. نَهَضَ فَجْأَةً، وَأَبْعَدَ الهَاتِفَ، وَفَتَحَ دَفْتَرَهُ المَدْرَسِيَّ عَلَى صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ. وَكَتَبَ فِي أَعْلَاهَا بِخَطٍّ مُرْتَجِفٍ، كَبِيرٍ، كَأَنَّهُ عُنْوَانُ بَحْثٍ: «لِمَاذَا أَنْسَى؟»
ثُمَّ أَجَابَ، وَكَأَنَّهُ صَارَ مُعَلِّمًا لِنَفْسِهِ: «لِأَنَّنِي لَمْ أُرَاجِعْ. لِأَنَّنِي تَرَكْتُ عَقْلِي غُرْفَةً فَارِغَةً، بِلَا بَابٍ، يَدْخُلُهَا كُلُّ عَابِرٍ. لِأَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَقْرَأُ سَطْرًا كَامِلًا دُونَ أَنْ أَقْفِزَ لِمُوَاصَلَةِ لُعْبَتِي المُفَضَّلَةِ.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يُقَرِّرْ أَنْ يُعَاقِبَ نَفْسَهُ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يُجْرِيَ تَجْرِبَةَ اخْتِبَارٍ، كَمَا يَفْعَلُ العُلَمَاءُ الحَقِيقِيُّونَ.
أَحْضَرَ مِنَ المَطْبَخِ ثَلَاثَ عُلَبٍ زُجَاجِيَّةٍ شَفَّافَةٍ، وَوَرَقَةً لَاصِقَةً.
كَتَبَ عَلَى العُلْبَةِ الأُولَى بِخَطٍّ وَاضِحٍ: «وَقْتُ البِنَاءِ»، وَهُوَ وَقْتُ الدَّرْسِ وَالمُرَاجَعَةِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّانِيَةِ: «وَقْتُ اللَّعِبِ»، وَهُوَ وَقْتُ الهَاتِفِ وَالمَرَحِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّالِثَةِ: «وَقْتُ الحَيَاةِ»، وَهُوَ وَقْتُ لَعِبِ الكُرَةِ مَعَ الأَصْدِقَاءِ وَزَرْعِ النَّبَاتَاتِ وَالِاعْتِنَاءِ بِالحَدِيقَةِ وَتَجَاذُبِ الحَدِيثِ وَالحِوَارِ وَالنِّقَاشِ مَعَ العَائِلَةِ.
ثُمَّ أَحْضَرَ كِيسًا فِيهِ ثَلَاثُونَ كُجَّةً زُجَاجِيَّةً صَغِيرَةً، زَرْقَاءَ وَلَامِعَةً، كُلُّ كُجَّةٍ تُسَاوِي نِصْفَ سَاعَةٍ مِنْ يَقَظَتِهِ. قَالَ: "سَأَرَى اللَّيْلَةَ أَيْنَ تَذْهَبُ حَيَاتِي."
وَفِي مَسَاءِ اليَوْمِ الأَوَّلِ، نَظَرَ إِلَى العُلَبِ. كَانَتْ عُلْبَةُ اللَّعِبِ مُمْتَلِئَةً حَتَّى الحَافَّةِ وَتَكَادُ تَفِيضُ، وَعُلْبَةُ البِنَاءِ فَارِغَةً إِلَّا مِنْ كُجَّتَيْنِ يَتِيمَتَيْنِ، وَعُلْبَةُ الحَيَاةِ فَارِغَةً تَمَامًا.
ضَحِكَ مِنْ نَفْسِهِ ضِحْكَةً حَزِينَةً وَقَالَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ: "هَذِهِ مُعَادَلَةٌ خَاسِرَةٌ. كَيْفَ يَنْجَحُ بِنَاءٌ بِلَا وَقْتٍ؟"
وَمُنْذُ الغَدِ، اخْتَرَعَ نِظَامًا أَسْمَاهُ فِي دَفْتَرِهِ: «دُسْتُورُ فَارِسٍ لِلتَّحَكُّمِ فِي الوَقْتِ» كَتَبَ فِيهِ ثَلَاثَةَ قَوَانِينَ بِلَا مُسَاوَمَةٍ:
