خلال انهيار الجليد - الجزء الثاني
فلسطين: من الموقف الوجودي إلى الفعل التاريخي
المقدمة: فلسفة الصمود
حين انهار الجبل، ظنت القطع أن النهاية قد حلّت. لكن النهاية، في الفلسفة الحقيقية، ليست نقطة توقف، بل لحظة كشف. اللحظة التي ينسحب فيها الوهم، وتبقى الحقيقة عارية، قاسية، لكنها أصيلة.
فلسطين لم تغرق.
ليس لأنها أقوى من القوانين الطبيعية، بل لأنها تجاوزت الطبيعة إلى ما بعدها. حين يصبح الوجود نفسه فعل مقاومة، حين تتحول الكينونة إلى موقف أخلاقي، يتوقف الجسد عن كونه مادة قابلة للفناء، ويصبح فكرة، والفكرة لا تغرق.
الصمود ليس مجرد البقاء. البقاء يمكن أن يكون سلبيًا، انتظارًا للموت البطيء. أما الصمود فهو الوجود الفاعل في مواجهة العدم، الرفض الواعي للذوبان في اللامعنى.
قال الفيلسوف: "الوجود يسبق الجوهر." لكن فلسطين أثبتت عكس ذلك: حين يصبح الجوهر هو المقاومة نفسها، فإن الوجود يصبح تجليًا للجوهر، لا سابقًا عليه.
الفصل الأول: الفعل كنقيض للعدم
العدم ليس مجرد غياب الوجود. العدم فعل، قوة نشطة تسعى لإلغاء المعنى، لمحو الذاكرة، لتحويل الكينونة إلى فراغ.
واجهت فلسطين هذا العدم ليس بالخطاب، بل بالفعل. لأن الفعل هو اللغة الوحيدة التي يفهمها العدم.
الفعل الأول: رفض الذوبان
حين دعتها القطع الأخرى للتفاوض مع الموت، للقبول بـ"واقعية" الذوبان، للاعتراف بأن الجبل قد مات وأن البقاء يتطلب التأقلم مع الماء، رفضت فلسطين.
ليس رفضًا عاطفيًا، بل رفضًا فلسفيًا: الاعتراف بالعدم هو بداية الفناء. حين تقبل أن العدالة ماتت، تموت العدالة فعلًا. حين تعترف بأن الحق صار وهمًا، يصبح الحق وهمًا.
الفعل هنا ليس في المقاومة الجسدية فقط، بل في المقاومة الوجودية: رفض إعادة تعريف الذات وفق شروط الظالم، رفض قبول خطاب القوة كحقيقة نهائية.
الفعل الثاني: الذاكرة كسلاح
قال الطاغية: "انسوا." قال الزمن: "اذوبوا." قال الإعلام: "تأقلموا."
لكن فلسطين حولت الذاكرة إلى فعل مقاوم. لم تكن الذاكرة هنا حنينًا رومانسيًا للماضي، بل كانت رفضًا للحاضر الزائف، تأكيدًا على أن ما كان سيعود، لأن ما كان لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل كان حقيقة أنطولوجية.
الذاكرة هي الجسر بين الوجود الذي كان والوجود الذي يجب أن يكون. من ينسى ذاته يفقد حقه في المستقبل، لأن المستقبل امتداد للماضي الحقيقي، لا للحاضر المزيف.
الفعل الثالث: تحويل الألم إلى معنى
الألم، في الفلسفة العدمية، دليل على عبثية الوجود. لكن فلسطين حولت الألم إلى برهان على عكس ذلك: الألم دليل على أن المعنى لا يزال حيًا، لأن العدم لا يؤلم.
حين يموت الأطفال، لا يموتون كأرقام في إحصائية، بل يموتون كشهادة على أن الحياة كانت هنا، على أن المعنى كان ممكنًا، وأن العدوان على فلسطين ليس مجرد احتلال جغرافي، بل هو اعتداء على المعنى نفسه.
الشهادة هنا ليست انتحارًا، بل هي الشكل الأعلى للفعل: حين يصبح الموت اختيارًا واعيًا في سبيل الحياة، حين يتحول الفناء الفردي إلى خلود جماعي.
الفصل الثاني: جدلية الضحية والفاعل
أحد أخطر الأفخاخ الفلسفية التي نُصبت لفلسطين كان فخ "الضحية الأبدية."
قال الخطاب الاستعماري: "أنتم ضحايا التاريخ، عالقون في الماضي، عاجزون عن التكيف مع الحاضر."
وقال خطاب التعاطف الزائف: "نتعاطف مع معاناتكم"—كأن المعاناة هوية، وكأن التعاطف يكفي بديلًا عن العدالة.
لكن فلسطين رفضت هذا الاختزال. رفضت أن تكون مجرد "ضحية" لأن الضحية، في الخطاب الحديث، كائن سلبي يستحق الشفقة لا الاحترام، يُمنح الصدقة لا الحق.
من الضحية إلى الفاعل التاريخي
الفاعل التاريخي ليس من يصنع الأحداث فقط، بل من يمنح الأحداث معناها. فلسطين لم تكن مجرد موضوع للتاريخ، بل كانت ذاتًا فاعلة فيه.
حين انتفض الشباب، لم ينتفضوا لأنهم يائسون، بل لأنهم يرفضون اليأس. حين قاوم المزارع، لم يقاوم لأنه لا يفهم "الواقعية السياسية"، بل لأنه يفهم أن الواقعية الحقيقية هي رفض القبول بواقع مزيف.
الطفل الذي يرمي الحجر ليس ساذجًا، بل هو الفيلسوف الحقيقي: يعرف أن الحجر لن يهزم الدبابة، لكنه يعرف أيضًا أن الفعل الرمزي أقوى من الاستسلام المادي. الحجر هنا ليس سلاحًا، بل لغة: أنا موجود، أنا أرفض، أنا إنسان لا شيء.
الفصل الثالث: المقاومة كفلسفة وجودية
المقاومة، في جوهرها، ليست عسكرية أو سياسية فقط. المقاومة موقف وجودي: رفض السماح للآخر بتعريف ذاتك.
قال الفيلسوف: "الجحيم هو الآخرون." لكن فلسطين أثبتت أن الجحيم الحقيقي هو حين تسمح للآخر أن يكون المرآة الوحيدة التي ترى فيها نفسك.
مقاومة الخطاب
قبل احتلال الأرض، يأتي احتلال اللغة. حين يسمي المحتل الاحتلال "نزاعًا"، والتطهير العرقي "صراعًا"، والمقاومة "إرهابًا"، فإنه لا يحتل الجغرافيا فقط، بل يحتل المعنى نفسه.
قاومت فلسطين هذا الاحتلال اللغوي بإصرارها على تسمية الأشياء بأسمائها: احتلال، استعمار، عنصرية، فصل عنصري. الكلمات هنا ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي معارك حقيقية على تعريف الواقع.
من يملك اللغة يملك السردية، ومن يملك السردية يملك شرعية الوجود.
مقاومة النسيان
النسيان ليس ظاهرة طبيعية، بل مشروع سياسي. حين تُمحى القرى من الخرائط، حين تُستبدل الأسماء العربية بأسماء عبرية، حين تُنكر المجازر، فإن هذا ليس مجرد تزوير للتاريخ، بل محاولة لقتل الماضي، وبالتالي قتل المستقبل.
قاومت فلسطين بالذاكرة الحية: الجدة تروي للحفيد عن البيت الذي هُدم، الأب ينقش على قلب ابنه اسم القرية المُهجّرة، الأم تطبخ الأكلة نفسها التي كانت تُطبخ في البيت القديم.
هذه ليست حنينًا، بل فعل مقاومة: رفض السماح للطاغية بمحو الوجود من الذاكرة الجماعية.
مقاومة اليأس
اليأس هو السلاح الأكثر فتكًا. حين ييأس الإنسان، لا يحتاج العدو لقتله، فهو يموت من الداخل.
