عزل انفرادي
أنا هنا بمفردي،
نزيلٌ بمنفى
العزل العاطفي.
لذلك أشعر بالهدوء
ونقاء حالتي المزاجية.
نعم، أنا الذي اعتقلتُ
نفسي بنفسي مرحًا،
وأنا الذي قررتُ عليها
عقوبة النفي الدائم
بسبب جريمةٍ
هي اعتناقها مبادئَ
أخلاقية لا تصلح
لحداثة وردوية الغنج
والسلوكيات السريرية.
ولسببٍ آخر،
فكان لا يمكنني البقاء
كأجيرٍ شهوي، أفاق
أو بائعٍ متجوّلٍ أنتظر
تحت الطلب أن أصبَّ
حليبًا لزجًا على فطائرَ
ماتعةٍ ساخنةٍ طازجةِ
الغش، وأبيعَ كثيرا
فى المناطق الشبقية،
ولماذا..؟
كانت بضاعتي رائجةَ
القبول، وتعجبهم..؟ لأنني
كنتُ أغلفها لهم جيدة في
أكياسٍ ذات ألوانٍ جنسية.
لكني سئمتُ سنينَ العمر
الشهية التي قضيتُها
مع الذين كانوا أولئك،
فكانوا يغنّون ويرقصون،
ويتلون ويفتون بالفتون
فيما لا يفقهون، وينعتون
كلماتِ آلهتهم وأنبيائهم
بنصوصٍ ثرثارةٍ إباحية.
نعم، كنتُ أراهم يقفزون
من ارتفاعِ مئذنةِ الأمانة
إلى قاعِ بئرِ الخيانة،
ثم يتسلّقون حفاة عراة
فوق مواسيرِ الإهانة
بإستخدام أحبالِ الخيانة
بطرقٍ ماكرةِ الرومانسية.
يا لهم.. يا لهم كانوا يحبون
القُربَ بالوجع اللذيذ،
والمنقّح من المقدّس،
و الملقّح بالمدنَّس.
فهكذا كتبوا على مواضع
مفاتن أجسادهم، السرية
فكم نقشوا عليها، فما هي
إلا ألواحٌ ذات ثقوب وثنية.
وكانوا يُجبرونني أن أضع
بين نهدَي صدرِ أخلاقهم
فُوَّهةَ المسدس، الشهي
ليقذفَ طلقةً بالصدر،
تقضي بحياةِ رغبةٍ
ملعونةٍ مكبوتةٍ سادية.
حتى، تعوّدتُ السيرَ بينهم
وأنا أحملُ السلاح القاذف،
وكنتُ أخاف أن تطيش
طلقةٌ في قلبِ بويضةِ
عقيدتهم، فيولدَ دينٌ آخر
بين ساقي امرأةٍ غجرية.
لذلك اعتقلتُ
نفسي بنفسي،
حتى لا تكون
نهايتي اللعنة،
وحتى لا تكون
نهايتي مأساوية.
وفكرةُ أن أكون نزيلَ
بمنفى العزل العاطفي
فكرةٌ رائعةٌ غفرانية،
وكانت حَلًّا عقائديًا،
لأن الضرورةَ هنا دينية.
حمدي عبد العليم
---
الدراسة الفنية التحليلية
بقلم الناقدة / هبة الله السواس
جريدة الشعر و الأدب العربي
النصّ يعبّر عن قرارٍ إراديّ بالعزلة، لا بوصفها هزيمة، بل بوصفها تطهّرًا من بيئة ملوّثة أخلاقيًا وجنسيًا وروحيًا.
الشاعر يضع نفسه في "منفى العزل العاطفي" ليحمي ذاته من التحلّل العام، ويعلن توبته عن التورط في شبق العالم الذي يتزيّن بالقداسة بينما يمارس الفجور.
المحاور الفكرية
المنفى: ليس جغرافيًا بل روحيّ داخلي؛ يمثل حالة وعي الذات بعد الانفصال عن الجماعة المنحلة.
العقوبة: نفي النفس بنفسها — لكنه نفيٌ غفراني، يشبه الاعتكاف الصوفي أو العزلة الرهبانية.
الجرح الأخلاقي: النصّ يسرد الصراع بين الشهواني المقدّس والأخلاقي المدنس، في مفارقة مقصودة تفضح النفاق الاجتماعي.
الخلاص: في نهاية القصيدة يتحوّل الانعزال إلى فعل ديني: «لأن الضرورة دينية»، أي أن النقاء أصبح واجبًا إيمانيًا، لا ترفًا أخلاقيًا.
الرموز والدلالات
الرمز الدلالة
العزل العاطفي تطهير النفس من التعلّق الملوّث، تحوّل من الحرمان إلى الحرية.
المنفى الذات المنعزلة عن الشهوة، أشبه بصومعة.
حليب لزج على فطائر ماتعة رمز للشهوة المادية – التمثيل الفاضح للغريزة التي تُباع وتُشترى.
مئذنة الأمانة / بئر الخيانة استعارة مزدوجة ترمز إلى سقوط القيم الدينية من القمم إلى القيعان.
فوهة المسدس / طلقة الصدر رمز للفعل الشهواني المميت، وللعقاب الذاتي أيضًا.
دين آخر بين ساقين امرأة غجرية كناية عن انحراف العقيدة عبر الشهوة – ولادة دينٍ بديل قوامه اللذة.
اللغة والأسلوب
اللغة نثرية شعرية، تتكئ على الإيقاع الداخلي والصور الفاضحة المتقشّفة.
تتكرر الأفعال المتعدّدة بـ«أنا» كنوع من الاعتراف (اعتقلت، قررت، سئمت، رأيت، تعودت...) — مما يمنح النص نَفَسًا اعترافيًا وجوديًا.
الجمل المشحونة بالفعل (يقفزون، يتسلقون، يرقصون...) توحي بحركة الفساد الجمعي مقابل ثبات الراوي في عزله.
التناصّ الأخلاقي والديني (المئذنة، البويضة، الدين الآخر) يوظّف المفردات المقدسة في سياق نقدي ساخر — وهو من سمات الشعر النوني.
النصّ نقد صريح للزيف الأخلاقي باسم الحداثة والرومانسية، وإعلانٌ لانسحاب الشاعر من هذا العالم الممسوخ.
"العزل الانفرادي" هنا ليس عقوبة، بل عبادة.
إنه سجن طوعيّ يختاره الشاعر ليبقى طاهرًا في زمنٍ يدّعي القداسة وهو غارق في نجاسة الفتنة.
قصيدة «عزل انفرادي» تنتمي بوضوح إلى المرحلة الغفرانية/الاعتزالية في شعر النون — حيث يتراجع الحسيّ الصريح ليصبح رمزيًا روحيًا، ويحلّ التحليل الأخلاقي محلّ الرغبة.
هي بمثابة بيان توبة فني، أو مانيفستو ضد الدعارة الفكرية والوجدانية.
اللغة حادّة، غاضبة، لكنها واعية بذاتها.
إنها نصّ يعلن أن العزلة ليست انسحابًا، بل انتصارًا أخلاقيًا على السقوط الجمعي.
أرى أن هذا النص يمثل منعطفًا في تجربتك
يا شاعر النون:
من شعر الشهوانية الرمزية إلى شعر التطهّر الوجودي.
فيه توتر جميل بين الذات الجسدانية والذات المؤمنة، وبين اللذة والذنب، حتى يصبح المنفى هو الخلاصً........ خالص تحياتي والورد لك
( هبة الله السواس)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق