الاثنين، ديسمبر 04، 2023

مجلة وجدانيات الأدبية (( البشرية الأولى ـ 1(( الطوفان بين العالمين والجُزئية ،، االجزء الأول ،،)) )) بقلم الكاتب صخر محمد حسين العزة عمان – الأردن



الــبــشــريــة الأولــى – 1
الــطــوفــان بــيــن الــعــالــمــيــة والــجُــزئــيـة
الجزء الأول
المقدمة
إن الله عزَّ وجلْ عندما خلق الكون ، ومن ضمنه الأرض ، وهذه الأرض كانت بحاجة لمن يعمرها ، فخلق آدم عليه السلام واستخلفه على الأرض ، وذريته من بعده من بني البشر من أجل إعمارها وعبادته ، قال تعالى في سورة الأنعام – الآية 165 : { هُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْض } وقال جلَّ وعلا في سورة ص – الآية 26 : { يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَليفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } وقد سبق أن عُرضت خلافة الأرض على الجبال والسماء فأبين أن يحملنها خوفاً من أن لا يستطعن بالقيام بالواجب عليها وسيعاقبن على ذلك ، فحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ، قال تعالى في سورة الأحزاب – الآية 72 : { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا }.
خصائص المجتمع البشري الأول
قبل الخوض في موضوع طوفان نوح وتفاصيله ، يجب علينا أن نتعرف على مجتمع البشرية الأولى ، منذ هبوط سيدنا آدم وحواء على الأرض ، إلى لحظة سيدنا نوح عليه السلام وحدوث الطوفان .
مما لا شك فيه أن الله بعث آدم عليه السلام وهو على عقيدة سليمة من عالم الألوهية، وعالم الجنة، وعالم الملائكة، وكان مزوَّداً بالمبادئ الأخلاقية الصالحة، وبثَّ آدم ذلك في أبنائه، واستجاب له من هداه الله، وشذَّ عنه من أغواه الشيطان… والله يبعث الرسل عندما يحيد العباد عن دينه وشرعه ويبتعدون عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.. فيتبعون الهوى ويشركون بالله ويجعلون له أنداداً .. وهو كذلك عندما بعث الله أول أنبيائه بعد آدم، وهو نوح عليه السلام .
فكيف كانت الأمة البشرية الأولى بين هذين النبيين؟
ولمعرفة جواب هذا السؤال فإننا نطوي الزمان في وثبة هائلة لا ندري مداها، فنصل إلى ما قبل سيدنا نوح عليه السلام، إلى مجيء أبينا آدم عليه السلام. ونسأل عن الزمن ما بين آدم ونوح عليهما السلام، وهل كان الناس على التوحيد؟
فعن ابن جرير قال : عن رواية السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة الحق، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذي بعث فيه نوح عليه السلام، وقالوا: إن أول نبي أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام ، وهذا كله يؤكِّد أنَّ المدَّة بين آدم ونوح عليهما السلام أكثر مما ذكره المؤرخون من أنها مائة وست وعشرون سنة، ليس لهم في ذلك من سند غير الاعتماد على كتب بني إسرائيل في هذا الشأن ، وقال ابن كثير : "وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة، وكان بينهم عشرة قرون"
وعمود النسب بين آدم ونوح عليهما السلام – وهم عشرة آباء - يتناسب مع العشرة القرون المذكورة في الآثار السابقة، فيكون كلُّ أب يُمثل قرناً من الزمن، إذ كان الواحد منهم يُعمِّر بما يزيد على ألف سنة أو ينقص منها قليلاً، إلا أن تحديد المدة التي بين آدم ونوح عليهما السلام يتوقف على معرفة المراد بالقرن، فإن القرن في أصل اللغة رأس الجبل، يطلق عرفاً على وقت من الزمن، وعلى جيلٍ من الناس، وفي عرف المتأخرين على مائة سنة .
معلوم أنَّ أعمار الناس في بداية تاريخ البشرية كانت طويلة حيث كان أحدهم يعمِّر مئات السنين، فها هو نوح عليه السلام –يعيش مع قومه نبياً رسولاً قبل الطوفان تسع مائة وخمسين سنة، قال تعالى في سورة العنكبوت – الآية 14 : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}وهذا يعني أن نوحاً عليه السلام عاش ألف سنة أو أكثر، وهذا يعني أنه متوسط الأعمار بين آدم ونوح عليهما السلام ألف سنة، بينما أعمار الناس في زماننا ما بين الستين والسبعين، وقلَّ من يتجاوز الثمانين من عمره، فمتوسط الأعمار في زماننا هو سبعون سنة ، فمدة القرن لأبناء الجيل الواحد بين آدم ونوح عليهما السلام هي ألف سنة .
إن المجتمع الأول على الكرة الأرضية ما بين آدم ونوح عليهما السلام كان مجرد مجتمع فرديٌّ تكوَّن من نبي الله آدم وزوجته حواء، ومنهما انبثقت أسرةٌ، فعشيرةٌ، فجماعة بشرية أخذت من التطور وتلقِّ التعليم حتى وصلت إلى تعلُّم القراءة والكتابة والخياطة والطب ، أي المبادئ الأساسية لتعلُّم الفرد أسلوب تطور حياته وخاصته، لو علمنا بأنَّ أوَّل من عرف مهنة النجارة، ومن ثمَّ صناعة السفن كان نبي ُّ الله نوح
أي أنَّ أية حضارة بشرية كانت موجودة قبل الطوفان لم تكن تعلم أي شيء عن أعمال بناء السفن، فالنشاط البشري حتى هذه المرحلة لم يكن نشاطاً بشرياً لمجتمعات منفصلة ، بل هو نشاط بشري لجماعة بشرية واحدة وهي ذرية نبي الله آدم فيما قبل الطوفان
وتلقت العلم في بداية تكوينها من أبيها آدم لكي تستطيع به مواجهة صعوبات الحياة على الأرض، والذي طوَّره أبناؤه من بعده
وبناء على ما سبق :
فإن الغالب وفق الروايات والاستدلالات التي سقناها، فإن البشر الذي عاشوا إلى ما قبل نوح عليه السلام، والذي عاشوا في فترة تقدر تخمينياً بعشرة قرون، كانوا شعباً واحداً، وكانوا مؤمنين موحدين على الفطرة السليمة ، فهم أمة واحدة موحِدة
مبدأ الثواب والعقاب
مع بدأ عهد البشرية الأولى أرسل الله عزَّ وجلْ لكل أمة نبيٌ أو رسولٍ منهم من أجل هدايتهم وإرشادهم وتعليمهم شؤون حياتهم ، فمنهم من أتبع الهدى وطريق الصلاح فكان له الثواب ونال رضى الله وبركاته ، ومنهم من كفر وأشرك واتبع طريق الضلال ، فكان عاقبته غضب الله وسخطه ، والله عزَّ وجلْ كرَّم الإنسان عن باقي كائناته ووهبه العقل والتفكير ، من أجل أن يُميز بين الخير والشر ، قال تعالى في سورة البلد – الآية 10 : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }وقال أيضاً في سورة الإنسان – الآية 3 :{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } أي عليك الإختيار إما طريق الصلاح والهدى لتنال رضى الله والوصول إلى الجنة ، أو طريق الكفر والضلال ومصيرك جهنم ، وفي هذا التشريع الذي وضعه الله في الآيتين الكريمتين لبيان الخير والشر ، فعلى الإنسان أن يُميز بين الخير والشر ، فمن ضل من تلك الأمم والتي كذبت الرسل الهلاك والدمار، لأنها لم تستجب لدعوة أنبيائهم ورسلهم بعبادة الله الواحد الأحد، وترك الظلم والذنوب والمعاصي التي كانوا يفعلونها، فكانت العقوبات التي عاقبهم الله عز وجل بها على أشكال مختلفة وكل حسب ذنبه، قال تعالى في سورة العنكبوت – الآية 40 : { فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبَهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، والله كان رحيماً في كل ما على وجه الأرض من كائناته من بشرٍ أو حيوان أو غير ذلك فرحمته وسعت كل شيء ، قال تعالى في سورة الأعراف – الأية 156 : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }فمن هنا أود القول أن مبدأ الثواب والعقاب له ثلاثة أوجه من الرحمة أو العذاب وهي : خاص وجزئي وكُلي أي عام .
في الحالة الأولى الخاصة : هي حالة فردية تخص شخصٍ بذاته بقيامه بعمل خير يجزى عليه ، أو عمل شر ٍّ يُعاقب عليه وينال غضب الله ، قال تعالى في سورة المدثر – الآية 38 : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } وأيضاً في سورة البقرة – الآية 286 : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } وقال أيضاً في سورة فاطر - الآية 18 : {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وهكذا ففي هذه الآيات الكريمة توضح المسؤولية العقابية من ثواب أو عاقب على الفاعل نفسه ، فهو يتحمل مسؤولية فعله دون غيره ، كأن يكون فرداً من أفرادِ أسرة معينة فنصحوه وحاولوا أن يوجهوه إلى طريق الصلاح ولم يرتدع فالعاقبة تقع على نفسه .
ومبدأ العدل الإلهي الذي أقره الله عزَّ وجلْ في كل الشرائع السماوية كاملة أن الأصل في الحساب والعقاب يوم القيامة ، أن لا يحمل الإنسان تبعات غيره .
أما في الحالة الجزئية وهي أن يكون شخصاً إرتكب ذنباً من قتلٍ أو سرقة أو أي جُرمٍ آخر ، وقد ساعده أو حرضه شخصٌ آخر على ذلك فالعاقبة تقع على الطرفين ، قال تعالى في سورة النحل – الآية 25 : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } وفي سورة العنكبوت – الآية 13 : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وتوضح هاتين الآيتين أن العقاب يشمل المُذنب والمحرض على ارتكاب الفعل دون غيرهم .
أما الحالة الثالثة : الشمولية أو العمومية وهي خصوص الذنب وعموم العقاب ، والمقصود هنا أن ترى شخصاً يقترف ذنبا ويتعدى تأثير ذنبه على المجتمع ، وإذا لم يقم المجتمع بالتحرك لحفظ أمنه من هذا الذنب وردع الشخص المقترف لهذا الذنب ، فهنا يتحمل المجتمع ككل عقوبة التقصير ، والتغاضي عن أعماله ، ومثالٌ على ذلك أن شخصٌ في منطقة ما قام بارتكاب فعل السرقة وأخبر الناس والده وأسرته ولم يردعوه أوينصحوه ليبتعد عن ذلك فهم شركاء معه في الجرم ، وفي نفس الوقت إذا تغاضى الناس عن أفعاله وقصروا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم شركاء في الذنب ، ويكون ذلك مدعاة لعموم العقاب ونزول العذاب ، قال تعالى في سورة الأنفال – الاية 25 : { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وأيضاً قال تعالى في سورة الإسراء – الاية 16 : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } فهاتان الآيتان تدلان على أن العقاب يعمُّ الناس جميعاً، مع أن الذنب والمعصية لم يكن منهم جميعاً، بل كان من فئة خاصة ومحددة، فئة الظالمين في الآية الأولى ، وفئة المترفين في الآية الثانية ، فالعقاب يلحق بمن ليس له يد في فعله أو ارتكابه ، وقد قال القرطبي : ( إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ، فإذا سكت عليه فكلهم عاص - هذا بفعله وهذا برضاه - وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضيَ بمنـزلة العامل ) ، وفي مسند الإمام أحمد عن عُدي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه ، فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك ، عذَّب الله الخاصة والعامة ) ، ولكن يكون العقاب أو العذاب بحدود المكان الذي وقعت فيه المعصية .
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
4/12/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...