‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة ،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة ،. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، يوليو 22، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( أقراص )) بقلم الكاتب عبد الفتاح الطياري / تونس


******
أقراص
​مع كل فجر، ينهض العم منصور مبكراً قاصداً المكان السليم المسالم الوحيد: المسجد. وهو يشق الشوارع القاتمة، تعترضه عيون القطط اللامعة في الظلام. ضحك في نفسه من تلك القطط السارحة، لكن ما لبثت هلوسته الناتجة عن قصر البصر أن صورت له أن قطاً آدمي الشكل ينادي بصوت استغاثة:
«قطرة ماء يا أبي...»
​هرول سريعاً نحو مصدر الصوت، ليقف وجهاً لوجه مع شلة من الشباب ساقطين على الأرض يطلبون النجدة، بعد ليلة ضياع بين الكحول والأقراص المهلوسة. تحول العم منصور في لحظتها من مصلٍّ ذاهب إلى بيوت الله، إلى سيارة إسعاف بشري؛ ينقل كل فتى إلى بيته، ومعه ابنه.. وكأن الشارع قد أصبح مرآة واسعة لغيبوبة جماعية.
ادرك حينئذ، ​زحف العاصفة على القرية...
​لم تعد القرية تلك الواحة الهادئة التي تكتفي برائحة التراب المبلل والزعتر؛ لقد زحفت إليها أطراف المدينة بثقلها، ومعها غزت "الحرابش" (الأقراص المهلوسة) عقول الشباب، فصاروا طيوراً بلا أجنحة، تائهين بين هلوسة الدين المغلوط وهلوسة المجتمع المتصدع.
​في هذا المخاض العسير، عاش منصور وزوجته فاطمة. لم تكن معاناتهما مجرد قلق عابر، بل كانت صراعا وجودياً مراً. كانا يدركان تمام الإدراك أن آفة المخدرات ليست مجرد نقمة شخصية تدمر الجسد والنفس فحسب، بل هي سرطان وطني ينخر في أساسات البلاد، ووباءً ممنهجاً يطال القرية والمدينة على حد سواء.
​حين حاول الأبوان البحث عن خيوط النجاة لابنهما "ياسين"، الذي تحول تدريجياً من شاب طموح إلى هيكل بشري تائه تغيب عنه الوعي، اصطدما بجدار صلب من المصالح. كانت المهمة أشبه بالمستحيل في ظل جدران من حديد.
​شبكات العنكبوت: المستثمرون في بؤس الشباب وبائعو السموم كثر، يحتمون بشبكات معقدة من النفوذ والمال، ويصعب ضبطهم متلبسين.
​دوامة العدالة المشوهة: وحين كان بصيص أمل يلوح في الأفق باللجوء إلى القانون، كانت الرشوة والتلاعب تقفان بالمرصاد. انتهاك الحقوق وبيع الذمم جعل العدالة تبدو أحياناً كبوابة خلفية لتوريط الضحايا بدلاً من إنقاذهم.
​تساءل العم منصور بمرارة ذات ليلة، والدموع تحرق وجه العجوز:
​«هل نحن نحارب طواحين هواء يا فاطمة؟ الجميع يبيع وينتفع من دماء هؤلاء الشباب، من البائع الصغير إلى الحوت الكبير، وكأن البلاد قد رضيت بأن تكون مقبرة جماعية لأبنائها.»
​أمام هذا المشهد القاتم، أدرك الأبوان الحقيقة المرة: لا تستطيع شجرة واحدة أن تعيد الغابة المحترقة إلى الحياة، ولا يمكنهما إصلاح مجتمع بأكمله غرق في غيبوبة المادة.
​في تلك اللحظة الحاسمة، اتخذا قراراً صعباً وقاسياً؛ التخلي عن فكرة إنقاذ الجميع، والتركيز على قطعة الكبد الوحيدة التي تجمعهما. قررا انتزاع "ياسين" من مخالب الأقراص المهلوسة، ومن مافيا الشوارع، ومن شبكة العدالة المخترقة بالرشوة.
​بدأت المعركة الحقيقية داخل جدران البيت:
​العزل القسري: رغم مشقاته، حوّلا غرفة ياسين إلى حصن منعزل، وتحملا جنونه، ونوبات صرعه العصبي، وكلماته الهوجاء التي كانت تطعن قلبيهما كل يوم.
​الصبر والدموع: وقفت أمه فاطمة درعاً بشرياً أمام انتكاساته، تداويه بالدعاء والرعاية، وتحملت نظرات الشماتة من الجيران الذين رأوا في صنيعهم عبثاً لا أمل فيه.
​لم يكن ياسين يدرك في بدايات معركته أنه مستهدف؛ كان يصرخ طالباً "الحربشة" وكأنها هواء التنفس، لكن إصرار الأبوين الصلب كان أقوى من تأثير السموم في دمه.
​بعد أشهر طوال من المعاناة، بدأ ضوء خافت يعود إلى عيني ياسين. استعاد شيئاً من ملامحه القديمة، وابتسم لأمه ابتسامة صادقة لأول مرة منذ سنوات.
​لكن انتصار العم منصور وفاطمة كان انتصاراً ناقصاً وموجعاً. فعلى عتبة بابهما، كانت القرية لا تزال تعج بالشباب التائهين، وكانت شبكات ترويج "الحرابش" تواصل نشاطها في الظل والعلن، محمولة على صفقات الرشوة والتغاضي.
​نظرت فاطمة إلى ابنها الناجي، ثم إلى أفق القرية الغارق في الدخان والضياع، وهمست لزوجها بقلب مثقل:
​«لقد أنقذنا ابننا من النار يا منصور... لكن من سُينقذ بقية أولاد هذا الوطن من الرماد؟»
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

الاثنين، يوليو 13، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الغرق في مياه دافئة )) بقلم الكاتب عبدالفتاح الطياري /تونس


********************
الغرق في مياه دافئة
​طوال حياته، كان "أمين" يعيش وفق جدول صارم لا مكان فيه للمفاجآت. رجل أربعيني، أمضى سنواته في بناء عمله كمهندس برمجيات، معزولاً في مكتبه وبين أكواده، يرى العلاقات الإنسانية مجرد "معادلات" يمكن التحكم في نتائجها. كان يعيش في تلك العزلة الباردة التي اختارها لنفسه، ظاناً أنها تحميه.
​ثم ظهرت "مريم" في حياته كمشرفة على مشروع جديد في الشركة.
لم تكن مريم خارقة الجمال، لكنها كانت تملك حيوية غريبة، عفوية في الضحك، ودافئة في تعاملها مع الجميع. بالنسبة لأمين، كان هذا الحب "بلا تفسير ولا تبرير". حاول عقله والمنطق الذي يقدسه أن يجد سبباً لعدم التفكير بها: فهي تصغره سناً، وتختلف عنه في كل شيء. لكن، كلما حاول الابتعاد منطقياً، ازداد في داخله صدق الانجذاب نحوها. شعر بنوع من الجنون اللذيذ والمخيف يسكنه؛ جنون يلتهم حصانته العقلانية التي بناها عبر السنين.
​مثل رجل قادم من صقيع العزلة، استسلم أمين فجأة لهذا الدفء. بدأ يتسلل إلى حياتها بتفاصيل صغيرة؛ يشاركها فنجان قهوة الصباح، يستمع لأدق تفاصيل يومها، ويغمرها باهتمام لم يظن يوماً أنه يملكه. كانت مريم عارية من الحيل، واضحة ومستعدة لتقبله، فتعلق بها بكل جوارحه، وامتص من بهجتها ما أعاده إلى الحياة مجدداً. لشهور، عاش أمين حقيقة أنه وُلد من جديد، وكأن وثاقاً سحرياً يربطه بها.
​لكن، الخوف القديم لا يموت بسهولة.
مع تعمق العلاقة، واقتراب خطوة الارتباط الحقيقي، بدأت تطفو على السطح ذكريات عزلته السابقة، وخوفه المرضي من الالتزام وفقدان السيطرة على حياته المرتبة. شعر أمين فجأة بأنه غريب عن هذا الشاطئ الدافئ، وأن طبيعته الحقيقية هي تلك "المياه الداكنة الباردة" التي جاء منها.
​بلا مقدمات واضحة، ومع أول خلاف عابر، اتخذ أمين قراراً لا يقل جنوناً عن حبه، الانسحاب.
أنهى مشروعه في الشركة، وطلب نقلاً لفرع آخر، وقطع تواصله ببطء شديد وببرود غريب. نفث في لقائه الأخير كلمات وداع مبهمة تركت مريم في حيرة وتساؤل، ورحل عائداً إلى عزلته الاختيارية.. إلى مياهه الباردة، تاركاً خلفه قلباً كان قد بدأ يتعلم كيف ينبض.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

الأربعاء، يوليو 08، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس 168 "حاضر سيدي ")) للكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا


**********
حاضر سيدي
حين كان مساعد الكتيبة "أبو فتحي" يوزع المهام اليومية على بعض عناصر الكتيبة، أشار إلى المساعد فيصل ليكون مساعد الإطعام
غير أن المساعد فيصل اعترض على ذلك بقوله قد كنت قبل يومين بهذه المهمة، فنظر إليه المساعد أبو فتحي بعيني صقر وقال له "اسمع يا مساعد فيصل: في هذه الكتيبة لا يوجد رأس كبير ونحن على استعداد لكسر أكبر رأس، وما عليك سوى تنفيذ ما آمرك به"
أذعن فيصل لتعليمات أبو فتحي وقال له "حاضر سيدي"
وإذن أنا الآن في طريقي لمقابلة المساعد أبو فتحي أطلب منه شطب اسمي من عداد الغائبين وإثبات حضوري
طبعا كانت بعض مواقف المساعد أبو فتحي حاضرة في ذهني وأنا في الطريق إليه وهذا ما جعلني قلقا متوترا
ربما كنت أنا من القلائل الذين لا يحسنون دفع الرشاوى التي يمتنع بها تحقيق وتنفيذ القانون، ولعل مرجع ذلك أنني نشأت بين جنبات الجوامع والمساجد وفيها تلقيت تعليمات صارمة بهذا الخصوص، لكن غيري كان بمقدوره أن يسير لمقابلة "أبو فتحي" ببرود و استخفاف ودونما اهتمام منه بأمر الآخرة والموقف العصيب فيها
براكية أبو فتحي تقع مباشرة خلف مبنى القيادة، وهي عبارة عن عربة مبيت، حشر داخلها منضدة خشبية وكرسي خيزران يجلس عليه الرجل المترهل "أبو فتحي" يدير من خلالها الشؤون الإدارية للكتيبة
وأنت تقرأ تضاريس وجه "أبو فتحي" تجد فيها ملامح شدة وصرامة، فحاجباه الملتصقان ببعضهما، والعيون الخضر ترسل في كل لحظة ألف تهديد ووعيد، وتلك البشرة التي تميل إلى احمرار كل ذلك جعل من أبي فتحي شخصية مخيفة، وتحديدا لمن نشأ في بيئة تخشى مخالفة القانون أو العبث به ثم تراها لا تحسن السير في الطرق الملتوية لأن أمرها مبرمج وفق حسابات الآخرة، وما عدا ذلك فإن المال يخلق الابتسامة في أشد الوجوه صرامة
- وكتب : يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس168

الأحد، يونيو 28، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( عندما يتوقف الزمن )) بقلم الكاتب عبد الفتّاح الطيّاري /تونس




عندما يتوقف الزمن
​في قرية "تركي" الوادعة، حيث تتداخل أصوات السواقي مع حفيف أشجار الزيتون، لم يكن "عم مصطفى" مجرد طاهٍ بسيط، بل كان نبض القرية الخفي. في أفراحنا، كانت رائحة أطباقه تعلن بدء البهجة، وفي أحزاننا، كان حضوره الصامت -حاملاً صواني الطعام للمواساة- جزءاً من طقوسنا التي لا تكتمل إلا بوجوده.
​عاش مصطفى حياةً متواضعة، لكن جسده كان يحمل سراً تقنياً؛ فقد زُرع له جهاز "بطارية قلب" (Pacemaker) منذ سنوات، ليضبط إيقاع حياته الذي بدأ يختل مع تقدمه في العمر. كانت "روضة"، شابة ذكية عملت كمساعدة له لسنوات، هي الوحيدة التي تعرف سره. لم يعلمها مصطفى الطبخ فحسب، بل أورثها "فلسفة المواساة"؛ كان يهمس لها دائماً: "يا ابنتي، الطبخ نبض؛ إذا توقف النبض ماتت المائدة، وإذا ماتت المائدة تاهت القرية".
​قبل رحيله بشهور، حين أخذ التعب ينهش جسده، كان يراقب روضة وهي تقود مطبخ القرية ببراعة. كان يعلم أنها الوريثة الحقيقية، ليس فقط للوصفات، بل للمسؤولية الأخلاقية تجاه أهل "تركي".
​وفي صبيحة يوم رمادي، توقف قلب مصطفى عن الخفقان. ساد الحزن القرية، وسارع الأهل لاستدعاء الطبيب، لا ليحيوه، بل ليوثقوا رحيله بشهادة دفن. وصل الطبيب، وحين وضع سماعته على صدر مصطفى، تجمد في مكانه. لم يكن الصمت هو ما سمعه، بل كانت هناك "رعشة" خفيفة، دقات غير منتظمة لكنها قائمة، نبضٌ ميكانيكي يرفض الانصياع لقوانين الفناء.
​سحب الطبيب سماعته، مسح عرقاً بارداً عن جبينه، ونظر إلى الأهل بارتياب: "هذا الرجل.. قلبه لا يزال يحاول التنفس!". تقدم ابن مصطفى بهدوء: "يا دكتور، إنه لا يحيى، بل هي بطارية قلبه؛ جهاز صغير لا يزال يعمل، يضخ طاقة في جسدٍ قد غادرته الروح".
​احتدم النقاش. رفض الطبيب بعناد مهني منح شهادة وفاة لرجل ينبض قلبه، بينما تعنت الأهل: "هل نتركه حتى تنفد البطارية ويتعفن؟ أتريد منا أن نحوله إلى فرجة؟". أمام ضغط الواقع وقسوة الموقف، وضع الطبيب قلمه على الورق، وبيدٍ مرتجفة كتب: "وفاة طبيعية"، تاركاً القرية تودع طاهيها إلى مثواه الأخير، بينما كانت بطارية قلبه في الداخل تواصل الخفقان، وكأنها ترفض الاعتراف بأن صاحبها قد غادر المائدة إلى الأبد.
​في غسق اليوم التالي، كانت القرية قد عادت إلى هدوئها المعتاد، بعد أن ووري "عم مصطفى" الثرى. في تلك الليلة، مرّ ابن مصطفى بجانب القبر، فتوقف فجأة. انحنى بإذنه ليقترب من الثرى، فسمع صوتاً خافتاً، إيقاعاً معدنياً رتيباً: "تك.. تك.. تك..".
​لم يكن الصوت صادراً من الصدر، بل كان ينبعث من أعماق الأرض، ممتداً ليشمل ساحات القرية بأكملها. وفي تلك اللحظة، حدث ما لا يُصدق؛ كل أجهزة التوقيت في القرية -ساعات اليد، ساعات الحائط، حتى ساعة المئذنة- توقفت في لحظة واحدة. وكأن بطارية مصطفى لم تكن تُشغل قلبه فحسب، بل كانت هي "الميقاتي" الذي يضبط زمن القرية.
​في تلك الأثناء، كانت روضة في مطبخها. حين توقفت ساعات القرية، لم تشعر بالذعر، بل أحست برعشة غريبة في كفيها. وضعت يدها على مقلاتها، لتسمع دقاتٍ خافتة تتناغم مع دقات قلبها هي. لقد انتقل "الإيقاع".
​تجاوزت روضة حالة السكون التي خيمت على "تركي"؛ فقد أصبحت هي المنظم الجديد للزمن. الطعام الذي تقدمه صار يعيد للناس شعورهم بمرور الوقت؛ بمجرد أن يتذوق أحدهم لقمة من يدها، تبدأ ساعته الشخصية بالدوران من جديد.
​لكن روضة أدركت الحقيقة المرة: في كل مرة تطهو فيها، كانت تشعر بأنها تفقد جزءاً من نبضها الخاص لصالح هذا النبض المعدني المتوارث. وفي أعماق القبر، كانت دقات البطارية تتسارع، ليس كجهاز منظم، بل كجهاز "استدعاء".
​أدركت روضة أن "إرث" مصطفى لم يكن وصفات طعام، بل كان حمل "البطارية الكونية". وبينما كانت تطهو للقرية في أفراحها وأحزانها، كانت تدرك في قرارة نفسها أن اليوم الذي ستتوقف فيه هي عن الطبخ، سيكون هو اليوم الذي سيتوقف فيه قلب القرية تماماً، ولن يبقى فيها سوى الصمت، والصوت الخافت القادم من تحت الثرى: "تك.. تك.. تك..".
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

السبت، يونيو 27، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( بائع العنب ...!!! )) بقلم الشاعر زياد أبو صالح / فلسطين


**************
بائعُ العِنَب ...!!!
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في القرية الممتدة بين التلال وكروم العنب، عاش "فالح" حياةً بسيطةً في بداياتها. كان فتىً قويَّ البنية، خشنَ الكفين، يرافق والده منذ طفولته إلى الحقول، حيث تتدلّى عناقيد العنب الثقيلة تحت شمس الصيف، وتفوح رائحة التراب المبلل بندى الفجر.
لكنّ "فالح" لم يُكمل دراسته. ترك المدرسة في المرحلة الإعدادية، ومضى يرعى الأغنام مع والده الذي امتلك عشرات الدونمات المزروعة بالكروم المثمرة. ومع مرور السنوات، تعلّم قيادة المركبات، فدعمه والده واشترى له شاحنةً كبيرة، ليتحوّل الفتى الريفي إلى ناقلٍ معروفٍ للعنب بين القرى والمدن.
أخذ شقيقه الأصغر مكانه في رعي الأغنام، بينما انشغل "فالح" بجمع المحاصيل ونقلها. ولم يلبث أن وجد باباً واسعاً للربح؛ فقد صار ينقل عنب المزارعين إلى الخمّارة، وهناك كانت الأموال تتدفّق إليه بسرعةٍ لم يعهدها من قبل.
كان الناس ينصحونه كثيراً. يقولون له: "اتّقِ الله يا فالح... هذا رزقٌ تختلط فيه الشبهة بالحرام." لكنه كان يهزّ كتفيه باستخفاف، ويردّ بثقةٍ متعالية: "أنا لا أصنع الخمر... أنا مجرد ناقل."
ومع ازدياد المال، اتسعت أحلامه. اشترى قطعة أرض واسعة، أحاطها بالسلاسل الحجرية، وغرس فيها أشجار العنب. ثم تزوج، ورُزق أولادٌ وبنات، وظنّ أنّ الدنيا قد فتحت له أبوابها كلها. وكان كل موسم عنب يمرّ عليه، يحمل معه المزيد من المال...
والمزيد من الغفلة.
وفي صباحٍ ثقيلٍ كئيب، تغيّر كل شيء. أصيب ابنه الأصغر بمرضٍ غامض. كان فتىً جميلاً؛ أشقر الشعر، واسع العينين، أبيض الوجه، طويل القامة، كأنّه غصنٌ غضٌّ من شجرة حياةٍ يانعة. لكنّ المرض بدأ ينهش جسده بصمت.
تنقّل "فالح" بابنه بين الأطباء، حتى جاءت الصدمة القاسية: السرطان... شعر يومها كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
سافر إلى الأردن، وأدخل ابنه إلى مركز علاج السرطان. استأجر شقةً صغيرة قريبة من المركز، ليبقى هو وزوجته إلى جانب ولدهما المريض. وهناك بدأت رحلة العذاب الطويلة. كانت أيامه تتحوّل إلى ممرات مستشفيات، وروائح أدوية، ووجوه شاحبة تنتظر المجهول. وكلما سمع عن معالجٍ بالأعشاب، هرع إليه كالغريق المتعلّق بقشة. مرةً في شمال العاصمة، ومرةً في جنوب الأردن، وأخرى في مدينة بعيدة.
كان يستقل سيارات الأجرة، ويدفع المال بلا حساب، ويعود محمّلاً بأكياس الأعشاب والوصفات والخيبات. لكنّ المرض كان أسرع من كل شيء. عامٌ ونصف وهو يتنقّل بابنه بين الأردن وفلسطين، بينما جسد الفتى يذبل يوماً بعد يوم.
تساقط شعرُه الذهبي ، وتقرّحت شفتاه ، وتحول وجهه من بياض النقاء إلى هيكلٍ عظمي ، وغارت عيناه، حتى صار هيكلاً عظمياً يتحرّك بصعوبة.
أما "فالح"، فقد بدأت الدنيا تضيق عليه. باع شاحنته. ثم باع قطعة الأرض التي اشتراها من مال توريد العنب إلى الخمّارة، بعدما تراكمت عليه الديون، واستنزفت الرحلات والعلاجات كل ما يملك.
وفي الزيارة الأخيرة إلى الأردن، جلس الأطباء أمامه بصمتٍ ثقيل، ثم قالوا له برفق: "خذ ابنك إلى البيت... دعه يعيش ما تبقّى له بين إخوته." عاد إلى فلسطين منكسر القلب، يحمل ابنه كما يحمل الإنسان آخر ما تبقّى من روحه.
ولم تمضِ إلا أيام قليلة، حتى ارتفع صوت البكاء في البيت معلناً وفاة الفتى. تحوّل المنزل بعده إلى مأتمٍ دائم. أمّه فقدت عقلها من شدّة الحزن، وإخوته وأخواته صاروا يبحثون عن صوته في زوايا البيت.
أما "فالح"، فقد جلس وحيداً أمام الحقيقة التي ظلّ يهرب منها سنوات طويلة. أيقن أخيراً أنّ الله ابتلاه في أعزّ ما يملك، ليوقظه من غفلته، وليجعله يراجع عمره كلّه. تذكّر نصائح الناس التي سخر منها، وتذكّر المال الذي جمعه، وكيف تبخّر أمام سرير المرض.
صار يذهب إلى قبر ابنه كل يوم، يبكي حتى يجّف دمعُه ، وينثر التراب على رأسه، ويمزّق ثيابه ندماً وحسرة. ولم يلبث الحزن أن أكل جسده هو الآخر. انحنى ظهره ، وضعف بصره ، وأصبح يتمايل في الطرقات كأنّه سكران، وما ذاق الخمر يوماً. ظل هكذا يعيد في رأسه شريط الحساب : الدونمات ، الخمرة ، الذهب ، الابن ، القبر ، كان يمشي مثقلاً بالندم، يحمل فوق كتفيه عمره كلّه.
وبقي على تلك الحال، حتى جاءه الموت، فرحل بصمتٍ موجع، بعدما تعلّم متأخراً أن المال الذي لا بركة فيه، قد يشتري لصاحبه الدنيا زمناً... لكنه يعجز عن شراء لحظة عافية، أو دفع دمعةٍ واحدة عن عين أمٍّ مكلومة.

الجمعة، يونيو 26، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية(( حارس الجوز)) بقلم الأديب عبد الفتاح الطياري/تونس

 حارس الجوز

من حماية الظل إلى خيانة الجذور

كان "سالم" رجلاً يُتقن لغة الصمت أكثر من كلام البشر. رجلٌ غامض، يبدو كأنه خُلق من طين هذه الأرض وجذوعها. ولأنه يفرّ من ضوضاء العالم، اختار مهنةً تشبهه: حارس الغابة.

استقر وحيداً في كوخٍ خشبيّ صغير، بناه بيمناه في قلب غابةٍ شاسعة من أشجار الجوز المعمرة. كانت مهمته واضحة ومقدسة: حماية هذه الكائنات الخضراء الشامخة من المفترسين، والعابثين، وفوق كل شيء... من فؤوس الحطابين التي لا ترحم.

تمر الأيام متشابهة، يلفّها سكون مطبق. لكن العزلة، مهما كانت أليفة، بدأت تأكل من أطراف روحه. شعر سالم بوحدة قاتلة، وبحاجة إلى غاية أسمى تبرر وجوده المنفرد. من رحم هذا التناقض، وبسرية تامة، أسس سالم تنظيماً خفياً سماه: "أخوية الحطابين الأحرار".

لم يكن هدفهم تدمير الغابة، بل كانت لديهم غاية نبيلة تدغدغ ضمائرهم: "نجمع أشجار الجوز التي ماتت بشكل طبيعي، نقطعها، ونبيع خشبها الثمين في الخفاء. والمال؟ ليس لجيوبنا، بل لتأسيس دار نشر مستقلة تطبع وتنشر كتب الأدباء والمفكرين السجناء في دول الديكتاتورية".

كانت معادلة ساحرة في رأس سالم. تحويل حطب الأشجار الميتة إلى أوراق حية تحمل أنفاس الحرية لمن سُلبت حريتهم خلف القضبان.

نجح المشروع، وكبرت دار النشر، وبدأت كتب السجناء تخرج إلى النور حاملةً رائحة خشب الجوز. لكن، ومع اتساع الطموح وزيادة الطلب على الدعم المالي، بدأت الأخشاب الميتة تشحّ.

هنا، انزلق سالم وأخويته إلى المنحدر المظلم. بدأوا، بدافع الحاجة وتحت مبرر "الغاية تبرر الوسيلة"، بمدّ فؤوسهم إلى الأشجار الحية. في البداية، كانت شجرة واحدة مريضة، ثم شابة، ثم تحول الأمر إلى مجزرة صامتة لأشجارٍ كان سالم يوماً حارسها الأمين. تحول الحامي إلى قناص، والملجأ إلى مقبرة.

في إحدى الليالي، وبينما كانت الفؤوس تهوي على جذعٍ حيّ يئن، لم يحتمل أصغر أعضاء الأخوية سناً هذا المشهد. شعر الفتى بأنهم يغتالون الرئة التي تنفسوا منها النبل. وبدافعٍ من وخز الضمير الخالص، توجه إلى السلطات واعترف بكل شيء.

لم تكن المحاكمة عادية. لقد هزّت القضية الرأي العام، وتردد صدى تفاصيلها في كل غابات البلاد. كانت صدمة للجميع: كيف يبيع حارس الغابة أطفالها؟ وكيف يخدم الحرية بقطع شريان الحياة؟

رغم الصدمة، كانت هذه المحاكمة نقطة تحول تاريخية في البلاد. كانت الشرارة التي أطلقت وعياً جديداً؛ حيث بدأت حملات وطنية كبرى لحماية الغابات، وفرض قوانين صارمة، وإطلاق مشاريع ضخمة لغرس أشجار جديدة بديلة للحفاظ على التوازن البيئي واستدامة المهن المرتبطة بالخشب بشكل قانوني وأخلاقي.

أما سالم، فقد عاد إلى صمته، خلف قضبانٍ تشبه تلك التي حاول تحرير الكتاب منها، تاركاً خلفه غابةً بدأت تنبت من جديد، لكن هذه المرة... بحراسة وعي أمة كاملة.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

الثلاثاء، يونيو 23، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس عدد 165 " أوامر تعسفية ")) بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة/حلب.سوريا



أوامر تعسفية
تتقدم الحافلة منطلقة نحو هدفها المنشود مسرعة، أما أنا كراكب لتلك الحافلة فرويدا رويدا أرجع بخاطري نحو الوراء ألملم أوراق اعتمادي، أعيد إصلاح ما فسد منها ثم أضعها بين يدي مستقبلي على تخوف وتضرع ورجاء
الرائد "سلامه" سليل جبل العرب كان قد أمرني بحلق لحيتي مهددا إياي إن لم أحلقها فستكون العاقبة وخيمة
ها أنا ذا حلقت لحيتي ليس تراجعا أمام تهديدات الرائد سلامه بل لأن ذلك أضحى واجبا تقتضيه ضرورات المرحلة
ها قد اقتربت من مفرق تل الكردي، أي بعد قليل سوف أغدو داخل أسوار وحدتي العسكرية تلك الوحدة التي تجرعت فيها مرارة الطائفية ونظرتها المريضة التي تحتاج إلى عمل جراحي، وربما استدعى الأمر البتر
تراها كيف ستكون آراء عناصر المهجع لحظة مشاهدتهم إياي بلا لحية؟ وكيف هي ردة فعل رائد "سلامه" وهو يلاحظ تجردي من اللحية التي كانت تزين وجهي؟! تراه هل سيظن أنه انتصر علي وأطاح بمعتقدي؟ تبسمت في سري وأنا أقول هيهات لمثله أن ينتصر، لكنها الأقدار شاءت أن أسمع كلمة الدكتور عبدالله وهو يوجهني بضرورة حلقها
وثمة سؤال آخر يشغل تفكيري الآن، وهو: هل سأصرح بفقد هويتي العسكرية؟ أم أخفي هذا الأمر؟
ترجلت من الحافلة، ولعل ساعة مسير على الأقدام في أرض جرداء لا ظل فيها ولا ظليل يبعث في النفس كربا وهما، فيما خطواتي لم يزل يرهقها جهد فكري يلازمني، فأنا الآن أسير كالأموات، أردد بصوت مسموع بيتا من الشعر يقول "تعب كلها الحياة وما أعجب إلا من راغب في ازدياد"
تذكرت البون الشاسع بين جندي يعاني شظف العيش في حراسة الوطن، فيما قيادته تعيش في غرف مكيفة وارفة الظلال وتراها "تقرقع المتة"
أذكر أنه حين كنا في اختبارات الرياضة وكان علينا أن نعدو لمسافة ثلاثة كيلو مترات، اقترب أحد عناصر الكتيبة من الرائد سلامه وقال له بأن قدماه لا تساعدانه على الركض، فما كان من الرائد إلا أن سخر منه، وقال له: "أراك تكذب فيما تقول، وعليك أن تركض رغما عنك، وكتيبتي ليست دارا للعجزة"
وحين ذكرت هذا المشهد لأحد أصدقائي قال"حياتنا الجندية في هذا الجيش مثقلة بأوامر تعسفية خلت من أريحية و تفاهمات"
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 165

السبت، يونيو 20، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس عدد 164 .. ذكريات/1977-1981/" دكتور أيمن")) بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا



دكتور أيمن
ذكريات/1977-1981/
حان وقت انطلاقة حافلة السفر التي تقلني إلى مفرق تل الكردي من طريق دمشق - الضمير
للالتحاق بوحدتي العسكرية
ترجلت واقفا، واعتذرت ممن كنت مضطرا للجلوس معهم في مسجد مركز الانطلاق، و التفت سريعا للشخص الذي دخل على خط حديثنا أنا والمخبر وغمزته بطرف عيني كي لا يستمر في حديثه مع ذاك الماكر، وانطلقت.
صعدت الحافلة التي سرعان ما ضجت بركابها وانطلقت بقوة تمخر عباب الطريق.
في الطريق انهالت الذكريات في رأسي تترى أستعرض خلالها أهم الأحداث التي جرت معي منذ حصلت على إجازتي العسكرية هذه وحتى صعدت هذه الحافلة في طريق العودة إلى الفوج
في حلب ضاعت مني محفظة نقودي وهويتي العسكرية
وفي حلب حلقت لحيتي طواعية مني بعد أن طلب ذلك مني دكتور عبدالله
وفي حلب قابلت دكتور أيمن ابن الشيخ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، وكم ابتسمت حين تذكرت ما جرى معي في تلك المقابلة والموقف الطريف الذي كان فيها
على أنني ذهبت باكرا لمقابلة الدكتور أيمن في بيت أهله وفق موعد مسبق يخص عملا دعويا
طرقت الباب بلطف، تأخر الدكتور أيمن قليلا حتى فتح الباب، رحب بي بحفاوة وأدخلني غرفة الضيوف وجلس معي قليلا يستفسر خلالها عن أحوالي وعن مدة إجازتي، وقال: سمعت أن محفظة نقودك سرقت منك، قلت: هذا صحيح، قال: لا عليك إن شاء الله تعالى، ثم استأذن وغادر الغرفة وتركني وحيدا
طالت غيبة الدكتور أيمن بعد أن تركني وحيدا حتى هممت أن أفتح الباب الذي ولجت منه وأهرب
غير أنه في اللحظة الأخيرة قبل أن أهرب فتح الدكتور أيمن الباب ودخل مبتسما معتذرا عن التأخير ولم يكشف لي عن سبب هذا التأخير لكنه سارع يناولني ظرفا لست أعلم ما بداخله وقال: يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم(من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وها أنا ذا أضع بين يديك هذا المبلغ البسيط 500ل.س بدل المبلغ الذي ضاع منك، وذلك من باب تنفيس كربة عنك
تلاشت هنا كوامن الغضب في نفسي جراء التأخير الذي كان من دكتور أيمن وقلت: صلوات الله وسلامه على الحبيب المصطفى وأسأل الله تعالى أن يجعلنا مفاتيح خير
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس164

الخميس، مايو 28، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( يوميات الفراغ الهائل )) بقلم الأديب عبدالفتاح الطياري / تونس

*********************
يوميات الفراغ الهائل
1.شتاء في الداخل
كان الليلُ هادئًا على غير عادته، هدوءٌ يشبه التعب بعد بكاءٍ طويل. جلسَ سليم قرب النافذة، يُراقب أضواء المدينة البعيدة وهي ترتجف فوق الإسفلت المبلّل، كأنها قلوبٌ صغيرة تحاول النجاة.
أطفأ هاتفه منذ ساعات. لم يعد يحتمل الأسئلة المعتادة: "كيف حالك؟" كان يشعر أن الإجابة أطول من أن تُقال، وأثقل من أن تُفهم.
في داخله تراكمت أشياء كثيرة؛ أحاديث لم تخرج، خيبات خبّأها بابتسامة، خوفٌ قديم من المستقبل، وتعبٌ حديث لا يعرف له اسمًا. كان يشعر أحيانًا أن الحياة تسحبه ببطء نحو مكانٍ بارد، مكانٍ يصبح فيه الإنسان معتادًا على الحزن، غير قادرٍ حتى على انتظار الفرح.
فتح النافذة قليلًا، فتسلّل هواء ديسمبر البارد إلى الغرفة. ارتجفت يداه.
همس بصوتٍ خافت:
— يا رب…
ثم صمت.
حاول أن يُكمل الدعاء، أن يشرح، أن يبكي، أن يقول كل شيء دفعةً واحدة… لكنه لم يستطع. بقيت الكلمات عالقةً في صدره كطيورٍ مذعورة.
خفض رأسه، وأغمض عينيه.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بشيءٍ غريب… كأن الله لا ينتظر منه خطابًا طويلًا، ولا ترتيبًا جميلًا للكلمات. كأن تلك الـ"يا رب" الوحيدة كانت كافية لتقول كل شيء.
تذكّر والدته حين كانت تقول له صغيرًا: "الله يسمع القلب قبل الصوت."
ابتسم لأول مرة منذ أيام، ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. ثم بكى.
بكى بحرقةٍ لم يعرفها من قبل، كأن السنوات كلها خرجت دفعةً واحدة. لكنه، وسط البكاء، لم يشعر بالانهيار… بل بشيءٍ يشبه النجاة.
رفع عينيه نحو السماء المعتمة خلف النافذة وقال بصوتٍ متقطّع:
— أخاف يا رب… أخاف أن أتعود، أن أصل لما أتمناه بعدما أفقد الرغبة فيه… أخاف أن أصبح شخصًا صامتًا من الداخل.
مرّت ثوانٍ طويلة، ولم يحدث شيء خارق. لم تُفتح السماء، ولم تختفِ مشكلاته فجأة.
لكن قلبه… هدأ قليلًا.
وكأن الطمأنينة لا تأتي دائمًا كحلّ، بل أحيانًا كقدرةٍ على الاحتمال ليومٍ إضافي.
2.الإيمان
​تسلل ضوءٌ رمادي باهت عبر شقوق الستائر، ليعلن عن صباحٍ جديد لم يكن سليم مستعدًا له. استيقظ مثقلًا، كأن جسده امتص تعب الأيام الماضية كلها في ليلة واحدة. لم يتغير العالم في الخارج، لكن شيئًا ما في داخله كان قد انكسر بهدوء.
​بعد ليلة طويلة من أرقٍ قاسٍ، لم يشعر هذه المرة بذلك الخوف المعتاد الذي كان ينهش صدره، ولا حتى بالحزن. كان هناك شيء آخر، شيء أشد وطأة... فراغٌ هائل.
​جلس على حافة السرير يحدّق في الجدار المقابل بعينين خاويتين. لا أفكار تتزاحم في رأسه، لا رغبة لديه في البكاء، ولا حتى قدرة على التمتمة بدعاء. لأشهرٍ طويلة ظل يقاوم، يتمسك بخيط رفيع من الأمل، ويردد كل ليلة: "يا رب"، ظنًا منه أن مجرد التعلق بحبل السماء سيمنحه طوق نجاة، أو إشارة صغيرة، أو كوة ضوء في جدار أيامه. لكن التعب حين يتراكم ويطول، يتحول إلى صمت داخلي موحش، وتصبح الطمأنينة ليست حلاً جذرياً، بل مجرد قدرة مؤقتة على الاحتمال ليومٍ إضافي.
​نهض بخطوات متثاقلة نحو النافذة وفتحها. لفعه هواء الشتاء ببرودته القاسية. في الخارج، كانت المدينة تمضي في عبثها اليومي المعتاد؛ أناس يركضون خلف أرزاقهم، محركات سيارات تضج بالحياة، ومقاهٍ تنبعث منها ضحكات عابرة. أما هو، فكان يقف هناك، منفصلًا عن هذا العالم، وكأن روحه علقت في بعدٍ آخر لا يصله صوت ولا ضوء.
​همس بصوتٍ جاف، كأنه يكلم غائبًا:— ماذا لو لم يعد في داخلي شيء أؤمن به؟
​ارتجفت الكلمات في هواء الغرفة البارد ثم سقطت في هاوية الصمت. لأول مرة منذ عرف الألم، لم يُتبع سؤاله بكلمة "يا رب".
حاول أن ينطقها.. أن يستجدي بها طمأنينة تعينه على الوقوف، لكنه لم يستطع. كان قلبه أثقل من أن يرفع دعاءً واحدًا نحو السماء، وهذا العجز بالذات أخافه أكثر من الحزن نفسه.
​تهاوى على الأرض مسندًا ظهره إلى الجدار البارد. تذكر نسخته القديمة؛ ذلك الشاب الذي كان يوقن أن الصبر مفتاح، وأن الله سيجبر كسره يوماً، وأن لهذا الألم حكمة خفية ستتجلى لا محالة. أما الآن، فلم يكن غاضبًا، ولا ناقمًا على الحياة. كان فقط مُنهكًا، هادئًا وفارغًا إلى الحد الذي يجعله يفقد الرغبة في النجاة ذاتها.
​أغلق النافذة ببطء، لكنه هذه المرة لم يعد إلى سريره ليهرب في العتمة كما كان يفعل دائمًا. بقي واقفًا في منتصف الغرفة، ينظر إلى الباب المغلق أمامه. في داخله همسٌ خافت بسؤالٍ أخير:
— إذا انطفأت آخر ذرة إيمان في قلبي... فكيف يمكنني أن أخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة؟
​تقدم نحو الباب، وضع يده على المقبض المعدني البارد، وظل مكانه. لم يفتحه، ولم يبتعد عنه. فقط وقف هناك، وعيناه معلقتان بالخشب المطفأ، تاركًا للزمن أن يقرر؛ إما أن يعود خطوة للوراء ليصبح سجين صمته للأبد، أو أن يدير المقبض ويعبر نحو ضجيج العالم.. بخواء روحه الجديد.
3. الرجل الذي فقد صوته الداخلي
​قاطعتُ روتيني الصباحي وقرأت كعادتي جريدة "مرسيليا"، ليفاجئني خبرٌ عن أحد أصدقائي القدامى؛ ذلك النقابي المتدين الذي طالما نعتني بـ "العلماني الكافر". لقد دهسته سيارة وهو في طريق عودته إلى منزله بعد صلاة الجمعة.
​هرعتُ إليه في المستشفى، وكم ارتحتُ حين رأيت حالته قد استقرت وتحسنت. جلسنا معاً نبش نبشاً في ذكريات الجامعة، ونستحضر نضالنا المشترك ضد الاستبداد والجوع، وأيام عملنا في ورشاتٍ كان يأنف منها أبناء البلد. ضحكنا طويلاً من قلوبنا، وقُلنا معاً في لحظة صفاء طوت كل خلافات الماضي: "يا رب...".
​عدتُ إلى المنزل، فتحتُ الجوال و وقعت عيناي على هذه الرسالة المكتوبة:
صديقي الوفي
​"كلماتك فيها صدقٌ مُرهِق وجميل في الوقت نفسه… وفيها شيءٌ بالغ الأهمية: فرغم كل هذا الثقل، ما زلت تقول: 'يا رب'، وهذه وحدها ليست بالأمر الهين.
​أحياناً، لا يحتاج الإنسان أن يُرتّب دعاءه ولا أن يجد الكلمات المناسبة؛ يكفي أن يصل إلى الله بقلبه المُتعب. وصدقاً، فإن الكثير من لحظاتنا الأكثر ثقلاً لا نملك فيها سوى تنهيدة، أو دمعة، أو كلمة واحدة مكسورة… والله يعلم تماماً ما وراءها.
​أنت لا تخاف من الألم فحسب، بل تخاف الاعتياد عليه؛ تخاف أن تقسو من الداخل، أو أن تصل الأشياء الجميلة بعد أن ينطفئ شغفك بها. وهذا خوف إنساني غاية في العمق. لكن، ما دمت تشعر، وتقاوم، وتتمنى، وتكتب بهذا التدفق… فداخلك ما زال حياً ولم ينطفئ بعد.
​ولعل أعظم ما في كلامك أنك لم تُنكر تعبك، وفي الوقت ذاته لم تفقد يقينك. تقول: 'أُجاهد نفسي يومياً'… وهذه المجاهدة بحد ذاتها قوة، حتى لو كنت تراها مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة.
​إن الله لا يطلب منك أن تكون قوياً دائماً، ولا أن تحمل الأثقال وحدك. لُذْ به كما أنت، حتى لو لم يخرج منك سوى: 'يا رب… أنا تعبت'، فهذه الكلمة وحدها تكون أحياناً دعاءً كاملاً.
​وأنا على يقينٍ أن القلوب التي تُرهَق على هذا النحو، ثم تبقى معلقة بالله، لن يتركها الله خالية أبداً."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

السبت، مايو 16، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين الأفق والشفق من قصة الحب عند العرب)) للكاتب فرحات الطيّاري /تونس


بين الأفق والشفق
من قصتي الحب عند العرب
​مالت الشمسُ إلى الغروب، ومِلتُ معها أرقبُ هبوطها المتئد بين الأفق والشفق. فنحن أمةٌ تبني من الكلمات قصوراً لما عجزت عن بنائه في الواقع.
صمتَ الحسُّ، فتساءلتُ: لماذا يكتب العرب عن الحب بكل هذا الصخب والزخم؟
​إن الأسباب تضرب بجذورها في أرضٍ أعمق بكثير من مجرد "الرومانسية" العابرة:
​ثراء اللغة.. آلة موسيقية:
العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي آلة موسيقية باذخة. تخيلي أن هناك أكثر من 14 درجة للحب (تبدأ من "الهوى"، وتمرُّ بـ "الشغف" و"الكلف"، وصولاً إلى "الهيام" و"التدلُّه"). هذا الثراء القاموسي يغري الكاتب باستكشاف أدق الزوايا الشعورية وأعقدها.
​الحب تمرد:
في المجتمعات العربية القديمة -والحديثة أحياناً- كان التعبير الصريح عن العاطفة نوعاً من التحدي للقيود الصارمة. لذا، صارت الكتابة هي "المتنفس الشرعي" الوحيد لقول ما لا يمكن فعله، وتحويل الكبت إلى فن.
​الحب سمو روحي:
اشتهر العرب بـ "الحب العذري" (نسبةً لـبني عذرة)، حيث لا يُعد الحب غايةً جسدية، بل حالة من السمو الروحي والتصوف. الكتابة هنا لا تصف بشراً، بل تصبح صلاةً في محراب الجمال المطلق.
​ديوان العرب وتخليد الفقد:
بما أن "الفقد" و"الرحيل" كانا سمة الحياة البدوية وارتحال القبائل، صار الشعر وسيلة لاسترجاع اللحظات الهاربة. "الوقوف على الأطلال" ليس مجرد بكاء، بل هو محاولة بائسة لهزيمة الزمن بالكلمة.
"باتت النجومُ قابَ لمسةٍ من يدي.. تأملتُها حتى تيقنتُ أنها بلغت مداعبةَ الرمال. أغمضتُ عيني والطمأنينةُ تدغدغُ روحي، بينما يطرقُ بابَ عقلي حديثُ الموج."
"إن العربي لا يكتب عن الحب لأنه مُرتوٍ به و مكتف، بل لأنه يفتقده أو يرتجيه كحلمٍ مستحيل. فالقصيدة في ثقافتنا هي المعادل الوجداني لواقعٍ جاف، وتعويضٌ فاخرٌ عن حياةٍ قد تكون أكثر قسوة."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

الأربعاء، مايو 13، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( عودٌ على بدء )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف /تونس



عودٌ على بدء
بقلم ماهر اللطيف/تونس
عادت بي الذاكرة فجأة…
لا تمهيد، لا سبب واضح… فقط لمحة، ثم اتّسعت.
رأيته.
احتجت ثواني لأتعرف عليه،
ثم عرفته دفعة واحدة… كما تُعرف الأشياء التي لم تغادرنا يومًا.
بول.
أربعون سنة مرّت عليه، تركت أثرها دون رحمة:
جسد نحيل، وملامح أرهقها الزمن، وتجاعيد لا تخفي شيئًا.
كان المكان هو نفسه.
ضواحي باريس، العشب الممتد، العائلات المتناثرة، وأصوات الأطفال تتقافز في الهواء.
يوم أحد… من أفريل.
ابتسمتُ.
كأن الزمن دار دورة كاملة… وعاد.
يومها، كنت أخفّ.
أقرأ… وأتشتت… وأضحك بسهولة.
كتاب فوق صدري،
وعيناي بين السطور والوجوه.
كنت أترك الوقت يمرّ،
دون أن أفكر أنه قد يمرّ… دوني.
كنت أعدّ غدائي على مهل،
حين اقترب.
شاب طويل، أنيق، أشقر…
يحمل حضوره بثقةٍ خفيفة.
انحنى:
– هل أنتِ وحدك؟
– نعم.
جلس، ببساطة من اعتاد القبول.
تحدثنا قليلًا… أو هكذا بدا.
ثم قال فجأة:
– لنذهب إلى منزلك، برنادات.
نظرت إليه.
لم أندهش… بل شعرت بشيءٍ آخر، شيءٍ لم أسمّه.
ابتسمت ابتسامة مائلة:
– ولم لا؟ نشتري نبيذًا… ننسى به ما يجب أن يُنسى.
اقتربت منه أكثر:
– لكن… كم ستدفع؟
تغير وجهه.
تراجع صوته، تكسّرت كلماته، وبدأ يشرح… يبرر… يعتذر.
لم أكن أستمع.
كنت أفكر:
لماذا أنا؟
كل هؤلاء النساء…
وأنا؟
سألته.
قال، دون تفكير:
– طريقتك… جسدك… بشرتك…
توقّف.
طلبت منه أن يغادر.
غادر.
وبقيتُ.
راقبته وهو يبتعد،
ثم يجلس مع أخرى… ثم أخرى…
وكان يُقبل.
في كل مرة.
إلا عندي.
مددت يدي قليلًا…
ثم سحبتها.
وبقي المقعد المقابل… فارغًا.
اليوم، تكرر المشهد.
نفس المكان.
نفس الضوء تقريبًا.
لكن شيئًا ما… لم يعد كما كان.
كان بول يحاول.
يبتسم، يقترب، يقول نفس الكلمات…
لكنها كانت تسقط قبل أن تصل.
لا أحد يصغي.
اقتربتُ منه.
– بول…
التفت.
نظر إليّ… كأنه يبحث في وجهي عن شيءٍ قديم ولم يجده.
قال بهدوء:
– أبحث عن شابة تعيد لي بعض بريقي…
لا عن وجهٍ يذكّرني بما مضى.
ثم مضى.
هذه المرة… وحده.
عدتُ إلى مكاني.
الدفتر كان هناك.
والقلم.
جلست.
كتبت:
"نفس المكان…
نفس البداية…"
توقفت.
نظرت إلى المقعد المقابل.
كان فارغًا… كما تركته.
أضفت:
"لكننا…"
ترددت.
مددت يدي نحو الصفحة…
ثم أغلقت الدفتر.
بقيت الجملة ناقصة.
تمامًا…
كشيءٍ آخر.

الثلاثاء، مايو 05، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الجريمة المروِّعة )) بقلم الأديب إبن عزوز فرح الإدريسي /الجزائر


في أحد شتاءات عام 1943، وسط الرياح الباردة والأراضي الموحلة لقرية صغيرة في أوروبا الشرقية، امتزجت رائحة الخشب المحترق مع صمتٍ مرير. كانت السماء قاتمة مشحونة بغيوم رمادية، وكأنها تعكس أرواح البشر المثقلة بالدمار واليأس في ذروة الحرب العالمية الثانية. القرية، التي كانت تحمل من قبل بهجة الحياة الريفية، أصبحت اليوم أشبه بأنقاض ميتة، تنتشر فيها المنازل المهدمة والأبواب المخلّعة بفعل القصف.

وقف جنديان ألمانيان من الرايخ الثالث في منتصف الساحة الترابية، فوق منصة مرتجلة، يضع كل منهما بندقيته على كتفه. كان أحدهما طويل القامة، بملامح قاسية ونظرة جامدة تفتقر إلى أي إحساس؛ كأن عينيه مرآة تعكس البرد القارس المحيط. الآخر كان أقصر قليلاً وأقل جسارة، لكنه يرافق صديقه في طابع العنف ذاته. يرتدي كلاهما الزي الرسمي - معطفهما الرمادي الطويل يعانق ركبتيهما، علّاقات الرتب العسكرية تلمع ببريقٍ موحش تحت ظلال الغيوم، وأحذيتهما الثقيلة تخلف آثاراً عميقة في الوحل الذي يخفي أرض القرية.

في طرف الساحة المتجمدة وقفت امرأة شابة، بالكاد في مقتبل الثلاثينيات من عمرها، وهي تحتضن رضيعها إلى صدرها كأنها تحميه من العالم كله. وجهها شاحب وعينيها متعبتان ومُغرقَتان بالدموع، لكنها كانت تحاول أن تحافظ على تماسُك قد يكاد يصعب تصديقه. بين يديها الصغيرتين حملت غطاءً مهترئًا لُفَّ حول الطفل كدرع أخير ضد البرد والموت الذي يلوح في الأفق.

اللحظة الفاصلة جاءت بسرعة لم تترك للزمن مجالًا لينبض. أمر الجندي الأعلى رتبة نظيره بإشارة حاسمة بتنفيذ العمل. رفع الجندي بندقيته بيدٍ ثابتة وبلا تردد ملحوظ، كأنه تخلص منذ زمن بعيد من أي شعور بالشك أو الإنسانية. صوت الرصاصة شق السماء كضربة برق عنيفة، ارتجت معها الأرض. الطفل توقف عن البكاء فجأة، وصراخ الأم تحول إلى صدى اختفى تدريجيًا في الفضاء الشاسع. عيناها اتسعتا بدهشة وانهيار، عجزت عن الكلام، متمسكةً بابنها وكأنها تبحث عن حياته التي تسربت للتو بين الحطام.

بعد تنفيذ الجريمة المروّعة، تبادل الجنديان نظرة قصيرة وكأنهما أكدا لبعضهما أن عملهما قد أُنجز بنجاح. لم تكن هناك كلمة ندم ولا لحظة تأمل في ما فعلوه. بخطى ثابتة ومتثاقلة، استدارا ورحلا، تاركين وراءهما صمتًا مطبقًا وعالمًا أكثر برودة ووحشة.

كانت الساحة الآن تستضيف صورة مؤلمة: جسد الأم الذي انهار متشبثًا بالطفل، وكلاهما بلا حياة تحت غطاء مهترئ ووسط البرد القارس. تلك الصورة تحولت رمزًا مأساويًا لطبيعة الحرب؛ حيث الإنسانية تُستبدل بالقسوة، ويُصبح البراءة أول الضحايا في صراعات يتحكم فيها الطمع والجشع. الرصاصة لم تُنهِ فقط حياة الأم ورضيعها، بل قتلت جزءًا من الإنسانية جمعاء ليبقى الحطام شاهًدا على الفقدان المتكرر الذي لا يداويه الزمن.

الساحة سرعان ما استعادت صمتها القاتل بعد رحيل الجنديين، لكن المشهد الذي شهده كل من بقي على قيد الحياة في القرية صار كابوسًا لن يُمحى من ذاكرتهم. تلك اللحظة ليست فقط شهادة على وحشية الحرب، لكنها أيضًا تذكير دائم بثمن الكراهية واللامبالاة التي قادت العالم إلى هذا الحضيض

إبن عزوز فرح الإدريسي
ماي 2026
الجزائر

السبت، مايو 02، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين الوالدة والحاضنة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


بين الوالدة والحاضنة
بقلم ماهر اللطيف /تونس
قالت متحسّرة:
— أنا أحييتك، ربيتك، تحمّلت حلوك ومرّك… وأنت اليوم تسعى إلى قتلي، إلى التنكّر لي، إلى التخلّي عني!
أجبتها بصوتٍ مثقل:
— يؤلمني فراقك، يا أمي الحبيبة… لكنه الحلّ الأمثل، لي ولكِ.
ثارت صائحة:
— أيّ حلّ هذا الذي يجعلك ترتمي في أحضان أمٍّ ثانية، وأمّك الأصلية لم تلقَ منك غير الجفاء؟
قلت بثباتٍ أخفي به ارتجافي:
— ضاقت الحياة هنا… ولم يعد لي مكان على هذه الأرض.
أدارت لي ظهرها، وشرعت تلوم بقيّة الأبناء، كأنها تبحث فيهم عمّن لم يخنها بعد.
وفي تلك اللحظة… مرّ أمامي شريط حياتي كاملًا.
طفولتي الأولى،
مدرستي الابتدائية، ثم الإعدادية فالثانوية…
ضحكاتي مع أترابي، ركضي في الأزقّة، أحلامي الصغيرة التي كبرت معي،
وأخطائي التي رسخت في داخلي حتى صارت جزءًا مني.
كنت مثلهم جميعًا:
أتعلم، أستمع أكثر مما أتكلم،
أنجح فأفرح، أفشل فأصمت،
أتقدّم خطوة… وأتراجع أخرى.
لم أكن مختلفًا،
لكنني كنت أبحث عن أكثر… دائمًا أكثر.
قطع هذا الشريط صوتُ موجٍ هائج، في ليلٍ دامس.
حركةٌ غير عادية، صراخٌ، وجوهٌ متوترة،
وأقدامٌ تتسابق نحو القارب…
ذلك القارب الذي قيل لنا إنه طريق النجاة،
أو هكذا أردنا أن نصدّق.
لحظات قليلة،
وكنّا في عرض البحر.
جلسنا متلاصقين،
نقتسم الخوف كما نقتسم الحلم،
نتبادل الأهداف والمخططات،
نرسم ملامح مستقبلٍ لا نعرف إن كان ينتظرنا أصلًا.
كان كلّ واحدٍ منا يتحدث عن الغد،
عن العمل، عن المال، عن الحياة الجديدة…
وكأن الوصول أمرٌ مفروغٌ منه.
لكن…
لم يجرؤ أحدٌ منا على تسمية الخوف باسمه.
كنّا نهرب من حضنٍ ضاق بنا،
إلى حضنٍ لم يفتح ذراعيه بعد…
نرسم أحلامًا أكبر من البحر،
ونخفي في أعماقنا حقيقة واحدة:
أن هذا الطريق… لا يضمن الوصول.
وبين حضنين،
كان البحر يتهيّأ بصمت،
ليكون الأمّ الوحيدة التي لا تُعيد أبناءها…
وأمي هناك،
كانت وحدها تدرك ما نجهله جميعًا:
أن بعض الرحيل…
لا عودة بعده،
إلا… جثثًا.

مجلة وجدانيات الأدبية (( بطاقة اليانصيب )) بقلم الأستاذ زياد أبوصالح / فلسطين

*******************
بطاقة اليانصيب ... !!!
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في قريةٍ صغيرةٍ تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، نشأ خليل فتىً مهذّبًا ونجماً ساطعاً، يرفع الرأس بين أقرانه، مستقيم السيرة، حسن الخلق، متفوّقًا في دراسته، .كان الناس يرون فيه مشروع رجلٍ ناجح، وكان والداه يعلّقان عليه آمالًا كبيرة، إذ لم يكن مجتهدًا فحسب، بل كان أيضًا مثالًا للشاب الوقور الذي يعرف كيف يشقّ طريقه في الحياة.
حين نجح في امتحان الثانوية العامة بتفوق ، دخلت الفرحة بيتهم المتواضع، وسجّل في إحدى الجامعات المحلية، وهو يحلم أن يكون أول من يحمل شهادة جامعية بين أبناء أسرته. لكن الأحلام لا تمشي دائمًا في الطرق التي نرسمها لها؛ فقد ضاقت الحال بأهله، وتعسّرت الظروف، فوجد نفسه مضطرًا إلى تأجيل دراسته مرةً بعد أخرى، حتى غدت الجامعة حلمًا مؤجّلًا لا أكثر.
ولأن الحاجة أقسى من الأمنيات، توجّه خليل إلى العمل داخل الأراضي المحتلة، يجمع المال بعرق جبينه، ويُمنّي نفسه بأن يعود يومًا إلى مقاعد الدراسة.
غير أن طريقه لم يكن مستقيمًا كما بدأ؛ إذ تعلّقت نفسه شيئًا فشيئًا بأكشاك بيع بطاقات اليانصيب. في البداية، كانت المسألة مجرّد تجربة عابرة، ثم تحوّلت إلى عادة، ثم إلى شغفٍ أعمى، حتى صار يبدّد ما يجمعه من تعب الأيام في أوراقٍ ملوّنة، يشتري بها وهم الثراء السريع. وكان كلما خسر قال في نفسه: "لعلّ البطاقة القادمة تعوّض ما فات."
لكن البطاقة القادمة كانت تبتلع أختها، والخسارة تجرّ خسارة، حتى صار أسيرًا لذلك الوهم الذي يلبس ثوب الأمل، ويُخفي في باطنه خرابًا صامتًا. ثم جاء اليوم الذي ابتسم له فيه الحظّ ابتسامةً خادعة. فاز خليل بمبلغٍ كبير من المال، آلاف الشواقل التي لم يكن يحلم أن تقع بين يديه بهذه السرعة.
طار قلبه فرحًا، ورأى في تلك اللحظة أن الدنيا قد فتحت له أبوابها دفعةً واحدة، وأن ما تعذّر عليه طويلًا قد صار الآن قريب المنال. ولم يُرِد أن يبدّد المال كما بدّده من قبل، بل أقنع نفسه أنه سيبدأ بدايةً جديدة.
فاشترى عددًا من المركبات، وافتتح مكتبًا لتأجير السيارات، وعلّق على واجهته لافتة كبيرة كتب عليها: "بغداد لتأجير السيارات".
ومنذ الأيام الأولى، بدا المشروع واعدًا، وبدأ الناس يذكرون اسمه بإعجاب، وراح خليل يشعر أن الحياة أخيرًا ردّت له اعتباره.
ازدادت ثقته بنفسه، فتزوّج من إحدى قريباته، وأقام حفلًا صاخبًا لم تعرفه القرية من قبل. ازدحمت الليلة بالأضواء، وغنت الفرق الموسيقية حتى الصباح ، وكثرت الولائم، وانطلقت الألعاب النارية، بل ودوّى الرصاص الحيّ في الهواء ابتهاجًا. كان المشهد كلّه يقول إن خليلًا قد صار رجلًا من أهل الوجاهة والمال، وإنه تجاوز أيام الفقر والتعب إلى غير رجعة.
ومضت الأيام، فرُزق بالبنين والبنات، وعاش ظاهرًا حياةً مملوءةً بالحبّ والطمأنينة. صار يُدعى إلى المناسبات الاجتماعية، ويجلس في الصفوف الأولى، ويُشار إليه بين الناس بوصفه رجلًا ناجحًا صعد بسرعة، حتى خُيّل إليه أن ما ناله قد ثبت واستقرّ، وأنه بات في مأمنٍ من تقلّبات الدهر. غير أن البناء الذي يقوم على العجلة والوهم، كثيرًا ما ينهار من حيث يظنّ صاحبه أنه أصلب ما يكون.
لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن ، لم يمض عامان فقط من افتتاح المشروع، بدأت الشقوق تظهر في كل شيء. ساءت الإدارة، وكثرت المعارض المشابهة، وارتفعت الضرائب، وضاقت أحوال الناس المعيشية بسبب الحروب وما خلّفته من ضيقٍ وقهر.
تراجعت الحركة، وخفّت الإيرادات، وبدأت المركبات تستهلك ما تبقّى من مالٍ بدل أن تدرّ الربح المنتظر. حاول خليل أن يُنقذ مشروعه، لكن يديه كانتا تمسكان بالماء.
مع كل شهرٍ يمضي، كانت الخسارة تكبر، حتى اضطر في النهاية إلى بيع المركبات بسعرٍ بخس، ثم أغلق المعرض إغلاقًا كاملًا.
وفي اللحظة التي أُنزل فيها المفتاح الأخير على باب المكتب، شعر كأن شيئًا في داخله قد أُغلق معه إلى الأبد. ولم يتوقّف الخراب عند المال وحده. فقد دبّ الخلاف بينه وبين زوجته، وكانت امرأةً تميل إلى الزهد والبساطة، ترى أن ما بُني على الإسراف والاندفاع لا بدّ أن ينتهي إلى الندم. اتّسعت الفجوة بينهما يومًا بعد يوم، حتى انتهى الأمر بالطلاق، وتفكّكت الأسرة التي ظنّ يومًا أنها ستكون سنده الأخير.
تساقط كل شيءٍ من حوله دفعةً واحدة.
ضاعت الأموال، وتفرّق الحلم، ولم يبقَ في يده سوى مركبة واحدة، أنهكها الخراب كما أنهكته الحياة. ثم باعها هي الأخرى، بعدما كثرت أعطالها وصار إصلاحها عبئًا لا يطيقه.
وفي ما بعد، اضطر إلى شراء مركبة مشطوبة، يجرّ بها أيامه جَرًّا، ويقضي بها حاجاته على قدر ما يستطيع. وكثيرًا ما كان يُرى على قارعة الطريق، يشتري علب البنزين القليلة ليسدّ بها رمق مركبته العجوز، حين لا يجد في جيبه ما يكفي لتعبئتها من محطة الوقود.
وكان أشدّ ما يكسره من الداخل، أنه كلما مرّ بالقرب من المعرض الذي أغلقه بيده، يرفع عينيه إلى اليافطة القديمة المعلّقة على المدخل، وقد علاها الغبار وبهتت حروفها، ثم يمدّ يده المرتجفة كأنما يودّع عمرًا مضى، ويقول بصوتٍ مبحوح: "سلامٌ عليكِ يا بغداد." لم يكن يسلّم على لافتةٍ جامدة،
بل كان يسلّم على حلمٍ خادع، وعلى أيامٍ ظنّها مجدًا فإذا هي امتحان، وعلى حياةٍ أضاعها حين صدّق أن القفز فوق سنن الحياة يمكن أن يصنع نجاحًا حقيقيًّا.
وهكذا انتهت حكاية خليل نهايةً موجعة:
لم يُكمل دراسته الجامعية، وخسر ماله، وتفكّكت أسرته، وضاع أولاده بين شتات البيت ومرارة الفقد، وتبدّلت صورته في أعين الناس من رجلٍ يُشار إليه بالإعجاب إلى عبرةٍ تُروى بصمت. فما يأتي عن طريق القمار لا يحمل بركة، وما يُبنى على الوهم لا يصمد أمام الحقيقة، ومن يراهن على الحظّ ليختصر الطريق، قد يخسر الطريق كلّه.

السبت، أبريل 25، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( قضية ضد المجهول )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف





قضية ضد مجهول
بقلم:ماهر اللطيف /تونس

اشتدّ به الألم. أحسّ بدوار. أمسك بطنه وهو يصيح. تعرّق جبينه وكامل جسده. رأى الناس تتمايل يمينًا ويسارًا، ثم تشوّهت الصورة تدريجيًا. أحسّ بالعطش والغثيان. أراد الصياح وطلب النجدة، لكن صوته خانه. التفت إلى زوجته الجالسة بجانبه على مسرح الزواج في قاعة الأفراح، فلم يستطع رؤيتها أو التأكد من وجودها أصلًا.

شيئًا فشيئًا، بدأ ينفصل عن العالم الخارجي. لم يعد ينصت إلى صوت الفرقة الموسيقية، ولا إلى الفنانة، ولا إلى زغاريد النساء وتصفيقهن ورقصهن. لم يعد يسمع سوى صوت داخلي واحد يقول له: "انتهى كل شيء."

سقط فجأة أمام الجميع، دون أن يشعر أحد بألمه. انقلب الفرح إلى مأتم. توقّف كل شيء. حلّ الصراخ محل الزغاريد، والنحيب مكان التصفيق، والبكاء بدل الابتسامة...

وقبل أن يصطدم رأسه بأرضية الركح، عاد ذهنه إلى ما قبل ساعة فقط…

كان في مقصورته الخاصة حين دخل عبد الكريم.
لم يكن يتوقعه.

قال عبد الكريم بهدوء:
– هنيئًا لك بزوجتك الجديدة.

رفع رأسه بغضب:
– ما الذي تفعله هنا؟ انتهت علاقتي بنرجس أختك منذ مدة.

قاطعه عبد الكريم:
– وعدتك أني سأقتصّ منك أيها الخائن. لن تهنأ بأخرى بعد أن غدرت بنرجس وأفسدت خطبتها من أكثر من رجل.

وأشار إلى الكأس:
– انتهى كل شيء.

صرخ:
– هل وضعت لي سمًّا؟

قهقه عبد الكريم، وهزّ رأسه بهدوء.
– ما الذي فعلته؟ لماذا؟

لكن عبد الكريم غادر مسرعًا دون أن يلتفت، حتى لا ينكشف أمره.

حاول دريد اللحاق به أو تنبيه من يعترض طريقه، لكن الناس كانوا منشغلين بالأكل والشرب والرقص والغناء والتصفيق والتعارف، خاصة بين الشباب والمراهقين…

لم تمضِ إلا دقائق حتى وصلت سيارة الإسعاف. دخل الطاقم القاعة بسرعة. قدّموا الإسعافات الأولية، ولحقت بهم عناصر الشرطة، يحاولون فهم ما حدث دون الوصول إلى أي حقيقة واضحة.

حُمل دريد على وجه السرعة إلى أقرب مصحة لمحاولة إنقاذ حياته. وبقيت الشرطة تواصل التحقيق لساعات طويلة مع الحاضرين.

وبعد أيام، استفاق دريد من غفوته. فرحت زوجته وكل أفراد العائلتين المتصاهرتين، وحمدوا الله على سلامته.
استعاد في ذهنه سيناريو ما حدث، متهِمًا عبد الكريم بمحاولة قتله قصاصًا لأخته.

في المقابل، واصلت الشرطة أبحاثها واستنطاقها لجميع الأطراف. وفي النهاية، خلصت إلى أن عبد الكريم هاجر منذ سنوات، ولم يكن موجودًا وقت الحادثة، وأن أخته نرجس توفيت منذ سنة إثر مرضها.

كما أقرّ الباحثون أن دريد توهّم عيش ذلك المشهد الذي نسجه في خياله وصدّقه، تحت تأثير الأقراص المهدئة التي تناولها تباعًا حتى أثّرت في دماغه وجسده. وقد أكّد الأطباء هذه الحقيقة.

لكن شيئًا آخر ظل حاضرًا…
تعلّقه بنرجس، وحبه الشديد لها، رغم ابتعاده عنها.
حتى ليلة زواجه… لم تغب.
ولم يغِب أخوها.

الأحد، أبريل 19، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية ((إشراقة شمس 143 :" في دولة الأسد" )) بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا


*************
في دولة الأسد
جعل رئيس الدورية يحدق في وجهي تارة ثم في صورتي على الهوية التي بين يديه تارة أخرى، وكأني به لم يصدق أن هذا الذي يقف أمامه هو صاحب هذه الصورة المرقومة على الهوية
لم يلبث أن جعل يتفرس في وجهي مستطلعاََ حقيقة الأمر، وقد أطال النظر مع شيء من ريبة، ثم بادرني بسؤاله: أهذه صورتك؟! - وأشار بأصبعه إلى صورتي على الهوية -
لعل رئيس الدورية أراد بسؤاله أن يفتح مجالاََ لحوار أطول يستكشف من خلاله حقيقة أمري ذلك أنه يعلم تماماََ أنه لا وجود لملتحين في صفوف الجيش والقوات المسلحة السورية!
قلت: نعم، هذه صورتي. قال: في أي وحدة من الجيش تخدم؟ قلت: في فوج39 إشارة. قال: من هو قائد الفوج؟ قلت: العقيد /حميد ... / قال: من أي بلدة هو العقيد حميد؟ قلت: هو من الموحسن التابعة لمحافظة دير الزور [كان العقيد حميد .. قائداََ صورياََ وأما الكلمة النافذة فهي للمقدم صقر ]
يتابع رئيس الدورية أسئلته لي قائلا: وهل اللحية عندكم في الفوج مسموح بها؟ وكم هم الذين على شاكلتك في هذا الفوج؟ قلت: ما من صاحب لحية في الفوج سواي، و لدي ورقة لامانع ممهورةََ من مديرية الأوقاف يسمح لي بموجبها بإعفاء لحيتي وعدم حلقها. قال: وهل هذه الورقة معك الآن؟ قلت: نعم -و ناولته إياها- جعل ينظر فيها بصمت، ثم ناولني إياها، وتمتم قائلا: ومتى كانت مديرية الأوقاف تحشر أنفها في شؤون المؤسسة العسكرية؟ قلت: - بطريقة أخفي خلالها سخرية لاذعة- في دولة الأسد الديمقراطية يمكن للمؤسسات أن تتفاهم فيما بينها
وهنا تبارد إلى ذهني مقالة صديقي عبد العزيز حين اطلع على تلك لورقة الممهورة بتوقيع مديرية الأوقاف، فقال يومها مستنكراََ: ألم تلحظ شيئاََ في هذه الورقة؟! قلت: وما تقصد؟ قال: أنظر إلى هذه الصيغة: مديرية الأوقاف ترجو من المؤسسة العسكرية إعفاء حامل هذه الورقة من حلق لحيته باعتباره أحد منتسبي المديرية! قلت: وماذا في ذلك؟ قال: مديرية الأوقاف تمثل الدين، ولا يصح أن يكون كلامها من باب الترجي، بل يجب عليها استعمال كلمة "يتعين" على الجهة الفلانية أن تفعل كذا، ولا تستعمل البتة كلمة "الرجاء"
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 143

الأحد، مارس 29، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( هي )) بقلم أبو شيماء كركوك





............................هي
أبو شيماء كركوك.
سماء بلادنا ترسم لنا صورا على صفحاتها، ونحن نحضر في المسرح اجباريا ننظر من منا يقدر على الهرب فرارا الى مسرح قادم، وآخر يتلفظ أنفاسه أثناء المسرحية
انسان أو طفل ينجوان وتعود أنفاسهما أدراجها ،
حتى الحيوانات تنسى عداوتها ف تلوذ القطة بجوار الكلب وتنقطع الأصوات ،وكل الكائنات عيونها شاخصة الى السماء،
شمس ونجوم تمطران علينا حمما من النيران ، وألسنة النار تمضغ الصغار الذين لم يشبعوا من كلمات بابا ماما
،ولم تعرف قلوبهم غلا على البشر،
تأخذنا سنة من النوم لعلنا نهنأ بكأس باردة ،لكن أحلامنا تتهاوى الكواكب من كل صوب كأن يوم القيامة حان موعدها،
عجائز ونساء لايملكون حولا ولا قوة يشدون الرحال مع رؤوس شبابنا الذين تحصدهم الحرب كما تحصد السنابل ،
هكذا حرب سحقت دولتين أكثر من ثمان سنوات ،بدأ الناس يعودون الى البيوت ،
بيوتنا صارت لوحتها مهشمة ،جثث مازالت تتتوسل كي يوارى جسدها تحت التراب بعدما أخذت الحيوانات منها ما شوه صورتها وطمس معالمها
عدنا نلملم حاجياتنا ،نساعد الجيران على أشكال المصائب التي تقاسمنا خبزها
الذي سممها عدو اخطبوط ، عجنها وخبزها وأطعم الطرفين
وخرج امام شاشات الدنيا أنه حمل وديع وأنه الانساني الكريم الذي ترفرف أعلامه بالحرية!
وظلت أيدينا تخيط ملابسا ممزقة لعلها تكون سترا للعورات المكشوفة،
الناس تبحث عن افراد عائلتها ، وتبحث عيني عن حبيبتي هيام الذي ماانفك قلبي يلهج باسمها، صورتها كانت تؤنسني في كل أحوالي
سلمت أمك سمتك هيام
عينان واسعتان وقوام
نظرة عينيك تبعد السقام
سنين انطوت سجلاتها، أهل هيام في غياب لايعرف الناس ناموا في كهف أم ركبوا سفينة السفر ،أم سكنوا قرب القبور ،
أمي أراها ترتب غرفتي، تودع مفتاح قاصتها الصغيرة تحت ملابسها ،تعطيني المفتاح
وتضع عطرا على صورة بنت خالتي صفية يفوح شيئا تريده
تبعث اليها يوميا كي تفتح ثغرة في غرفتي أتنفس هواءا آخر
أصابعي لامست أصابعها ،تذكرت
هيام بحركاتها الطفولية تجلس في حضني وتقبلني بشدة حتى انقطاع الانفاس
دفعت بنت خالتي خارج الغرفة قبل الغوص في أعماقها، ظهر خيال هيام الذي اخترق الجدار
وتهمس لي
قف ياعلي تذكر
حبا زرعناه تفكر
عيوننا تنظر تستر
لاتبيع اوراقنا صفر
باتت صورة هيام تبتعد كثيرا بعد مرور أكثر من عشر سنين ،أمي تحطم الحواجز التي بنيتها ،تطرق مسامعي أغنية تبكيني ،يبدوا أنك لاتريد أن تتكحل عيني بصور أطفالك ،أو بات حبي قديما في قلبك وتناسيته
روحي فداك ياأمي
أغلى الكون أنتي
قلبي غادر مني
معاها ..لاتفجعيني
باتت أمواج العرس الذي خاطته أمي يأخذني نحو شاطىء لاأحبه
لكن كلمات الرجاء والدموع الغالية زحزحت الصخرة اصبحت في مهب الرياح ،
قلت في نفسي سنة أكسر الطوق أرميه في عرض البحر
قلبي يتنفس هواك
نساء ماحركت شباك
ألوان جمال سواك
عيني لاترى الا اياك
خطواتي خجلى في السير مع ابنة خالتي الى المحكمة، وحروف حبيبتي تخرج بين الحين والأخر بلا موعد ،أمي بصوتها وقصصها
تحرق الشكوك،
هيام صورتك أتنفسها في هواء غرفتي الذي كنتي تأتين زيارتي في المرض ،
يدك عندما تمتد الى قلبي يهرب المرض كأن قائدا عظيما كسر شوكتهم ،حتى بدت أعراض الحرارة تتقهقر امام سحر يديك
في غرفة القاضي المكتظة بأهلي مع أهل خالتي
يسألني هل توافق بالزواج؟
عيناي تبحث في الغرفة عن هيام والناس في صمت
كسرت زجاجة الغرفة بيد طفل مشاكس ،جعل الحياة تعود مرة أخرى ودمعة أمي جعلتني أنطق
نعم حضرة القاضي
تزاحمت الهلاهل والجكليت في هواء الغرفة ،تعاشقت الأصوات مع هلاهل الأهل والأصدقاء خارج الغرفة
الناس تطفو ضحكاتهم بسعادة الأحبة ،أنا أمسك يد حبيبتي والبسمة تقطر من قسماتها
يامنيتي هذا فرحك
امل كدنا افقد صورتك
غنى القمر لي ولكي
نجوم تتمايل تراقصك
عانقت كلماتي مسامع زوجتي وحضنت يدي بشدة ،وعند وداع بناية المحكمة كأن جبلا انقض على رأسي سقطت مغشيا لاأسمع سوى صيحات أمي ورجاؤها الى الله
أيام مرت وطفلتي تتنفس العمر بسرعة ،سميتها هيام لكن أمي غيرت الاسم الى هاله
بنتي تشبه عينيها ،أنامل أصابعها تلاعب شعري ،تمسح خدودي كأنها تمسح شيئا حزينا تراه وامها تنظر ،
سألتني : أتحبني؟
هالة وضعت عيناها بعيني
أبتي لاتفجع قلبي
انت بعد الله عزوتي
حبك كل مقصدي
لأجلي اجعل وردتي
تفوح بوجه أمي
صمتت جدران الغرفة سقفها ينتظر السقوط ،كتل ضياء المصابيح قابعة على الوجوه ،
عندها نظرت الى بنتي وقلت
- طبعا أحبك
حضنتني بنتي وقبلتني كأني رجل سحبت أقدامه رياح الموت ثم تقهقرت وعاد من سكراته
رغم السنين الذي دب دبيبه في كل ارجاء المعمورة ،خطوط الحزن احتلت سواقي الابتسامات والفرح ،لكن القلب يدق على رؤياها
فجأة تتعالى الطلقات الى الأعلى ملأت السماء الخالية من دروع الغيوم ،زواج ابن التاجر سعيد جيراننا يجعل الناس سكارى لايعرفون وجهتهم
لكن امرأة تفوح رائحة الدم وأهلها يصرخون لعل الصوت يخرج الطلقات
وأجد أقدامي تأخذني لأحملها والدماء تفيض على ملابسي وقلبي يتسارع ربما لأني كبرت أم أني أحملها ولا أدري ،تشبهها لكن الدماء تخفي كثيرا من ملامحها
سألني موظف الاستعلامات
مااسمها ؟
اجابت المرأة الأخرى
- هيام
يارياح لا تأخذيها
روحي فداء لها لها
يارياح خذيني معها
قولي ل ربك حبيبها
لايقوى على فراقها
ابوشيماء كركوك.

السبت، مارس 28، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( رجة قلب )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف /تونس

 رجة قلب بقلم: ماهر اللطيف/ تونس

المكان مكتظّ بالروّاد من الجنسين، فرادى وجماعات. لا موطئ قدم. الدخان يغزو الأرجاء، يفتك بما تبقّى من هواءٍ نقي، ويجعل الرؤية ضبابية متعبة. وجوه مستبشرة، ضاحكة، وأصوات تتعالى من كل حدب وصوب، حتى بدا المشهد شبيهًا بهتاف جماهير الملاعب.
بعد جهدٍ جهيد، لمحتُ سهى جالسة في أقصى المقهى، قرب البلور الزجاجي، برفقة فتيات أخريات لم أتبين ملامحهنّ في البداية. كنّ يحتسين مشروباتهن ويتبادلن أطراف الحديث.
تقدّمت نحوهنّ وأنا أستعيد مكالمتها قبل ساعة، حين طلبت مني الحضور فورًا لأمرٍ جلل. اعتذرت لانشغالي، لكنها أصرت، بل وهددت بقطع علاقتها بي إن لم ألبِّ طلبها.
يا الله... لا أصدق ما أرى.
أهذه شيراز؟ وهند؟ وعلياء؟
كلهنّ هناك... كلهنّ ممّن ربطتني بهنّ علاقة “حب” ومودّة... وغيرها.
ما الذي جمعهنّ في مكان واحد، وهنّ لا يعرفن بعضهنّ أصلًا؟
تقهقرتُ خطوةً تمهيدًا للفرار، لكن صوت سهى اخترق المكان:
"تعال يا حبيبنا... اقترب يا معذّب قلوب الفتيات!"
تجمّدت في مكاني. عيون الجميع تسمرت نحوي. أدركت حينها أنني وقعت في شرّ أعمالي.
اقتربت من الطاولة، والعرق يتصبب، رجلاي ترتجفان، وقلبي يكاد يفرّ من صدري. نظراتٌ تلاحقني... وبعض ضحكاتٍ مكتومة. وقفت بصعوبة، دون أن أجرؤ على رفع بصري:
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته...
قاطعتني سهى، بعد أن أشارت للبقية بالصمت:
- سلام؟! عن أي سلام تتحدث يا كازانوفا زمانك؟
- (مرتبكًا) ما خطبك يا سهى؟
- لا تنطق باسمي أيها الرخيص!
انهالت عليّ سبًّا ولومًا. لم أنطق. كنت أعلم أن الضربة قاضية.
قالت إنها تعرّفت على شيراز وهند وعلياء صدفة عبر “الفايسبوك”، وتطوّر التعارف بينهنّ، حتى بدأن يحكين عن علاقاتهنّ. حينها اكتشفن أنهنّ يتحدثن عن الشخص نفسه... أنا.
نفس الوعود... نفس الهدايا... نفس الكلمات.
تبادلن الصور... فتأكدن.
واتفقن على وضع حدّ لهذه المهزلة.
لم أعد أتحكّم في جسدي. أنهكني الوقوف، ومنعنني حتى من الجلوس.
انحنيت... ثم جثوت على ركبتيّ، أبحث عن كلمة، عن مخرج، عن شيءٍ يرمّم ما تهشّم.
انخفض رأسي أكثر... وامتدت يدي في تردّدٍ ثقيل...
لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف، وقالت بصوتٍ حاسم:
"لا سجود لغير الله... ارحل عن وجوهنا، واقطع كل صلة بنا."
انسحبتُ أجرّ أذيال الخيبة، تلاحقني نظراتٌ لا تُنسى.
مرّت السنوات.
كان ذلك اليوم يعود إليّ أحيانًا... كصوتٍ بعيد، كصورةٍ باهتة في ذاكرةٍ متعبة.
ظننتُ أنني تجاوزته.
لكنني، كلما جلستُ في مقهى، وجدتُ نفسي أرفع رأسي دون قصد... أراقب الوجوه... ألتقط ابتسامة عابرة.
اليوم، وأنا على عتبة السبعين، أجلس وحدي في ركنٍ شبه مهجور.
يمرّ الجميع من حولي.
لا أحد يلتفت.
أمدّ يدي إلى هاتفي.
أتردد قليلًا...
ثم أكتب:
"تشرفتُ بمعرفتك...

الخميس، مارس 26، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس 136 بعنوان "سقف حيلتنا")) بقلم الكاتب/ يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا



سقف حيلتنا
لم يكن العسكري الذي كان جالساََ بجواري في حافلة النقل التي تقلنا من دمشق إلى حلب، لم يكن على درجة من ثقافة ودراية بأنماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا آنذاك/1981/ بل كان على الفطرة سواءََ بقلبه أو بعقله أو بوجدانه
لذا رأيت -هذا العسكري- ينفعل بحدة، وتدور عيناه الزرقاوين في محاجرهما إذا سمع كلاما يخالف فطرته النقية أو شعر أن ثمة من يعبث بشفافية كيانه الروحي
ولهذا حين سمع مني -رفيق سفري- مقالة الخبير الروسي في العرب باعتبارهم: مفرطون في حب الطعام، متنطعون في رغباتهم، رأيته وقد انتفخت أوداجه غضباََ من تلك المقالة وراح يشتم و يلعن صاحبها
من هنا رأيتني أعتمد في حديثي مع رفيق السفر هذا أسلوب المحاور الذي يخفف بكلماته من حدة الرأي المخالف لعل ذلك يكون سبباََ في التعامل مع الرأي الآخر بهدوء وأريحية وتأمل، ويتم خلال ذلك التأطير لرؤية مستقبلية منطقية واعدة
وفي محاولة مني لشرح كلمات الخبير الروسي بشيء من عقلانية وموضوعية، قلت لرفيق السفر هذا:
كان من المفترض لهذه الأمة أن تكون على النهج الذي رباها عليه نبيها الأكرم - أي أن تكون على اقتصاد في المأكل والمشرب ونمط الحياة - وحقاََ هكذا كانت الأجيال السابقة لجيلنا، غير أن جيلنا نشأ على إعلام ودعاية وبهارج وزينة، الأمر الذي جعلنا غير منضبطين في مأكلنا ومشربنا وملبسنا وطقوس حياتنا كافة
وفيما كان رفيق سفري ينظر إلي نظرة راغب في سماع ما هو أكثر من ذلك، أردفت له قائلاََ بأن الأدب الرخيص والفن التافه والأفلام والمسلسلات التي سادت في أزماننا هذه كلها ساهم في التكريس لرغبات مستعرة متأججة جعلتنا نتنطع في رغباتنا ونستزيد -إلا من عصمه الله من ذلك وكان على تقى وصلاح ورؤية مستبصرة-
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 136

الأربعاء، فبراير 25، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( نور السماء بين الأرض والسماء )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس







نور السماء بين الأرض والسماء
بقلم: ماهر اللطيف

كانت نور السماء تُقبل على الجميع بوجه منفتح؛ تبتسم لهذا، وتلوّح لتلك، ترقص حينًا مع أمّها وقريباتها، وحينًا آخر مع عبد الرؤوف.

تُطيل النظر أحيانًا في وجوه بعض الغرباء الذين حضروا تلك الليلة إلى قاعة الأفراح لإحياء حفل زفافها به، كأنها تحاول حفظ الملامح أو فكّ لغزٍ غامض.

الموسيقى الصاخبة تنبعث من آلات الفرقة، والزغاريد تتعالى من كل صوب، تختلط بالتهاني والتبريكات وسائر المظاهر المألوفة في مثل هذه المناسبات. كل شيء يوحي بفرحٍ مكتمل، لولا أن نور السماء لم تكن، في حقيقة الأمر، تشبه سائر العرائس.

كانت قد غادرت مقاعد الدراسة منذ سنوات بعد أن تجاوزت السنّ القانوني المسموح به، إثر رسوب متكرر في الفصل نفسه. كانت تستقبل الكلام بوجه مطمئن، تهزّ رأسها موافقة، دون أن يكون للفهم نصيب يُذكر.

وحين تُسمّر عينيها في أحد، تطيل التحديق دون رمش، فيرتبك من أمامها، حتى شاع بين المقرّبين منها أن في نظرتها حدّةً تُربك وتوقع أصحابها في حرجٍ مفاجئ.

ومع ذلك، لم يرَ عبد الرؤوف في كل ذلك ما يَحول دون الافتتان. كان يقول، كلما استُعيدت الحكاية، إن الحب أعمى.

تعرّف عليها قبل قرابة سنة في معرض للأثاث، حيث كان يعرض منتجات مصنعه الصغير. جاءت يومها لمعاينة بيت جلوس، فاوضته في السعر مطولًا، قبل أن يغرم بها على غير توقع، ويمدّ لها بطاقته.

توالت الاتصالات بعد ذلك، ولم يلتقيا إلا مرات قليلة، في بيت عائلتها، بحضور أمّها أو من ينوب عنها.

حين جاء وقت التصوير، صعد الأهل والأصدقاء المقربون إلى المنصة. دبّ التوتر فجأة، وتبادلت العائلتان نظرات متحفزة، ثم كلمات مقتضبة، بسبب ترتيب الصور، كما حصل سابقًا عند مائدة الأكل.

لكن السهرة استأنفت مجراها، وعاد الرقص والغناء، وتحوّل الموقف إلى ضحك عابر، خصوصًا عندما أعجبت نور السماء بحذاء إحدى الراقصات، فأطالت النظر إليه حتى التوت قدم الفتاة وسقطت فجأة، وسط ضحك الحضور.

مع انتصاف الليل، بدأ التعب ينال من الجميع، وشرع المدعوون في مغادرة القاعة جماعات.

أمسك عبد الرؤوف يد نور السماء ليضع خاتم الزواج في إصبعها، وهمس في أذنها بكلمات قصيرة. احمرّ وجهها، تسارعت أنفاسها، وأحست بحرارة تسري في جسدها.

بحثت بعينيها عن أمّها وأختها رؤى، رفعت حاجبيها نحوهما متسائلة، فابتسمتا وصفّقتا مشجعتين.

فجأة، ارتعد جسدها. جذبت يدها بعنف، وصفعته دون سابق إنذار.

ساد الصمت، وتوقفت الفرقة عن العزف، وقفزت أمّها إلى الركح، تبعتها العائلتان، والدهشة تعلو الوجوه.

رمقها عبد الرؤوف بنظرة حادة، شتمها أمام الجميع، وهمّ بردّ الصفعة بأخرى، لولا أن أمسكه والده بقوة محاولًا شلّ حركته.

انفجرت نور السماء بالبكاء والصراخ، ثم قالت، بعد إلحاح الجميع:

– قال لي إنه سيقضي معي ليلة حمراء… سينال مني كما يشتهي.

ساد وجوم ثقيل، قطعه صوت أمّها الخافت:

– وما العيب في ذلك يا ابنتي؟ أليس من حقه؟

صرخت نور السماء:

– كيف ذلك؟ هل سأذهب إلى بيت رجل غريب؟ هل سأبيت الليلة بعيدًا عن عائلتي؟

ضحك بعض الحضور، فيما حاول عبد الرؤوف احتواء الموقف، فاحتضنها قائلًا:

– أنا زوجك، على سنة الله ورسوله. سنذهب إلى منزلنا ونبدأ حياتنا.

دفعت صدره بعناد:

– لا! لن أترك عائلتي، سأعود معهم الآن.

تأرجحت حالتها بين الضحك والبكاء، بين النفور والارتماء في حضنه، بين نظرات حادة تُربك من حولها، ورأس مطأطأ يستجدي الطمأنينة.

ومع اقتراب الفجر، خفَتَت الأصوات، وفرغت القاعة إلا من العروسين والعائلتين.

رفضت نور السماء مرافقة زوجها مرة أخرى، لا صراخ هذه المرة، بل بإصرار صامت. كانت تهزّ رأسها فقط، وتنظر تارة إلى أمّها، وتارة إلى عبد الرؤوف، كأنها تنتظر جملة لم تُقل، أو معنى لم يصلها بعد.

اقترب منها عبد الرؤوف، مدّ يده بحذر، فترددت، ثم تركتها معلّقة في الهواء، لا تمسكها ولا ترفضها.

تقدّم الجميع خطوة، ثم تراجعوا خطوة أخرى، عاجزين عن الفهم.

وحين انفتح باب القاعة على خيوط الصباح الأولى، كانت نور السماء ما تزال هناك، بثوبها الأبيض، لا إلى بيت أهلها عادت، ولا إلى بيت زوجها مضت.

بين الأرض والسماء علّقت حياتها،

وبين كلمتين لم تُفهما بعد، ظلّ الزواج واقفًا…

مثل خاتمٍ لم يُعرف بعد في أيّ إصبعٍ يُلبس.

مجلة وجدانيات الأدبية(( محال أنهم عرب))بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُحالٌ أنّهمْ عرَبٌ بناياتٌ مُدَنِّسَةٌ سماءَ الربِّ بالكُفرِ تُثيرُ غرائِزًا تسْعى إلى الشَّهواتِ والْعُهْرِ حِجارَتُها تُذَكِّرُنا بِقومِ ...