سَمَّى القَانُونَ الأَوَّلَ «الشَّمْسُ قَبْلَ القَمَرِ» حَيْثُ لَا تُفْتَحُ شَاشَةٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْتَلِئَ عُلْبَةُ البِنَاءِ بِأَرْبَعِ كُجَّاتٍ كَامِلَةٍ. الدَّرْسُ هُوَ الشَّمْسُ، وَاللَّعِبُ هُوَ القَمَرُ، وَالقَمَرُ لَا يُضِيءُ بِدُونِ وُجُودِ الشَّمْسِ.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّانِيَ «الهَاتِفُ يَنَامُ بَعِيدًا» حَيْثُ لِلْهَاتِفِ بَيْتٌ جَدِيدٌ، لَيْسَ غُرْفَةَ النَّوْمِ، بَلْ رَفٌّ فِي المَطْبَخِ، يَنَامُ هُنَاكَ بِدَايَةً مِنَ الثَّامِنَةِ مَسَاءً، حَتَّى لَا يَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ لَيْلًا.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّالِثَ «يَوْمُ الِاكْتِشَافِ» حَيْثُ تَقَرَّرَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بِلَا شَاشَةٍ. سَمَّاهُ يَوْمَ اليَدَيْنِ، يَكْتَشِفُ فِيهِ شَيْئًا بِيَدَيْهِ لَا بِإِصْبَعِهِ: يَزْرَعُ حَبَّةَ فُولٍ فِي عُلْبَةِ يَاغُورْتَ، يُفَكِّكُ دَرَّاجَتَهُ وَيُرَكِّبُهَا، يَقْرَأُ قِصَّةً وَرَقِيَّةً حَتَّى يُشْبِعَ شَغَفَهُ وَحُبَّهُ الكَبِيرَ بِالمُطَالَعَةِ وَالقِرَاءَةِ.
كَانَ اليَوْمُ الأَوَّلُ صَعْبًا جِدًّا. كَانَتْ يَدُهُ تَتَحَرَّكُ لَا إِرَادِيًّا نَحْوَ الرَّفِّ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ فَقَدَتْهُ. لَكِنَّهُ قَاوَمَ، وَمَلَأَ عُلْبَةَ البِنَاءِ، وَلَمَّا أَنْهَى وَاجِبَاتِهِ قَبْلَ المَغْرِبِ، اكْتَشَفَ شَيْئًا نَسِيَهُ: أَنَّ النَّهَارَ طَوِيلٌ جِدًّا، وَأَنَّ لَدَيْهِ وَقْتًا فَائِضًا.
خَرَجَ يَلْعَبُ الكُرَةَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ فِي الحَيِّ، وَعَلَا صَوْتُهُ وَضِحْكَتُهُ حَتَّى غَطَّتْ عَلَى كُلِّ أَصْوَاتِ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. عَادَ إِلَى البَيْتِ وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ، لَا فَرَحٍ افْتِرَاضِيٍّ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، حَدَثَتِ المُعْجِزَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا الأَطْفَالُ. فَفِي حِصَّةِ العُلُومِ، سَأَلَ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ: "مَنِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَحَ لَنَا كَيْفَ تَنْبُتُ البَذْرَةُ؟"
رَفَعَ فَارِسٌ يَدَهُ بِثِقَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَتَذَكَّرَ حَبَّةَ الفُولِ الَّتِي زَرَعَهَا فِي يَوْمِ الِاكْتِشَافِ، كَيْفَ انْتَفَخَتْ، وَكَيْفَ تَشَقَّقَتْ، وَكَيْفَ مَدَّتْ جَذْرًا أَبْيَضَ صَغِيرًا كَخَيْطٍ، ثُمَّ سَاقًا خَضْرَاءَ شَقَّتِ التُّرَابَ بِقُوَّةٍ عَجِيبَةٍ. فَشَرَحَ الدَّرْسَ لَا كَمَنْ حَفِظَهُ، بَلْ كَمَنْ عَاشَهُ.
سَكَتَ القِسْمُ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ، ثُمَّ صَفَّقَ المُعَلِّمُ وَقَالَ جُمْلَتَهُ الَّتِي كَتَبَهَا فَارِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَّقَهَا فَوْقَ مَكْتَبِهِ: "هَذَا هُوَ التَّعَلُّمُ الحَيُّ يَا فَارِسُ. التَّرْكِيزُ عَضَلَةٌ، وَعَضَلَتُكَ الآنَ عَادَتْ قَوِيَّةً."
وَفِي آخِرِ الثُّلَاثِيِّ الدِّرَاسِيِّ الأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ العَامِ، عَادَ فَارِسٌ إِلَى المَنْزِلِ وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَطِيرُ مِنَ الفَرْحَةِ. سَلَّمَ بِطَاقَةَ النَّتَائِجِ المَدْرَسِيَّةَ إِلَى وَالِدَتِهِ وَتَعَانَقَا عِنَاقًا طَوِيلًا، فَهَذِهِ المَرَّةَ كَانَتِ العَلَامَاتُ مُخْتَلِفَةً وَالمُعَدَّلُ الثُّلَاثِيُّ مُرْتَفِعًا: 17 مِنْ 20. وَفِي إِحْدَى الخَانَاتِ، كَتَبَ المُعَلِّمُ بِخَطٍّ أَحْمَرَ جَمِيلٍ: «مُمْتَازٌ عَمَلًا وَسُلُوكًا، اليَوْمَ عَادَ تَرْكِيزُكَ، فَعَادَ نَجَاحُكَ. اِسْتَمِرَّ»
فِي المَسَاءِ، وَضَعَ فَارِسٌ هَاتِفَهُ فِي عُلْبَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا، كَصَدِيقَيْنِ تَصَالَحَا بَعْدَ خِصَامٍ، وَقَالَ لَهُ مُبْتَسِمًا: "أَنْتَ أَدَاةٌ ذَكِيَّةٌ وَجَمِيلَةٌ، لَكِنَّكَ لَا تَزْرَعُ حَدِيقَةً، وَلَا تُصْلِحُ دَرَّاجَةً، وَلَا تَحُلُّ مَسْأَلَةً، وَلَا تَجْعَلُنِي بَطَلًا. البَطَلُ لَيْسَ مَنْ يَرْبَحُ نُجُومًا فِي الشَّاشَةِ، البَطَلُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ وَقْتَهُ، وَلَا يَتْرُكُ وَقْتَهُ يَمْلِكُهُ."
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَ إِذَا رَأَى صَدِيقًا غَارِقًا فِي الشَّاشَةِ، لَا يَقُولُ لَهُ "اُتْرُكِ الهَاتِفَ"، بَلْ يُرِيهِ عُلْبَتَهُ الزُّجَاجِيَّةَ الثَّلَاثَ وَكُجَّاتِهِ الزَّرْقَاءَ، وَيَقُولُ: "لَا تُحَارِبِ الهَاتِفَ، نَظِّمْهُ. اِجْعَلْ لَهُ بَيْتًا وَوَقْتًا، وَلَا تَدَعْهُ يَسْكُنُ فِي كُلِّ بُيُوتِكَ وَأَوْقَاتِكَ."
اِنْتَهَتْ
القَصَّاصُ وَالمُفَكِّرُ: الكَيْلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَةَ
البَلَدُ: الجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُقَدّمُ )) شعر أ. خالد جمال



مُقَدّمُ ،،،
إن جمعوا كلَّ العاشقينَ بساحةٍ
سأكونُ بينَ الفارقينَ مُقَدَّمُ

إن قالَ الناظمونَ بيتاً في الهوى
سأقولُ بيتاً في هواكِ ﻻ يُنظمُ

إن ملأَ فيضٌ من غرامٍ أبحُراً
سَتَريْنَ عِشقي كالطوفانِ وأعظمُ

إن عانى كلُّ المُغرمينَ من الجوى
شوقي بقلبي من يراهٌ سيُصدَمُ

مَن قالَ عشقُهُ قد تجاوزَ مغرمي
كذِباً يقولُ وإفكَ قولِ يزعُمُ

شوقي وعشقي لا يُضاهى ويُمثَلُ
والنارُ عِندي عن فُراقِه أرحمُ

هيهاتَ كلُّ مَن ذاقَ الغرامَ يفُوقُني
مجهولُ نسبٍ بالحياةِ ومُبهَمُ

بحرُ الهوى أغوارُهُ
مالها من مُنتهى
والقلبُ فيه مهما غاصَ مُتيمُ

بقلمي/ خالد جمال ١١/١٠/٢٠٢٦

الأحد، أكتوبر 04، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( القابضة عنان اللّجام )) بقلم الكاتب سعيد نفّاع



القابضة عِنان اللّجام
***قصّة من المجموعة القصصيّة "لفظ اللجام" الصادرة سنة 2014 والتي جاء في إهدائها:
"الإهداء
نحن أهل أمّة أدغمَنا الغرباءُ رَدَحا والأقرباءُ رُدُحاً بألْجُمة، ورضينا حتى أدمنّا الإدغامَ وأدمنّا لفظَ اللجام* وأدمنّا صليلَه في كل زاوية من بيوت حيواتنا. ولكن كان فينا من رفض الإدغام وجعل اللجام نِضْواً فاقد الصليل، وما زال فينا من يرفض إلا أن يجعل اللجام أنضاء لا أن يكون كأنضاء اللجام، لا في عيني نفسه ولا في عيني عدوه، ولا في عيني عزّة كثيّر حين قال:
رأتني كأنضاء اللجام، وبعلُها من المِلْء أبزى عاجزٌ متباطئ
أو في رواية أخرى:
رأتني كأشلاء اللجام، وبعلُها من الحيّ أبزى منحنِ متباطنُ
إلى كل هؤلاء الرافضين الإدمان على اللجام، "الما-زالوا" فينا، أهدي هذه القصص.. سعيد نفّاع.
***القصّة.
شيء ما قبض على صدره أو انقبض في صدره، تطاول بلا حياء إلى الأعلى وبلا استحياء انحدر إلى الأسفل، وراح بين حيائه واستحيائه يعلو جارحا ويهبط جارحا.
كل ذلك حين حطّ الخيلاءُ مدججةً بكل أنواع السلاح القاتل غير آبهة بما حولها قابضةً عِنان لجام الفرس التي اقتحمت الميدان دغماء طويلة العِنان مزينةً من أخمص حوافرها حتى ذروة عرفها.
الفرس متوترةٌ لافظة اللّجام تلهث، زينتُها إما فرح غامر وإما حزن عارم، فحولَها دموع وزغاريد، والقابضةُ عِنان اللجام تعانق الأفقَ ولا يبدو أنها تعير ما حولها اهتماما، واثقةٌ من مضاء سلاحها.
عرفها ولم يعرفْها عرفته ولم تعرفْه، ثم ابتلعتها الدغماء المزدانةُ من أخمص حوافرها حتى أعلى عرفها، والتي ما زالت تلهث يعلوها التوتر.
خال نفسه يرى القابضةَ عِنان اللجام تبكي، أويبكي الفرسان؟ وخالها تضحك، أويضحك الفرسان؟ نعم يضحكون ويبكون وأعذبُ البكاء بكاءُ الفرسان وأمرُّ الضحك ضحكُ الفرسان!
كان لا بدّ أن يتقدم رغم خوفِه، الفرسُ ما زالت مكانَها تلهث والقابضةُ عِنان لجامها متوارية، فاقترب من الفرس مخاطرا ليكتشف أعذب البكاء وأمرّ الضحك، لكن القابضةَ عِنان اللجام لم تحقق له رغبتَه.
رغم فراسته حجبت عنه قطراتُ الندى المالئةُ المكان، أن يكتشف إن كانت الفرس تنتظر فارسَها أو أن انتظارَها إياه مضى ولن يعود، فالقطرات المتلألئة رغم حر الشمس لم تنبئْه الخبرَ أو أن ادعاءَه الفراسةَ محضُ ادعاء.
هل القابضةُ على عِنان اللجام أمُّ الفارس وتبكي فرحته أو تبكي الخوفَ من لا-عودته، رغم أنها مدججةٌ بكل أنواع السلاح القاتلِ عن بعد الفتّاكِ عن قرب، والقادرةُ أن تحميه ؟.
لم يعرف إن كان يجب أن يحمد ربّه، القريبَ من المكان، الذي لا يحمد على مكروه سواه، على أن لم تمكنْه القابضةُ على عِنان اللجام أن يسبرَ غورَ التساؤلات أعلاه، لكنه تابع المسيرَ واتخذ موقعَه ينتظر احتدامَ المعركة.
دارت الرحى فاختلط الحابلُ بالنابل، دموعٌ تطلق سهاما وبسماتٌ تطلق مثقفات، خشوعٌ وتمرد، إيمانٌ وكفر ومناجاةٌ ومناداة ودمعٌ وخفقانُ قلوب فرِحةٍ ووجيبُ قلوب دامية وموتُ ماض وولادةُ مستقبل، وأكاليلُ وشموع.
وهو لا يعرف كيف سيخرج من الساحة؛ أطريحا أم جريحا؟! فالقابضةُ عِنان اللجام كانت قد أرخته على الغارب، رصدته في موقعه وراحت تضرب حينا بدموعِها سهاما أشدَّ من الشهب، وحينا بافترار ثغرها مثقفاتٍ أحدَّ من اللهب.
لم يستطع أن يحصي الضحايا أو لم يعرفْ أصلا إن كان غيرُه ضحيّةً تدلّت على يسار قبضةِ القابضِ على صدره نبالٌ تزاحمت ومثقفاتٌ تكسّرت. هدأ أوارُ المعركةِ فبكى من انتصر وبكى من انكسر، لكن لم يبق في الميدان ما يدل على شدة سعيرِها غيرُ ذلك الجريح المدلاةِ على يسار القابض على صدره نصالٍ حانيةٍ ونبالٍ دامية وأنضاء لجام.
راح يجرجر نفسَه خارجا وغبارُ المعركة يكللُه دون أن يدري إن كانت القابضة عِنان اللجام جاءت تندب فارسا أو تزف فارسا، فالدنيا في ديارنا تمطر إن ارتحل الفرسانُ وتمطر إن اعتلى الفرسان.
لكن المعركةَ انتهت على الأقل بفارس ابتلع جراحا حتى الثمالةِ ولم تسعفْه أو توقظْه نسماتُ الجنوب التي تدحرجت على محياه حارة باردة، وظلت وقائعُ المعركةِ تملأ حناياه وطال انتظارُه وألمُ الجراح يخبو رغم صليل اللجام.
تموز2005

مجلة وجدانيات الأدبية (( البندقية اتكلمت )) كلمات الشاعر أحمد شاهين /مصر -- أسيوط



البُنْدُقِيَّه اتْكَلِّمِت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إِحْكِي يَا رَبَابَه
وِنَغَّمِي عَ السِّمْسِمِيَّه
البُنْدُقِيَّه اتْكَلِّمِت
صُوتْهَا عِلِي وِالْمَدْفَعِيَّه
عَدُّوا الْمُشَاه عَبَرُوا القَنَاه
أَبْطَالْنَا دُوْل دُوْل مِيَّه مِيَّه
جُنُودْنَا رَفَعُوا لِلعَلَم
فَاجْئُوا العَدُو بِالبُنْدُقِيَّه
سِيْنَا يَا حِتَّه مِنِّنَا
يَا صُوْت مِأَثَّر لَحْنُه فِيَّا
سَجِّل وِسَطَّر يَا قَلَم
البُنْدُقِيَّه اتْكَلِّمِت وِالْمَدْفَعِيَّه
هَرَب الْجَبَان خَاف مِنِّنَا
سَاب السِّلاَح وِزِمْزِمِيَّه
بَصّ لِفُوْق فِي السَّمَا
خَلَّص عَلِيْه نِسْر البَهِيَّه
حَقِّك وِرَاجِع يَا بَلَد
طُوْل مَا الإِيْدِيْن عَالْيَه وِقَوِيَّه
الله عَلِيْك أَجْدَع وَلَد
مَصْرِي يَا وَاد دَمّ وْهَوِيَّه
إِحْكِي يَا رَبَابَه
وِنَغَّمِي عَ السِّمْسِمِيَّه
البُنْدُقِيَّه اتْكَلِّمِت
صُوتْهَا عِلِي وِالْمَدْفَعِيَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر أحمد شاهين
------ مصر -- أسيوط ------

مجلة وجدانيات الأدبية ((ثماني ساعات )) بقلم د. عبد الرحيم الشويلي/ القاهرة



«العُبُودِيَّةُ لَمْ تُلْغَ، بَلْ تَمَّ تَحْوِيلُهَا لِتَشْمَلَ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ يَوْمِيًّا.»
تْشَارْلْز بُوكُوَفْسْكِي

قصة قصيرة

ثَمَانِي سَاعَاتٍ

كَانَ يَقْرَأُ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَ يُسَبِّبُ لِنَفْسِهِ مُشْكِلَاتٍ كَثِيرَة.
يَقْرَأُ عَنِ الحُرِّيَّةِ، وَعَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ أَجْلِهَا، وَعَنِ الفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَمْضَوْا حَيَاتَهُمْ فِي البَحْثِ عَنْ مَعْنَاهَا.
كَانَ لَهُ رَأْيُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، وَكَانَ يَعْتَبِرُ الحُرِّيَّةَ مِنَ المُقَدَّسَاتِ الَّتِي لَا تُنَاقَشُ.
لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا.
جَرَّبَ التِّجَارَةَ فَخَسِرَ، وَجَرَّبَ الأَعْمَالَ الحُرَّةَ فَفَشِلَ، لَا لِقِلَّةِ الأَفْكَارِ، بَلْ لِقِلَّةِ المَالِ وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ.
وَكَانَ كُلَّمَا قِيلَ لَهُ:
— لِمَاذَا لَا تُخَاطِرُ؟
يُجِيبُ:
— لِأَنَّنِي أُحِبُّ الحُرِّيَّةَ.
ثُمَّ يَصْمُتُ قَلِيلًا، وَيُضِيفُ:
— وَالحُرِّيَّةُ لَا تُطْعِمُ الخُبْزَ.
حِينَ وَجَدَ وَظِيفَةً فِي شَرِكَةٍ كَبِيرَةٍ، أَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ، بَلْ أَجَّرَ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ مِنْهَا.
فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، قَالَ لَهُ المُدِيرُ:
— نَحْنُ نَحْتَرِمُ الحُرِّيَّةَ هُنَا.
سَأَلَهُ:
— وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
— أَنَّكَ حُرٌّ فِي إِبْدَاءِ رَأْيِكَ.
ابْتَسَمَ.
— هَذَا جَيِّدٌ.
قَالَ المُدِيرُ:
— بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ رَأْيَكَ، نُخْبِرُكَ بِالرَّأْيِ الصَّحِيحِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ يُبْدِي رَأْيَهُ.
فِي الثَّانِي، أَصْبَحَ يُفَكِّرُ قَبْلَ أَنْ يُبْدِيَهُ.
فِي الثَّالِثِ، أَصْبَحَ يَعْرِفُ مُسْبَقًا مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ.
فِي الرَّابِعِ، لَمْ يَعُدْ يَقُولُ شَيْئًا.
لَاحَظَ أَنَّ شَيْئًا غَرِيبًا يَحْدُثُ لَهُ.
لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي المَكْتَبِ.
ثُمَّ لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي البَيْتِ.
ثُمَّ بَدَأَ يَشْتَرِي الكُتُبَ وَلَا يَفْتَحُهَا.
فِي يَوْمٍ مَا، وَجَدَ فِي دُرْجِهِ كِتَابًا قَدِيمًا عَنِ الحُرِّيَّةِ.
فَتَحَهُ، فَكَانَتِ الصَّفْحَةُ الأُولَى تَقُولُ:
«الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَخْتَارُ، لَا يَعِيشُ.»
أَغْلَقَ الكِتَابَ بِسُرْعَةٍ.
دَخَلَ رَئِيسُهُ فَجْأَةً.
— مَاذَا تَقْرَأُ؟
— لَا شَيْءَ.
— جَيِّد.
أَخَذَ الكِتَابَ، وَوَضَعَهُ فِي سَلَّةِ المُهْمَلَاتِ.
— هَذِهِ الأَشْيَاءُ تُشَوِّشُ عَلَى الإِنْتَاجِيَّةِ.
فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، لَمْ يَنَمْ.
فِي الصَّبَاحِ، وَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ طَوِيلًا.
قَالَ لِنَفْسِهِ:
— أَنَا حُرٌّ.
لَمْ تُجِبْهُ المِرْآةُ.
قَالَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
لَمْ تُجِبْهُ.
ثَالِثَةً.
فَقَطْ رَأَى وَجْهًا يَبْدُو لَهُ غَرِيبًا.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الشَّرِكَةِ، كَانَ المُدِيرُ يَنْتَظِرُهُ.
— مُبَارَكٌ.
— عَلَى مَاذَا؟
— تَرْقِيَةٌ.
سَأَلَ بِتَوَجُّسٍ:
— وَمَا المَطْلُوبُ؟
ابْتَسَمَ المُدِيرُ:
— لَا شَيْءَ كَبِيرًا... سَنَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى سَاعَتَيْنِ إِضَافِيَّتَيْنِ مِنْ وَقْتِكَ.
سَكَتَ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَمَاذَا سَأَحْصُلُ فِي المُقَابِلِ؟
— سَتَحْصُلُ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
— كَيْفَ؟
أَجَابَهُ المُدِيرُ بِهُدُوءٍ:
— سَنَتْرُكُ لَكَ حُرِّيَّةَ اخْتِيَارِ السَّاعَاتِ الَّتِي تَعْمَلُهَا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ضَحِكَ.
ضَحِكَ حَتَّى بَكَى.
ثُمَّ وَقَّعَ.
وَعِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ المَكْتَبِ، أَخْرَجَ سَاعَتَهُ مِنْ مَعْصَمِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ أَعَادَهَا إِلَى مَكَانِهَا.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَ قَبْلَ مَوْعِدِهِ بِسَاعَتَيْنِ.
لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَحَدٌ أَنْ يَذْهَبَ مُبَكِّرًا.
وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ.
وَعِنْدَ بَابِ الشَّرِكَةِ، وَقَفَ الحَارِسُ مُتَعَجِّبًا:
— لَمْ يَفْتَحُوا بَعْدُ.
نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ، وَقَالَ:
— أَعْرِفُ.
— إِذَنْ لِمَاذَا جِئْتَ؟
صَمَتَ طَوِيلًا.
ثُمَّ أَجَابَ:
— لَا أَعْرِفُ... لَقَدْ أَصْبَحْتُ أَخَافُ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
وَفِي دَاخِلِ الشَّرِكَةِ، كَانَتِ السَّاعَةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتِ الثَّامِنَةَ بَعْدُ...!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة


5.أكتوبر. تشرين أول.2026م.

مجلة وجدانيات الأدبية (( أنت الخيال . . وطيره )) شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد





_______
أنت الخيال . . وطيره
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في البال أنت قصيدةٌٍ
في خاطري
تومي وترمش للنجوم وللسما
أيام نفسي المرجآت تَريدني أن نستجيب لما توَد لنسلمَا
إني أرى صدقاً
عيونك عالمَاً
وأرى بأهدابهما الكثيفة معجمَا
تلك الزواريب التي تعتادني وأخاف إن أرتادها أن أءثما ( 1 )
تلك الزواريب التي تُفضي إلى آفاق عينينا ارتأت إيذاهما
من أسوىء اللحظات تلك حقيقةً أن نشتهي من ثم نأثم بعدما
إني أحب وكل جسمي عاشقٌ مثلي
وحدسي
لا يطيق المَغرَما
ماضمّني صمت المكان بخلوتي إلا وكنت به الجليس الأكرما
أجزاء روحي كم عصين أوامري وأنا أحارب أو أنافح عنهما
مابين يومٍ أو جديدٍ آخر تتحول الدنيا لغابٍ ربما
أجد انقلابي فكرةً ملعونةً طرأت وكنت كما الرسول اليهما
لأكون
عفو قصيدة ٍ إنسانها بين الحفائر والخرائب خيَّما
أنا مذ جَناَنَك خنته من يومها
ماعدت بسّاما
ولا متشائما
يادوح شنّفت الخيال
وطيره
بجوانح الرؤيا أجيؤك مغرما
أنت المسامات التي
في قامتي
أنت الشبابيك أُحَدِّق منهما
غامت
فلا النجوى استردتْ صفوها ٠ ٠ لا ٠ ٠ لا
ولا الأمر الذي أضناهما
عينان ساحرتان شبه غزالةٍ بدويّة بالحق ماأحلاهما
مُدّي الجوانح للجوارح واهزجي رغداً إذا فيّ الفصيح تلعثما
أنا إن يشاء الله أنبل عاشقٍ فوق الثرى كلِفٌ وصبٌ حيثما
فوق التراب أو الصخور تنزّلي حلماً ربيعيّاً
لطيفاً
ناعما
بين الترائب واللهاة تصدّري
كوني النياشين
وكوني الموسما
كوني كخافقة المُلوّح قلبه ملكته ليلى فاستحال متيّما
أحيا ارتجافك والنياط عطوفةٌ والنفس لا تجد العناقَ محرّما
سأصد كل أذيّةٍ تجتاحني مهما بذلت من المخاطر والدما
تغشى السماديرُ العيونَ بغلظةٍ ووقاحةٍ هيهات أن أنساهما ( 2 )


______
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

,الإثم : يعني المعصية
السمادير : مايتراءى للعيون المجهدة كأنه ذباب

مجلة وجدانيات الأدبية (( أهل البيد )) شعر:د.وصفي تيلخ


أهل البِيد ِ...
شعر:د.وصفي تيلخ
البيدُ تمتَدُّ لا ظِلٌّ ولا شَجَرُ
إلّا الأثافيُّ والرّمْضاءُ والقُطُرُ1
والآل يلمعُ في أرجاءِ فَلْوَتِها
كأنّهُ لُجَّةٌ بيضاء تنتشِرُ2
والرّيحُ تعْصِفُ بالأطْنابِ عابِثةً
فَتَقْلع الخَيْمَ لا تُبْقي ولا تَذَرُ3
والغيْثُ إنْ هبّ في أنْوائِهِ فَرَجٌ
يُحْيي من الأرضِ ما قدْ مسَّهُ القَتَرُ
فتَرْتوي الجَعْلُ والعَيْدانُ من عطَشٍ
وأزْهَرَ الرّوْضُ والأكلاء والعُشَرُ4
والنّخْلُ باسِقَةً في قلبِ واحَتِها
تُدْني العُذوقَ وشدْوُ الطيرِ ينتَشِرُ
والظّبْيُ يرْتعُ مِنْ وادٍ إلى جبَلٍ
كأنّهُ في حوْمَةِ الميْدانِ مُنتَصِرُ
والخيلُ تعْدو وصوتُ الحيِّ يتْبَعُها
والنَّقْعُ خلْفَ صهيلِ الخيْلِ والظّفَرُ
والليلُ يُرخي على البيْداءِ أجْنِحَةً
والنّجمُ في صفْحَةِ الظَّلْماءِ يزدَهرُ
والنارُ توقَدُ بين الحيِّ في سمَرٍ
وفي الخُدورِ عَروبٌ نورُها قَمَرُ
تلكَ البوادي وأهلُ البيدِ نعْرِفُهمْ
فيهِمْ مكارِمُ لا زيْفٌ ولا كدَرُ
د. وصفي تيلخ
1-القُطُر:رائحة العود
2-الآلُ: السّراب
3-الأطناب: الحبال التي يُشدّ بها بيت الشعر والخيمة
4- الجَعْلُ: قِصار النخل ، العَيْدانُ: طِوال النخل،العُشَرُ: نبات عريض الورق له ثمر بحجم البطيخة الصغيرة بداخلها ما يشبه القطن.

مجلة وجدانيات الأدبية (( أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ» )) بقلم القصاص والمفكر الكيلاني بن عبدالله بوستة / الجمهورية التونسية

أدب الطفل: « سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ » لَمْ يَكُنْ فَارِسٌ يَكْرَهُ المَدْرَسَةَ. كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: أَنْ يَفُوتَهُ...