حارس الجوز
من حماية الظل إلى خيانة الجذور
كان "سالم" رجلاً يُتقن لغة الصمت أكثر من كلام البشر. رجلٌ غامض، يبدو كأنه خُلق من طين هذه الأرض وجذوعها. ولأنه يفرّ من ضوضاء العالم، اختار مهنةً تشبهه: حارس الغابة.
استقر وحيداً في كوخٍ خشبيّ صغير، بناه بيمناه في قلب غابةٍ شاسعة من أشجار الجوز المعمرة. كانت مهمته واضحة ومقدسة: حماية هذه الكائنات الخضراء الشامخة من المفترسين، والعابثين، وفوق كل شيء... من فؤوس الحطابين التي لا ترحم.
تمر الأيام متشابهة، يلفّها سكون مطبق. لكن العزلة، مهما كانت أليفة، بدأت تأكل من أطراف روحه. شعر سالم بوحدة قاتلة، وبحاجة إلى غاية أسمى تبرر وجوده المنفرد. من رحم هذا التناقض، وبسرية تامة، أسس سالم تنظيماً خفياً سماه: "أخوية الحطابين الأحرار".
لم يكن هدفهم تدمير الغابة، بل كانت لديهم غاية نبيلة تدغدغ ضمائرهم: "نجمع أشجار الجوز التي ماتت بشكل طبيعي، نقطعها، ونبيع خشبها الثمين في الخفاء. والمال؟ ليس لجيوبنا، بل لتأسيس دار نشر مستقلة تطبع وتنشر كتب الأدباء والمفكرين السجناء في دول الديكتاتورية".
كانت معادلة ساحرة في رأس سالم. تحويل حطب الأشجار الميتة إلى أوراق حية تحمل أنفاس الحرية لمن سُلبت حريتهم خلف القضبان.
نجح المشروع، وكبرت دار النشر، وبدأت كتب السجناء تخرج إلى النور حاملةً رائحة خشب الجوز. لكن، ومع اتساع الطموح وزيادة الطلب على الدعم المالي، بدأت الأخشاب الميتة تشحّ.
هنا، انزلق سالم وأخويته إلى المنحدر المظلم. بدأوا، بدافع الحاجة وتحت مبرر "الغاية تبرر الوسيلة"، بمدّ فؤوسهم إلى الأشجار الحية. في البداية، كانت شجرة واحدة مريضة، ثم شابة، ثم تحول الأمر إلى مجزرة صامتة لأشجارٍ كان سالم يوماً حارسها الأمين. تحول الحامي إلى قناص، والملجأ إلى مقبرة.
في إحدى الليالي، وبينما كانت الفؤوس تهوي على جذعٍ حيّ يئن، لم يحتمل أصغر أعضاء الأخوية سناً هذا المشهد. شعر الفتى بأنهم يغتالون الرئة التي تنفسوا منها النبل. وبدافعٍ من وخز الضمير الخالص، توجه إلى السلطات واعترف بكل شيء.
لم تكن المحاكمة عادية. لقد هزّت القضية الرأي العام، وتردد صدى تفاصيلها في كل غابات البلاد. كانت صدمة للجميع: كيف يبيع حارس الغابة أطفالها؟ وكيف يخدم الحرية بقطع شريان الحياة؟
رغم الصدمة، كانت هذه المحاكمة نقطة تحول تاريخية في البلاد. كانت الشرارة التي أطلقت وعياً جديداً؛ حيث بدأت حملات وطنية كبرى لحماية الغابات، وفرض قوانين صارمة، وإطلاق مشاريع ضخمة لغرس أشجار جديدة بديلة للحفاظ على التوازن البيئي واستدامة المهن المرتبطة بالخشب بشكل قانوني وأخلاقي.
أما سالم، فقد عاد إلى صمته، خلف قضبانٍ تشبه تلك التي حاول تحرير الكتاب منها، تاركاً خلفه غابةً بدأت تنبت من جديد، لكن هذه المرة... بحراسة وعي أمة كاملة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق