الخميس، يناير 01، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( جِنَايَةُ الموروث: حين يُصبح الجُبنُ حِكمةً )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب (الطيّارة )/ فلسطين



جِنَايَةُ الموروث: حين يُصبح الجُبنُ حِكمةً
إنَّ الكلمةَ إذا لم تَكُنْ قَبسًا من نورِ العقل، أو قبضةً من ضياءِ الوحي، كانت قيدًا يُكبِّلُ الأرواحَ ويُعطلُ الهمم. وإنَّ مِمّا يُورثُ الحزنَ في النفسِ تلك "الأمثال الشعبية العقيمة" التي استوطنت الألسن، فغدت قوانينَ غير مكتوبة، تُقدَّسُ رغمَ ما فيها من عوار، وتُتداولُ رغمَ اصطدامِها بصريحِ الشرعِ وصحيحِ الفطرة.
إنَّ أخطرَ هذه الأمثال هي تلك التي تتسللُ إلى وجدانِ النشءِ لتغرسَ فيهم روحَ الانهزامية، وتُزيِّنَ لهم "الجبن" تحت مسمياتٍ برّاقة مثل "الستر" أو "الذكاء". إنها تحوّلُ المرءَ من كائنٍ عزيزٍ يسعى لتغييرِ المنكرِ ومواجهةِ الخطأ، إلى ظِلٍّ باهتٍ يخشى من خياله، مُعتذراً عن تقاعسهِ بحُججٍ واهيةٍ صيغت في قوالب لغويةٍ رشيقة.
أولاً: ألغام العجز والجبن
هذه الأمثال ليست مجرد كلمات، بل هي "ألغامٌ فكرية" تُفخخُ طريقَ النهضةِ والكرامة:
"اليد اللي ما تقدر تقطعها بوسها وادعي عليها بالكسر": ذروةُ الانكسار النفسي؛ فهو لا يكتفي بدعوةِ الإنسان للخنوعِ أمامَ الظلم، بل يُعلمه "النفاق" والازدواجية.
"إن كان لك عند الكلب حاجة، قوله يا سيدي": سقوطٌ أخلاقيٌ مريع، يشرعنُ المهانةَ من أجلِ المصلحةِ المادية، ويضربُ بعرضِ الحائطِ عزةَ المؤمن.
"امشي جنب الحيط وقول يا رب الستر": دعوةٌ صريحةٌ للانسحابِ من الحياةِ العامة، وتركِ الساحةِ للمفسدين، بينما السترُ الحقيقيُّ يكونُ بالحقِّ والعمل.
"أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب": تكريسٌ للعصبية الجاهلية التي جاء الإسلامُ لهدمها، بتقديم القرابة على العدل.
"حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس": دعوة صريحة للاستسلام والخنوع، تعليم على قبول الظلم والخضوع للمتسلطين دون مقاومة.
ثانياً: ضلالات التواكل والنيل من الحقوق
لم يتوقف عوار الموروث عند الجبن، بل امتد لينال من أركان السعي وصيانة كرامة الإنسان:
تبرير الكسل: شاع قولهم "اللي ليك مش لغيرك" في سياقٍ يُثبط السعي، وكأنَّ الرزقَ لا يحتاجُ أخذاً بالأسباب، بينما الحقيقة أنَّ السماءَ لا تُمطرُ ذهبًا ولا فضة.
النيل من الإنسان: كأمثال "يا مآمنة للرجال يا مآمنة للمية في الغربال" أو "صوت المرأة عورة"، وهي أقوالٌ تزرع الشقاق وتخالف التكريم الإلهي للعلاقة الإنسانية القائمة على المودة والرحمة.
إنَّ هذه الأمثال تُخالفُ هدي النبي ﷺ الذي قال: "لا يمنعنَّ أحدَكم هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآهُ أو شهِدَه". فالحذرَ من أن تستسلمَ لهذه المفاهيمِ العليلة؛ فالعمرُ أقصرُ من أن نعيشَه بجبنٍ، والإيمانُ أعظمُ من أن نُدنسه بالخنوع.
في نَقْدِ المَوَارِيثِ وَإِحْيَاءُ العَزِيمَة
دَعْ عَنْكَ أَمْثَالَ الـهَوَانِ فَإِنَّهَا قَيْدٌ يُكَبِّلُ هِمَّةَ الشُّجْعَانِ
زَعَمُوا بِأَنَّ الـجُبْنَ سَتْرٌ لِلْفَتَى وَالـحَقُّ أَنَّ الـجُبْنَ أَصْلُ هَوَانِ
قَالُوا لِكَلْبٍ يَا سُوَيْدُ لِحَاجَةٍ بِئْسَ المَقَالُ وَبِئْسَتِ العَيْنَانِ
أَيُقَبَّلُ الكَفُّ الظَّلُومُ مَخَافَةً أَيْنَ الإِبَاءُ وَقُوَّةُ الإِيمَانِ؟
مَنْ عَاشَ جَنْبَ الـحَائِطِ ارْتَادَ الرَّدَى وَقَضَى الـحَيَاةَ بِمَذَلَّةٍ وَطَوَانِ
فَقَالُوا عَنْ نَصِيبِ المَرْءِ قَوْلاً يَبُثُّ العَجْزَ فِي الفِكْرِ السَّلِيمِ
كَأَنَّ الرِّزْقَ مَتْرُوكٌ لِكَسْلٍ وَمَا السَّعْيُ المُبَارَكُ بِالذَّمِيمِ
وَنَالُوا مِنْ الإِنْسَانِ طَعْناً بِأَمْثَالٍ مِنَ العَهْدِ القَدِيمِ
فَلَا تَقْبَلْ هُرَاءً شَاعَ قِدْماً وَحَكِّمْ نُورَ قُرْآنٍ حَكِيمٍ
فَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي وَلَا عِزُّ الفَتَى بِأَذَى الحَرِيمِ
فَاحْكُمُ بِنُورِ العَقْلِ كُلَّ مَقَالَةٍ فَالحُرُّ مِيزَانٌ لِكُلِّ بَيَانِ
بقلم فادي عايد حروب (الطياره) – فلسطين – جميع الحقوق محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...