لكن فلسطين حولت اليأس الموضوعي إلى أمل ذاتي. ليس أملًا ساذجًا، بل أملًا فلسفيًا: الأمل الذي لا يستند على احتمالات النجاح، بل على ضرورة المحاولة.
قال كامو: "يجب أن نتخيل سيزيف سعيدًا." فلسطين عاشت هذه الفلسفة: رغم أن الصخرة تسقط كل مرة، رغم أن الطريق طويل والجبل شاهق، فإن الفعل نفسه هو المعنى، والاستمرار هو الانتصار.
الفصل الرابع: من الصمود الفردي إلى الكينونة الجماعية
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن لفلسطين أن تصمد وحدها؟
الجواب الفلسفي: لا.
ليس لأنها ضعيفة، بل لأن الوجود الإنساني، في جوهره، وجود مع الآخر. نحن لسنا ذوات منعزلة، بل كينونات متشابكة. وجودي مرتبط بوجودك، حريتي مشروطة بحريتك، كرامتي لا تكتمل إلا بكرامتك.
فلسطين كمرآة الضمير الجماعي
فلسطين ليست قضية فلسطينية فقط، بل هي سؤال إنساني شامل: هل لا نزال نؤمن بالعدالة؟ هل لا تزال الحقوق الإنسانية لها معنى؟ هل القوة وحدها تحدد الحق؟
كل قطعة من قطع الجليد التي صمتت، كل أمة تفرجت، كل مثقف تفلسف عن "تعقيدات الصراع"، كل سياسي تحدث عن "التوازنات"—كلهم لم يخونوا فلسطين فقط، بل خانوا المعنى الذي يجمعهم كبشر.
من الصمت إلى الفعل الجماعي
بدأت الشقوق تظهر في صمت القطع. بدأت أصوات—خافتة في البداية، ثم أعلى—تقول: "لا يمكننا الاستمرار هكذا."
طلاب في جامعات بعيدة يعتصمون.
فنانون يرسمون الألم الذي رفض الإعلام أن ينقله.
عمال يرفضون شحن الأسلحة.
أمهات يعلّمن أطفالهن أن الصمت جريمة.
هذه ليست مجرد تضامنات رمزية، بل بدايات تشكّل وعي جديد: الوعي بأننا جبل واحد، وأن سقوط فلسطين هو سقوط الجبل كله.
الفصل الخامس: الطوفان كفعل تاريخي
ثم جاء الطوفان.
ليس كعاصفة عمياء، بل كفعل واع، مخطط، محسوب. الطوفان هنا ليس انتقامًا، بل إعادة توازن للمعادلة الوجودية.
حين يصبح الظلم هو القاعدة، يصبح الفعل المقاوم ضرورة. حين يتحول الصمت إلى تواطؤ، يصبح الصراخ واجبًا. حين تموت العدالة في المؤسسات، تولد في الشوارع.
فلسفة المفاجأة
الطوفان فاجأ الجميع. لماذا؟
لأن القوي يعتقد أن ضعف الضعيف أبدي، أن صمته رضا، أن استسلامه حتمية.
لكن الطوفان أثبت أن الصمت كان تراكمًا، وأن الصبر لم يكن يأسًا بل تحضيرًا، وأن الضعيف حين يقرر الفعل يصبح قوة لا يمكن التنبؤ بها.
الفلسفة هنا: القوة الحقيقية ليست في امتلاك الأسلحة، بل في امتلاك المعنى. من يملك معنى لموته يصبح أقوى من كل جيوش الذين يخافون الموت.
الطوفان كإعادة تعريف للمعادلة
قبل الطوفان، كانت المعادلة: احتلال مستقر، وشعب يقاوم بلا أمل في التغيير.
بعد الطوفان، أصبحت المعادلة: احتلال مهزوز، وشعب أثبت أن المستحيل ممكن.
الطوفان لم يكن انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان انتصارًا فلسفيًا: كسر وهم الحتمية، إثبات أن التاريخ لا ينتهي، أن الخارطة قابلة لإعادة الرسم، أن الذين ظنوا أن الزمن في صالحهم اكتشفوا أن الزمن محايد، والفعل الإنساني هو الذي يحدد اتجاهه.
الفصل السادس: ثمن الصمود وفلسفة التضحية
لكن الصمود له ثمن.
أطفال قتلوا، بيوت دمرت، أمهات ثكلى، آباء فقدوا كل شيء. الدم لا يمكن أن يُختزل في رمزية فلسفية، والألم لا يمكن أن يُمحى بالخطاب.
لكن السؤال الفلسفي: هل كان هناك خيار آخر؟
جدلية الموت والحياة
قال الفيلسوف: "من لا يخاطر بحياته من أجل الحرية لا يستحقها."
لكن فلسطين تجاوزت هذه الجدلية: لم تخاطر بحياتها من أجل الحرية فقط، بل خاطرت بحياتها لأن الحياة بلا حرية ليست حياة، بل موت بطيء.
الشهيد هنا ليس من اختار الموت، بل من اختار ألا يعيش كعبد. الموت كان نتيجة، لكن الاختيار كان الكرامة.
فلسفة الأجيال
الأم التي فقدت ابنها لا تقول: "مات عبثًا."
تقول: "مات لكي يعيش أطفال الغد أحرارًا."
هنا تتجلى فلسفة عميقة: الوجود الإنساني ليس فرديًا فقط، بل جيلي. نحن نحيا لأن من سبقنا ضحّى، ونضحي لكي يحيا من سيأتي بعدنا.
التضحية ليست عدمًا، بل استثمارًا في المستقبل، رهانًا على أن المعنى أقوى من الموت.
الخاتمة: من الموقف الوجودي إلى الفعل التاريخي
فلسطين بدأت كموقف وجودي: رفض العدم، رفض الذوبان، رفض إعادة تعريف الذات وفق شروط الظالم.
لكنها لم تتوقف عند الموقف. تحولت إلى فعل تاريخي: فعل يغير المعادلات، يعيد رسم الخرائط، يكسر الحتميات، يثبت أن الإنسان ليس مجرد موضوع للتاريخ، بل ذات فاعلة فيه.
الدرس الفلسفي الأخير
ما تعلمناه من فلسطين:
الصمود ليس سلبيًا: الصمود فعل، والفعل معنى، والمعنى حياة.
الذاكرة سلاح: من ينسى ماضيه يفقد مستقبله.
الضحية ليست هوية: الفعل هو الهوية، والمقاومة هي الوجود.
الطوفان ضرورة: حين يموت الحوار، يولد الفعل.
التضحية استثمار: نموت لكي يحيا من بعدنا.
الحرية مسؤولية جماعية: وجودي مرتبط بحريتك، وصمتي تواطؤ على ظلمك.
السؤال الأخير الذي يجب أن يُطرح
ليس: "هل ستنتصر فلسطين؟"
بل: "هل نحن—كبشر، كجبل، ككينونة جماعية—نستحق أن تنتصر؟"
لأن انتصار فلسطين ليس حدثًا جغرافيًا، بل انتصار للمعنى على العدم، للحق على القوة، للإنسانية على الوحشية.
وهزيمتها—لا قدر الله—لن تكون هزيمة لها وحدها، بل هزيمة للجبل كله، إعلان بأننا فشلنا في الاختبار الأخلاقي الأكبر، بأننا تحولنا من جبل إلى قطع، من معنى إلى عبث.
الرسالة الأخيرة
فلسطين لم تطلب منا أن نموت معها.
طلبت منا أن نحيا كأحرار.
لم تطلب منا أن نحمل السلاح.
طلبت منا أن نحمل الضمير.
لم تطلب منا أن نقاتل عدوها.
طلبت منا ألا نصبح عدوها بصمتنا.
حين ينتهي الطوفان، لن يُسأل أحد: أين كنت؟
بل: من كنت؟
هل كنت جزءًا من الجبل، أم كنت مجرد قطعة تائهة في الماء؟
بقلم: فادي عايد حروب (الطياره)
فلسطين—حيث يبدأ التاريخ الحقيقي، وحيث ينتهي الوهم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق