
الــســلام
عندما خلق الله عزَّ وجلْ البشرية ؛ خلقهم من أبٍ واحد وأُمٍّ واحدة ؛ أبونا آدم وأُمنا حواء ، وخلقهم من التراب ، وحمَّلهم أمانة إستخلاف الأرض بعد أن هبطوا إليها بعد أن أغواهم الشيطان ، وكان عليهم إعمار الأرض وبنائها ، وأرسل الله عزَّ وجل الأنبياء والرُسُل كُلٍّ إلى قومه يدعونهم إلى وحدانية الله وعبوديته ، وإخراجهم من ظُلُمات الجهل والتخلُّف والتناحُر والبغضاء ، إلى أنوار الِعلم والعدالة والسلام والرحمة ، وأرسل بعدها رسول الله سيدنا محمد عليه أفضل السلام ؛ خاتما للأنبياء ومُبلِغاً رسالته للبشرية جمعاء ، داعياً فيها لعبادة الله الواحد الأحد وهدايتهم إلى الطريق القويم الذي عماده المساواة والرحمة والعدالة ، فلا تمييز في الأعراق ولا في اللون وأعطى الحرية في الأديان فلا إكراه في الدين فقال تعالى في سورة البقرة – الآية 256: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } فهو يحمل رسالة سلام للبشرية جمعاء عنوانها ومنهجها السلام والمحبة والتآلف بين جميع أبناء البشر الذين خلقهم الله عزَّ وجل ، قال تعالى في سورة الحجرات – الآية 13 : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ، وهذه دعوة من الله جلَّ عُلاه إلى التعاون بين بني البشر فيما بينهم ، وهي دعوةُ سلام لا دعوةُ تباغضٍ وحرب ، وشعار المسلم هو السلام فبداية حديث المُسلم مع أي إنسانٍ سواءً أكان مُسلماً أو غيرُ مسلم يبدأُ بقول : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فما أجملها من عبارة وما أعظمها من كلمات تدعو إلى السلام والرحمة وبركات الله ، وأيضا في كل صلاة من الصلوات تكون خاتمتها بعبارة ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) وعلينا كسُنة حميدة أن نُصافح ونُسلِّم على من يكون جانبنا يميناً أو يساراً ، فما أعظمها من أخلاق لن تجدهها في أي مُجتمعات أُخرى ، ولن ننسى أن من أسماء الله الحُسنى ؛ هو السلام ، قال تعالى في سورة الحشر – الآية 23 : {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترمذي وأخرجه بن ابي حان عن إبن عمر : ( لا تبدءوا بالكلام قبل السلام ، ومن بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ) ( السلام قبل الكلام ) أي أنه كيف يكون بيننا كلاماً إذا لم يكُن هناك أمانٌ وسِلمٌ وسلام ، وسيدنا آدم كان أول كلام تكلم به هو ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فقد أخرج الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: إذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم )
فالسلام هو الركيزة الأساسية لأيِّ تطوْرٍ وإزدهار ونماء ورُقي في جميع الجوانب المادية والأخلاقية ، وهو مطلب لكل الشُعوب من أجل الأمان والإستقرار ، فافتقار المُجتمعات للعدالة الإجتماعية والرفاه والإقتصاد والحُقوق والحُريات عامةً كانت أو خاصة ؛ تجعلها فريسة للتناحُر والبغضاء والإقتتال والحُروب ، فبالإسلام تخلصت القبائل من الحُروب مع بعضها ، ونقلهم رسول الله إلى نور الإسلام ، وإلى الأمن والأمان والسكينة وآلف بينهم ، وأنَّ الله عزَّ وجلْ لم يخلق البشر ليتعادوا ويتناحروا ، ويستعبدوا بعضهم بعضاً ، وإنما خلقهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويعينوا بعضهم بعضاً ، فالسلام ضرورة حضارية طرحها الإسلام منذ بدايته لكل مناحي الحياة البشرية ، والشريعة الإسلامية ربطت حياة المُسلمين بكل معاني السلم وحقائقه ، وعلى كل من ينتسب أو يعتنق الإسلام أن يدخل في السلم ، وقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السلم مع أهل الكتاب ، وأن يكون التعامل معهم بالحُسنى وقد قال تعالى في سورة العنكبوت – الآية 46 : {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } وقد كان رسول الله يستقبل النصارى في مسجده للمناقشة والتباحث ومطارحة الفكر بالفكر ، والحُجة بالحُجة ، وفي عهده صلى الله عليه وسلم أرسى أول دستور ومعاهدة ، إذ كتب عهداً بين المهاجرين والأنصار ، وعاهد أيضاً اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم ولكنهم نقضوا العهد وحاولوا الغدر وقتل رسول الله ، فكان لا بُد من حربهم وطردهم ، فالقتال في الإسلام مكروه إلا للضرورة القصوى وقد قال الله تعالى في سورة البقرة – الآية 216: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }
إن من طبيعة مُعظم المُجتمعات في العالم بشكلٍ عام أن تكون شرائح الشعب مكونة من تنوعات وفئات منها دينية وعِرقية أو اختلاف اللون ، وهذا التنوع بحاجة إلى قيادات حكيمة تعرف أن تُدير هذا التنوع بالعدالة والحُرية من أجل تحقيق السلام ، ولا يكون ذلك إلا بالعدالة وإعطاء كُلِّ ذي حقٍ حقه ، وكل عِرقٍ أو طائفة لها حُريتها في القيام بشعائرها دون المساس بأمن الدولة التي تعيشُ فيها ، فإذا تحقق كل ذلك يتحقق الأمن والأمان وينتشر السلام ، فالمساواة والعدالة والحرية أساس السلام ؛ والسلام في الأسلام ورد في القُرآن الكريم في خمس وعشرين آية تدعو إلى السلم والسلام ، وكُلُّ آية تحمل رسالة سلام للبشرية عامة وللمسلمين خاصة ، وتدعو إلى ضرورة التواصل والتعايش كإخوة في البشرية وأبناء أبٍ واحد وأُمٍ واحدة ، ومن آياته التي دعت إلى ذلك قال تعالى في سورة البقرة – الآية 208 : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً } حيثُ فيه أمرٌ للمؤمنين كافةً بأن يدخلوا في السلم والسلام ، وقال تعالى في سورة النحل – الآية 28 : {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وعن السلام مع الأعداء قال تعالى في سورة النساء – الآية 90 : {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }وقال تعالى في سورة الأنفال – الآية61 : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }.
ويُذكرنا الله أن الناس أُمةٌ واحدة من أبٍ وأُمٍ واحدة ويعبدون ربٌّ واحد ، وأن جميع رُسُله وأنبيائه أتوا دُعاةً للسلم والسلام ، وقال تعالى في سورة آل عمرا – الآية 19 : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ }
ختاماً دعوتي إلى قادة العالم ، أن ينبذوا العنف والقتال وندعوكم للسلام وهو أسمى الأهداف التي دعت إليها الشرائع السماوية ، وهو مطلبُ كل الشعوب التي تنشد الأمان والطمانينة والسلام دون أحقاد وعنف طائفي وعنصري ، وعليكم أن تتذكروا أنكم جميعاُ إخوة في الإنسانية ، وأن الله استخلفكم عليها لبنائها بالمحبة والمودة والعدالة ، لا بالكراهية والبغضاء والحقد
صخر محمد حسن العزة
عمان – الأردن
1/5/2023
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق