*** دع عنك لومي ***
في زمنٍ تُقاس فيه الأصوات بحدّتها لا بحكمتها، وتُوزن الردود بالصراخ لا بالوقار، يخرج هذا النصّ كبيانٍ شعريٍّ لا يُهادن، ولا يُجامل.
قصيدة "دع عنك لومي" ليست مجرد نظم، بل موقفٌ يُجيد أن يُنطق بالصمت، ويُجيد أن يُهزم الخصم بالحرف لا بالسيف.
هنا، لا يُطلب المجد بالتذلل، ولا يُردّ على الزيف بالانفعال، بل يُردّ عليه بوقارٍ يُذيب الخصوم ذلًا وانكسارًا.
هي قصيدة تُعلن أن الكرامة لا تُساوَم، وأن الحرف حين يُصاغ من الكبرياء، يُصبح سلاحًا لا يُكسر.
في كل بيت، ألبس الصمت هيبة، وأُعلّي من شأن الكلمة حتى تُصبح قمةً لا تُطال.
وإن كان اللوم إغراءً عند أبي نواس، فإن الردّ هنا هو فخرٌ لا يُشبه إلا صاحبه.
**********
يلُومُونَنِي إذ أَبَيتُ فُجُورَا
وَمَجدِيَ فِي العِزِّ لَا الإِحتِقَارَ
فَإِنِّي بِصَمتِي أُجِيدُ الهُجُومَ
كَفَى بِالسُكُوتِ جَوَابًا جَهِيرَ
وَإِن حَاصَرُونِي بِأَلفِ ادِّعَاءٍ
فَإِنِّي بِحَرفِي أُجِيدُ الكِرَارَ
لَبِستُ الوِقَارَ فَظَنُّوا سُكُوتِي
خُنُوعَاً وما الصَّمتُ إِلَّا وِقَارَا
أَنَا ابنُ الحُرُوفِ إِذَا ضَاقَ صَدرِي
أُفَجِّرُ صَمتِي قَصَائِدَ نَارَا
وَمَن قَالَ قَولاً يُعِيبُ القَرِيضَ
رَدَدتُ عَلَيهِ سَلَامَاً فَخَارَا
وَلَستُ أُجِيدُ النِّفَاقَ وَلَكِن
أُجِيدُ الرُدُودَ وَصِدقَ الكِبَارَا
فَصَمتِي وِقَارٌ، وِقَارِي سِلَاحٌ
يُذِيدُ الخُصُومَ ذُلَا وَانكِسَارَا
وَلَستُ أُجِيدُ التَّذَلُّلَ يَومَاً
وَلَا أَرتَضَي لِي المَذَلَّةَ جَارَا
وَإِن ضَاقَ صَدرِيَ مِن كَيدِ قَومٍ
فَحَرفِي يُجِيدُ الصُعُودَ انتِصَارَا
أَنَا ابنُ الوِقارِ، وَمَن عَابَ قَولِي
تَهَاوَى جَبَانٌ، وَتِهتُ افتِخَارَا
فَلَا تُغرِنِي زَيفُهُم فِي حَدِيثٍ
وَلَن يُرهِبُونِي بِقَولٍ صِغَارَا
فَمَا كُلُّ صَوتٍ يُثِيرُ الغُبارَ
يُخِيفُ الجِبَالَ، فَيَأتِ الدَمارَا
وَمَا كُلُّ مَن رَامَ نَيلَ العُلَا
يُطَالُ السَّحَابَ، وَيَبغِي ذِرَارَا
فَكُنْ فِي الحَيَاةِ، عَزِيزَ الجَنانِ
تُهابُ الهُرُوبَ، وتَخشَى الصِغَارَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د . بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش
النروج 2025/08/24


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق