********************
الغرق في مياه دافئة
طوال حياته، كان "أمين" يعيش وفق جدول صارم لا مكان فيه للمفاجآت. رجل أربعيني، أمضى سنواته في بناء عمله كمهندس برمجيات، معزولاً في مكتبه وبين أكواده، يرى العلاقات الإنسانية مجرد "معادلات" يمكن التحكم في نتائجها. كان يعيش في تلك العزلة الباردة التي اختارها لنفسه، ظاناً أنها تحميه.
ثم ظهرت "مريم" في حياته كمشرفة على مشروع جديد في الشركة.
لم تكن مريم خارقة الجمال، لكنها كانت تملك حيوية غريبة، عفوية في الضحك، ودافئة في تعاملها مع الجميع. بالنسبة لأمين، كان هذا الحب "بلا تفسير ولا تبرير". حاول عقله والمنطق الذي يقدسه أن يجد سبباً لعدم التفكير بها: فهي تصغره سناً، وتختلف عنه في كل شيء. لكن، كلما حاول الابتعاد منطقياً، ازداد في داخله صدق الانجذاب نحوها. شعر بنوع من الجنون اللذيذ والمخيف يسكنه؛ جنون يلتهم حصانته العقلانية التي بناها عبر السنين.
مثل رجل قادم من صقيع العزلة، استسلم أمين فجأة لهذا الدفء. بدأ يتسلل إلى حياتها بتفاصيل صغيرة؛ يشاركها فنجان قهوة الصباح، يستمع لأدق تفاصيل يومها، ويغمرها باهتمام لم يظن يوماً أنه يملكه. كانت مريم عارية من الحيل، واضحة ومستعدة لتقبله، فتعلق بها بكل جوارحه، وامتص من بهجتها ما أعاده إلى الحياة مجدداً. لشهور، عاش أمين حقيقة أنه وُلد من جديد، وكأن وثاقاً سحرياً يربطه بها.
لكن، الخوف القديم لا يموت بسهولة.
مع تعمق العلاقة، واقتراب خطوة الارتباط الحقيقي، بدأت تطفو على السطح ذكريات عزلته السابقة، وخوفه المرضي من الالتزام وفقدان السيطرة على حياته المرتبة. شعر أمين فجأة بأنه غريب عن هذا الشاطئ الدافئ، وأن طبيعته الحقيقية هي تلك "المياه الداكنة الباردة" التي جاء منها.
بلا مقدمات واضحة، ومع أول خلاف عابر، اتخذ أمين قراراً لا يقل جنوناً عن حبه، الانسحاب.
أنهى مشروعه في الشركة، وطلب نقلاً لفرع آخر، وقطع تواصله ببطء شديد وببرود غريب. نفث في لقائه الأخير كلمات وداع مبهمة تركت مريم في حيرة وتساؤل، ورحل عائداً إلى عزلته الاختيارية.. إلى مياهه الباردة، تاركاً خلفه قلباً كان قد بدأ يتعلم كيف ينبض.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق