ملحمة قُطُز و غَزَّةَ و عينُ جالوت
.......................................................
كَنُقطَةٍ بِخَرِيطَةٍ
أو في مُحِيطٍ مَركَبُ
لَكِن عَلَت حَتَّى غَدَت
فَوقَ الكَوَاكِبِ كُوكَبُ
ارضُ البُطُولَةِ غَزَّةٌ
فيها اهِيمُ و اعجَبُ
و لَكَم لِالهَامٍ رَوَى
ذَاكَ المَعِينُ الاعذَبُ
في كُلِّ يَومٍ مِحنَةٌ
لَكِنَّهَا لا تَرسبُ
فَبِهَا تَعَاظَمَ فِتيَةٌ
شَرَفَاً لِاحمَدَ نُسِّبُوا
اضحَت تُعَلِّمُ امَّةً
انَّ الكَرَامَةَ مَكسَبُ
من قد حَفِظهَا مُكَرِّمَاً
يَهنَى بِعِيشٍ يَرغَبُ
عِش بالكَرَامَةِ فَارِسَاً
فَوقَ الاصَائِلِ يَركَبُ
و مُجَاهِدَاً و مُدَافِعَاً
فَبِهَا تُعَزُّ و تُرهَبُ
لِتَكُن بِسَاحَاتِ الوَغَى
سَيفَاً بَتُورَاً يَضرِبُ
و ابذِل لِنَفسٍ رَاضِيَاً
كي لا تُذَلَّ فُتُشطَبُ
إطرُق على ابوَابِهَا
تُفتَح بِوَجهِكَ ابوُبُ
ما قَطُّ يَغلُو دُونهَا
دَمٌّ يُرَاقُ و يُسكَبُ
من ذَاقَ طَعمَ كَرَامَةٍ
و تَحَرُّرٍ لَا يُصلَبُ
لَا لن يُمَرَّغَ خَدُّهُ
في الوَحلِ ثَمَّ يُعَذَّبُ
و إذا تُفَرِّطُ تَغتَدِي
مِثلَ البَهَائِمِ تُسحَبُ
و لَتُستَرَقُ اِنَاثُهَا
و لَتُعتَلَى و لَتُضرَبُ
و يُبَاعُ فِيهَا و يُشتَرَى
و لِكُلِّ سُوقٍ تُجلَبُ
ذَلَّت و ما من فُسحَةٍ
ما من سَبِيل فَتَهرُبُ
من لَا يُكَرِّمُ نَفسَهُ
يُردِي الكَرَامَةَ يُعطَبُ
يُضحِي كَكَلبٍ اجرَبٍ
كَم هَزَّ ذَيلَاً يَطلُبُ
و الحُرُّ يَعلُو قَدرُهُ
و لَيَستَطِيلُ و يُشعِبُ
يَحيَا و يَنعَمُ عِيشَةً
فِيهَا يُسَرُّ و يُطرَبُ
****************
فِيمَا مَضَى اردَى لَهَا
مُستَعصِمٌ و عَصَائِبُ
مَاتُوا باخزَى مِيتَةٍ
بالسَّحلِ حَتِّى ذُهِّبُوا
سَمَلَ التَّتَارُ عِيُونَهَم
كَاسَ المَذَلَّةِ شُرِّبُوا
بَغدَادُ امسَت مَسرَحَاً
فِيهِ المَشَاهِدُ تُرعِبُ
ذَبَحَ التَّتَارُ و ازهَقُوا
مَليُونَ نَفس و خَرَّبُوا
هَتَكُوا لِعِرضِ حَرَائِرٍ
بَقَرُوا البُطُونَ و تَبَّبُوا
و نَفَائِسُ الكُتبِ الَّتِي
تَحوِي الحَضَارَةَ تُخرَبُ
فيها الحَرَائِقُ اشعِلَت
و بِوَسطِ نَهرٍ تُنكَبُ
مَليُونُ شَخصِ تَقَتَّلُوا
ما جُرمَهُم هل اذنَبُوا
فَقَدُوا لِحِسِّ كَرَامَةٍ
و تَلَيَّنُوا و تَرَطَّبُوا
انهَارُ دَمٍّ اهرِقَت
بَاتَت بِدَجلَةِ تُسكَبُ
و نَهَارُ دَجلَةَ قَانِيٌ
يَبكِي الهَوانَ و يَندُبُ
سِتُّون الفٍ قد اتَى
جَيشُ التَّتَارُ يُهَبهِبُ
سَحَلُوا لِمَليُونِي ضُحَىً
لَمَّا تَخَاذَلَ يَعرُبُ
و لِانَّ جِيشَ خِلِيفَةٍ
من دُونِ حَربٍ عُبعِبُوا
و رَضَوا هَوَانَاً اسوَدَاً
غَرَّ الضَّيَاغِمَ ثَعلَبُ
ما جَرَّدُوا لِصَوَارِمٍ
ما حَاوَلُوا ما جَرَّبُوا
صُفَّ الجُنُودُ بِذِلَّةٍ
مِثلَ النِّعَاجِ تُشَحَّبُ
بِمَهَانَةٍ قد كَبَّلُوا
اقدَامَهُم و تَقَارَبُوا
و القَيدُ اوثَقَ مِعصَمَاً
و ظُهُورُهُم تَتَحَدَّبُ
و تَطَاطَات هَامَاتُهَم
لِيَضِيقَ منها المَنكَبُ
و رَثَت على إذلَالِهِم
غَدَتِ السَّلَاسِلَ تَنحُبُ
و استَسلَمُوا كِي يَسلَمُوا
و بِدُونِ حَربٍ ذُهِّبُوا
إن كَانَ مَوتٌ قَادِمَاٌ
ما ضَرَّهُم لَو حَارَبُوا
و سَعَوا لِنَصرٍ يُرتَجَى
أو لِلشَّهَادَةِ يَشرَبُوا
كَانُوا خُلُود بَجَنَّةٍ
إن يَغلِبُوا أو يُغلَبُوا
وَيلٌ لِقَائِدِ دِرعُهُ
ثَوبُ الحَرِيرِ مُقَصَّبُ
من قد تَنَاسَى وَاجِبَاً
لَا يَرتَجِيه الوَاجِبُ
لَو كَانَ فِيهِم عِزَّةٌ
و شَهَامَةٌ ما سُحبِبُوا
لَكِنَّ فَقد كَرَامَةٍ
جَعَلَ الخِلَافَةَ تُجدِبُ
و الخُوفُ صَدَّقَ كِذبَةً
فَتَنَاقَلَتهَا الاشنُبُ
بَغدَادُ نَالَت حَظَّهَا
و الشَّامُ اضحَت مَلعَبُ
كُلُّ المَدَائِنِ سَلَّمَت
و اتَى التَّتَارُ لِيَسلُبُوا
جَيشُ التَّتَارِ بِنُزهَةٍ
لم يَتعَبُوا لم يَلغَبُوا
و كَانَّ افوَاجَاً أتَت
لِسِيَاحَةٍ فَتَنَاحَبُوا
و إذا ذُكُورٌ فَرَّطُوا
بِكَرَامَةٍ لن يُرهَبُوا
بَل تُستَرَقُّ نِسَاءُهُم
كم من خُدُودٍ ضَرَّبُوا
******************
لكن غضبةَ صَادقٍ
جَعَلت يَباباً يُعشِبُ
بالامسِ كَانَ لها قُطُز
بَحرٌ يهيجُ و يَصخَبُ
بَاعَ الحياةَ بِجَنَّةٍ
فيها الالهُ يُرَغِّبُ
ما رامَ حِفظَ مَناصِبٍ
حتماً تَزُولُ و تَذهبُ
بل حفظَ إسلَامٍ خشَى
من بعدِ عِزٍّ يَغرُبُ
و لِاجلِ صونِ كرامةٍ
يُخشَى تَجِفُّ و تنضبُ
و أتى يُكَرِّمُ امَّةً
باتت تُذَلُّ و تُغصَبُ
و لِغَسلِ عارٍ مُخزِيٍ
وَصَمَ الذُّكورَ فَنُقِّبُوا
احيَا لِنَخوَةِ عُصبَةٍ
نَهَضَت لِمَجدٍ تَكتُبُ
من مصر هَبَّت رِيحُهُ
و تَزَمجَرَت تتغَضَّبُ
مصرُ العظيمةُ إن سَمَت
فَعَصِيَّةٌ لَا تُغلَبُ
جاء المظفَّرُ قائداً
جَيشَاً كنارٍ يَلهَبُ
جَيشَاً تَوَقَّدَ نخوَةً
و بَسَالَةً لَا تكذِبُ
يُذكِي حَمَاسَ جُنُودِهِ
فَوقَ الادِيهِمِ يخطُبُ
سُلطانُ يشحذُ هِمَّةً
لِخِيارِ جُندٍ انجِبُوا
فرسانُ عِزٍّ قَادَهَا
ليثٌ كشُورٌ مُرعِبُ
بيبرسُ برقٌ خاسفٌ
و يقودُ شُهبَاً تثقُبُ
حملوا الرُّؤوسَ بِكَفِّهِم
بذلوا النُّفُوسَ و قَرَّبُوا
و كسيلِ ليلٍ كاسحٍ
يردِي التَّتَارَ و يُجعِبُ
و بعزمهم قد زلزلوا
جيشَ التَّتَارِ و اخربوا
فتكوا بجمعِ المعتدي
سحقوا الفلولَ و تَبَّبُوا
صدق الرِّجَالُ و اخلصوا
و الله كان الصَّاحِبُ
ارضَى الالهَ صَنِيعُهُم
و النَّصرُ جاءَ يُشَبِّبُ
و لعينِ جالوتٍ غَدا
يروي الكتابُ و يُسهِبُ
مصرٌ تَدَاعَى غيضُهَا
و تَوَقَّدُوا و تَلَهَّبُوا
غيضٌ كموتٍ زائمٍ
و على التَّتَارِ يُصَوَّبُ
فتحطَّمَت اسطورةٌ
راسَ الرَّضيعِ تُشَيِّبُ
فإذا التَّتَارُ تَزلزلوا
و تجندلوا و تَخَرَّبُوا
و تناثرت اجسادُهُم
و تعفَّنُوا و تَذَوَّبُوا
و الغيضُ احيا امَّةً
كادت تموتُ و تعطَبُ
صَانَ الرَّعِيَّةَ رَاعِيٌ
فغدا بهم يَتَطَبَّبُ
****************
و اليوم غَزَّةُ ما رَضَت
عيشَاً بِذُلٍّ يُنغَبُ
قد ماتَ شَعبٌ خَاضِعٌ
من غَاصبٍ يَتَقَرَّبُ
يمشي بليلٍ خِلسَةً
في ارضِهِ يَتَسَرَّبُ
بالأمسِ كانَ لها قطز
و أسود مصرَ تواكبُ
عن كل إجرامٍ لهم
جاءوا التَّتَارَفَحَاسَبُوا
و اليوم اضحت غَزَّةٌ
تُردِي القُرُودَ و تُرعِبُ
ثارَ الرِّجَالُ بِغَزَّةٍ
فتحرَّرُ ا و تَهَذَّبُوا
نَفَضَوا غبارَ المعتدي
عن ارضهم و تَحَسَّبُوا
و تعاضدوا و تعاونوا
و تَسَلَّحُوا و تَدَرَّبُوا
و مضوا يُعِدُّوا عُدَّةً
و تَجَهَّزُوا و تَاهَّبُوا
عادَ اليهودُ لغزوهم
و تَجَمَّعُوا و تكالبوا
و اتوا ليغزوا غزَّةً
و مع الاسودِ تحاربوا
شهرين في عدوانهم
كم من سِلَاحٍ جَرَّبوا
لم ياخذوا من غَزَّةٍ
شبرا و لا لم يتقربوا
ثَمَّ استباحوا مسجداً
لسرورهم قد اعربوا
و رجوا يبادرُ حاكمٌ
حَتَّى بِقُولٍ يشجُبُ
ظَلَّ الرُّقُودُ بنومهم
و طبول حربٍ تُضرَبُ
لكن غزة اشعلت
حربا و لم تتخيَّبُ
هَبَّت لنصرةِ قُدسها
و لمسجدٍ يَتَعَتَّبُ
دَفَعَت ضَرِيبَةَ امَّةٍ
لَمَّا غَدَت تُستُوجَبُ
ببسالةٍ قد جَاهَدَت
تُردِي اليهودَ و تُرعِبُ
اسقَت يَهُودَ هزيمةً
ذاقَ المَنِيَّةَ مِرحَبُ
و اليوم يغزون العدا
فَيُنالُ منهُ المارَبُ
جرذُ اليهودِ وجيشَهُم
مثل السَّرابِ تَذَوَّبُوا
ذابت فرائصُ جندِهِ
و وَجُوههم تَتَصَبَّبُ
و تَقَتَّلُوا و تَنَكَّلُوا
و تَكَسَّرُوا و تَعَذَّبُوا
و تَقَزَّمُوا و تَصَاغَرُوا
و تَحَسَّرُوا و تَنَحَّبُوا
و رجالُ غَزَّةَ ثُبَّتٌ
و كما الجبالِ تَصَلَّبُوا
بُركانُ هاجَ بغزَّةٍ
قلبَ اليهودِ يُذَوِّبُ
هَدَرَت حِمَامٌ قُذَّفٌ
في كل شبرٍ تُلهَبُ
و ليوثُ غَزَّةَ مَزَّقُوا
كِبرَ اليهودِ و اخرَبُوا
و النَّصرُ عانقَ غَزَّةً
و أتى إليها المُوكِبُ
عَزُّوا فَعَزَّت امَّةٌ
و القدسُ باتت ترقُبُ
و كما التتارُ تَبَخَّرُوا
بعد الهزيمة غُيِّبُوا
فَكَذَا اليهودُ لَوَاحِقٌ
و سينكلونَ و يُحصَبِوا
قد عادَ جيشُ مُحَمَّدٍ
في غَزَّةٍ يَتَاهَبُ
لِيَدُكَّ خَيبَرَ يا يَهُود
و الشَّمسُ كَادت تَغرُبُ
د. سعيد العزعزي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق