ظهيرة تاريخية
بقلم: ماهر اللطيف
السوق الأسبوعي للمدينة مكتظّ بالزوار من كلّ الأجناس والألوان؛ عرب وأجانب، رجال ونساء، صغار وكبار. الباعة يصيحون بأعلى أصواتهم، يلوّحون ببضائعهم وسلعهم ويعلنون أثمانهم التي — حسب زعمهم — لا تقبل المنافسة.
أعوان الشرطة يراقبون هذا الفضاء الفسيح من كل جانب لتأمين الجميع، فيما ينتشر السراق والمتحايلون والمجرمون، يترصّدون الفرص للانقضاض على فرائسهم. ضوضاء وفوضى وصياح من كل صوب، حركة لا تهدأ ولا تنقطع إلا بانتهاء السوق ظهراً.
العمّ سالم واحد من أولئك العارضين المنتشرين على امتداد أكثر من كيلومترين. يقبع قرب المدخل الرئيسي، يبيع ملابس مستوردة مستعملة بأثمان بخسة للفقراء والمحتاجين. يعرفه الجميع بدثامة أخلاقه وحسن تعامله مع الحرفاء. شيخ في عقده الثامن، مقوّس الظهر، بالي الملبس والمظهر، قصير القامة، بشوش الوجه، لا يفتر لسانه عن الذكر والتسبيح في كل الأوقات.
اقتربت منه فتاة عشرينية، جميلة، جذّابة، شقراء البشرة، طويلة القامة، يلوح عليها البذخ والثراء. ابتسمت في وجهه وألقَت عليه التحية، ثم شرعت في نبش المعروضات وهي تسمر النظر في عينيه. ترفع القطعة إلى الأعلى، تتأملها، تسأل عن ثمنها، ترفع حاجبيها استغرابًا، ثم تطرحها أرضًا وتدهسها بحذائها عمداً، تتمتم بكلمات مبهمة، تنتقل إلى القطعة الموالية وهكذا دواليك، أمام مرأى ومسمع بعض الحضور وقد انتصف النهار.
لم يُكلّمها العمّ سالم، وبقي يشاهد ما يحدث وهو يذكر الله ويسبّح ويستغفر، منتظرًا نهاية ما تقوم به هذه الحريفة. كان يراقب الحضور وهم ينهونها عما تفعل، يستجدونها أن تتوقف عن أذيته، لكنها لم تكترث بأحد، بل أصرت على إتلاف جميع المعروضات دون شفقة أو رحمة.
ثم التفتت إليه فجأة وقالت بصوت مرتفع:
– سأعاود ذلك كلما وجدتك في أي مكان وزمان.
قال دامع العينين بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
– حسبي الله ونعم الوكيل.
قهقهت بسخرية وهي تصيح:
– سأجعلك تتمنى الموت ولن تدركها، أيها العجوز النتن.
قال باكياً:
– أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
فأشارت إلى الحضور وهي تستعد للمغادرة قائلةً بنبرة حادة:
– هذا العجوز لئيم، حقود، متحايل، متزمت، رجعي...
بقي العمّ سالم مَسمَرًا في مكانه، الدموع تنهمر من عينيه، جسده يرتعد، يكاد يُغمى عليه. التفّ الناس حوله، يجمعون بضاعته، يعيدونها إلى مكانها، يضع بعضهم أمامه نقودًا كتعويض عمّا خسر، يحوقل بعضهم، يذكرون الله، يلعنون الفتاة وما اقترفت، ويتتبعونها بنظراتهم حتى غابت عن الأنظار.
في تلك اللحظة، كان العمّ سالم يستنجد بكتاب حياته ويتصفح أوراقه القديمة...
زواجه مرتين وطلاقه السريع بعدما تبين أن زوجتيه عقيمتان، ثم عزوفه عن الزواج فترة طويلة، فتعرفه إلى "عبير" وزواجه منها، ثم ولادة ابنته فاطمة الزهراء منذ عشرين عامًا. كانت وحيدته بعد أن ماتت أمها في المخاض، فكان لها الأب والأم، الأخ والأخت. راقب زهور طفولتها وهي تتفتح يومًا بعد يوم، إلى أن التحقت بمقاعد الدراسة وتفوّقت في مرحلتيها الابتدائية والإعدادية، بينما هو يعمل ليلًا ونهارًا في التجارة متنقّلًا بين الأسواق لتوفير ما يؤمّن لها حياةً مريحة ويعوّضها فقدان أمّها.
لكن السنوات حين تقدّمت، بدأت البنت تتمرّد وتثور مثل قريناتها، ترفض واقعها، تحاول خلق آخر لا يقوى والدها على مجاراته. تعرفت إلى صديقات وأصدقاء من طبقات مختلفة، لكنها تعلّقت بالأثرياء وحاولت تقليدهم في لباسهم ومظاهرهم، فكان الثمن باهظًا.
استغلّها أصحاب السوء، كلّفوها ببيع المخدرات داخل المعهد والأقراص المهلوسة، وأغروها بالأموال والعطور والملابس الفاخرة مقابل مرافقتهم في سهراتهم ومجونهم، بينما كان والدها يطوف الأسواق سعيًا وراء الرزق.
فانزلقت في عالم الرذيلة من أوسع أبوابه، وباعت جسدها وشرفها وكرامتها مقابل المال والمظاهر الزائفة.
كُشف أمرها داخل المعهد، ففُصلت وأُعلمت السلطات المختصة. استُدعي العم سالم، فصُعق مما سمع. وهن جسده وأحاطت به الأمراض، وبدأ التحقيق معه ومعها. أُدخلت السجن إثر مداهمة منزلها ليلاً، حيث ضُبطت في مواضع مشينة مع كهول تبادلوا عليها مقابل حفنة من المال.
حاول التواصل معها، استعطفها، توسل إليها، بكى، قبّل قدميها، احتضنها، لكنها أصرّت على العناد وأعلمته بأنها اختارت طريقها — طريق الثروة والمجد الزائف.
ورغم ذلك، كان يزورها في سجنها، يزوّدها بما تحتاجه، لكنها كانت ترفض رؤيته حتى في أشدّ حالات الحاجة.
بعد الإفراج عنها حاول أن يعيدها إلى أحضانه ويقلّل من غيابه عن البيت، لكنها استهزأت به وقالت بسخرية جارحة:
"اتخذت قرارك متأخرًا يا أبي... دمرت حياتي بعدم اهتمامك بي حين كنت في أمسّ الحاجة إليك. خسرتُ كلّ شيء، لم أعرف حضنًا دافئًا، لم أقل يومًا أمي. حتى أنت كنت غائبًا... ميتًا مثلها وأنا على قيد الحياة."
حاول مرة واثنتين وثلاثًا دون جدوى، فتبرأ منها، ثم عاد يتتبع خطاها وأبلغ عنها وعن نشاطها. سُجنت مرارًا، واشتدّ حقدها عليه حتى صار عدوّها الأكبر.
وها هو اليوم يتصارع مع ذلّته، يغوص في أسئلة موجعة:
هل كان بالإمكان أن يتصرف بطريقة أخرى تحفظ ابنته من الضياع؟
هل قصّر في تربيتها وحمايتها من نفسها ومن ذئاب البشر؟
هل كانت مراهنته على المال والتجارة بدل الخلق والإيمان سبب مأساته؟
وهل ما يعيشه اليوم إلا جزاءً عادلاً لِمَن أدارت له الدنيا ظهرها على كل الأصعدة؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق