الأربعاء، مايو 03، 2023

مجلة وجدانيات الأدبية (( السلام )) ........صخر محمد حسن العزة \\عمان – الأردن

الــســلام
عندما خلق الله عزَّ وجلْ البشرية ؛ خلقهم من أبٍ واحد وأُمٍّ واحدة ؛ أبونا آدم وأُمنا حواء ، وخلقهم من التراب ، وحمَّلهم أمانة إستخلاف الأرض بعد أن هبطوا إليها بعد أن أغواهم الشيطان ، وكان عليهم إعمار الأرض وبنائها ، وأرسل الله عزَّ وجل الأنبياء والرُسُل كُلٍّ إلى قومه يدعونهم إلى وحدانية الله وعبوديته ، وإخراجهم من ظُلُمات الجهل والتخلُّف والتناحُر والبغضاء ، إلى أنوار الِعلم والعدالة والسلام والرحمة ، وأرسل بعدها رسول الله سيدنا محمد عليه أفضل السلام ؛ خاتما للأنبياء ومُبلِغاً رسالته للبشرية جمعاء ، داعياً فيها لعبادة الله الواحد الأحد وهدايتهم إلى الطريق القويم الذي عماده المساواة والرحمة والعدالة ، فلا تمييز في الأعراق ولا في اللون وأعطى الحرية في الأديان فلا إكراه في الدين فقال تعالى في سورة البقرة – الآية 256: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } فهو يحمل رسالة سلام للبشرية جمعاء عنوانها ومنهجها السلام والمحبة والتآلف بين جميع أبناء البشر الذين خلقهم الله عزَّ وجل ، قال تعالى في سورة الحجرات – الآية 13 : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ، وهذه دعوة من الله جلَّ عُلاه إلى التعاون بين بني البشر فيما بينهم ، وهي دعوةُ سلام لا دعوةُ تباغضٍ وحرب ، وشعار المسلم هو السلام فبداية حديث المُسلم مع أي إنسانٍ سواءً أكان مُسلماً أو غيرُ مسلم يبدأُ بقول : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فما أجملها من عبارة وما أعظمها من كلمات تدعو إلى السلام والرحمة وبركات الله ، وأيضا في كل صلاة من الصلوات تكون خاتمتها بعبارة ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) وعلينا كسُنة حميدة أن نُصافح ونُسلِّم على من يكون جانبنا يميناً أو يساراً ، فما أعظمها من أخلاق لن تجدهها في أي مُجتمعات أُخرى ، ولن ننسى أن من أسماء الله الحُسنى ؛ هو السلام ، قال تعالى في سورة الحشر – الآية 23 : {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترمذي وأخرجه بن ابي حان عن إبن عمر : ( لا تبدءوا بالكلام قبل السلام ، ومن بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ) ( السلام قبل الكلام ) أي أنه كيف يكون بيننا كلاماً إذا لم يكُن هناك أمانٌ وسِلمٌ وسلام ، وسيدنا آدم كان أول كلام تكلم به هو ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فقد أخرج الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: إذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم )
فالسلام هو الركيزة الأساسية لأيِّ تطوْرٍ وإزدهار ونماء ورُقي في جميع الجوانب المادية والأخلاقية ، وهو مطلب لكل الشُعوب من أجل الأمان والإستقرار ، فافتقار المُجتمعات للعدالة الإجتماعية والرفاه والإقتصاد والحُقوق والحُريات عامةً كانت أو خاصة ؛ تجعلها فريسة للتناحُر والبغضاء والإقتتال والحُروب ، فبالإسلام تخلصت القبائل من الحُروب مع بعضها ، ونقلهم رسول الله إلى نور الإسلام ، وإلى الأمن والأمان والسكينة وآلف بينهم ، وأنَّ الله عزَّ وجلْ لم يخلق البشر ليتعادوا ويتناحروا ، ويستعبدوا بعضهم بعضاً ، وإنما خلقهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويعينوا بعضهم بعضاً ، فالسلام ضرورة حضارية طرحها الإسلام منذ بدايته لكل مناحي الحياة البشرية ، والشريعة الإسلامية ربطت حياة المُسلمين بكل معاني السلم وحقائقه ، وعلى كل من ينتسب أو يعتنق الإسلام أن يدخل في السلم ، وقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السلم مع أهل الكتاب ، وأن يكون التعامل معهم بالحُسنى وقد قال تعالى في سورة العنكبوت – الآية 46 : {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } وقد كان رسول الله يستقبل النصارى في مسجده للمناقشة والتباحث ومطارحة الفكر بالفكر ، والحُجة بالحُجة ، وفي عهده صلى الله عليه وسلم أرسى أول دستور ومعاهدة ، إذ كتب عهداً بين المهاجرين والأنصار ، وعاهد أيضاً اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم ولكنهم نقضوا العهد وحاولوا الغدر وقتل رسول الله ، فكان لا بُد من حربهم وطردهم ، فالقتال في الإسلام مكروه إلا للضرورة القصوى وقد قال الله تعالى في سورة البقرة – الآية 216: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }
إن من طبيعة مُعظم المُجتمعات في العالم بشكلٍ عام أن تكون شرائح الشعب مكونة من تنوعات وفئات منها دينية وعِرقية أو اختلاف اللون ، وهذا التنوع بحاجة إلى قيادات حكيمة تعرف أن تُدير هذا التنوع بالعدالة والحُرية من أجل تحقيق السلام ، ولا يكون ذلك إلا بالعدالة وإعطاء كُلِّ ذي حقٍ حقه ، وكل عِرقٍ أو طائفة لها حُريتها في القيام بشعائرها دون المساس بأمن الدولة التي تعيشُ فيها ، فإذا تحقق كل ذلك يتحقق الأمن والأمان وينتشر السلام ، فالمساواة والعدالة والحرية أساس السلام ؛ والسلام في الأسلام ورد في القُرآن الكريم في خمس وعشرين آية تدعو إلى السلم والسلام ، وكُلُّ آية تحمل رسالة سلام للبشرية عامة وللمسلمين خاصة ، وتدعو إلى ضرورة التواصل والتعايش كإخوة في البشرية وأبناء أبٍ واحد وأُمٍ واحدة ، ومن آياته التي دعت إلى ذلك قال تعالى في سورة البقرة – الآية 208 : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً } حيثُ فيه أمرٌ للمؤمنين كافةً بأن يدخلوا في السلم والسلام ، وقال تعالى في سورة النحل – الآية 28 : {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وعن السلام مع الأعداء قال تعالى في سورة النساء – الآية 90 : {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }وقال تعالى في سورة الأنفال – الآية61 : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }.
ويُذكرنا الله أن الناس أُمةٌ واحدة من أبٍ وأُمٍ واحدة ويعبدون ربٌّ واحد ، وأن جميع رُسُله وأنبيائه أتوا دُعاةً للسلم والسلام ، وقال تعالى في سورة آل عمرا – الآية 19 : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ }
ختاماً دعوتي إلى قادة العالم ، أن ينبذوا العنف والقتال وندعوكم للسلام وهو أسمى الأهداف التي دعت إليها الشرائع السماوية ، وهو مطلبُ كل الشعوب التي تنشد الأمان والطمانينة والسلام دون أحقاد وعنف طائفي وعنصري ، وعليكم أن تتذكروا أنكم جميعاُ إخوة في الإنسانية ، وأن الله استخلفكم عليها لبنائها بالمحبة والمودة والعدالة ، لا بالكراهية والبغضاء والحقد
صخر محمد حسن العزة
عمان – الأردن
1/5/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...