*********************
يوميات الفراغ الهائل
1.شتاء في الداخل
كان الليلُ هادئًا على غير عادته، هدوءٌ يشبه التعب بعد بكاءٍ طويل. جلسَ سليم قرب النافذة، يُراقب أضواء المدينة البعيدة وهي ترتجف فوق الإسفلت المبلّل، كأنها قلوبٌ صغيرة تحاول النجاة.
أطفأ هاتفه منذ ساعات. لم يعد يحتمل الأسئلة المعتادة: "كيف حالك؟" كان يشعر أن الإجابة أطول من أن تُقال، وأثقل من أن تُفهم.
في داخله تراكمت أشياء كثيرة؛ أحاديث لم تخرج، خيبات خبّأها بابتسامة، خوفٌ قديم من المستقبل، وتعبٌ حديث لا يعرف له اسمًا. كان يشعر أحيانًا أن الحياة تسحبه ببطء نحو مكانٍ بارد، مكانٍ يصبح فيه الإنسان معتادًا على الحزن، غير قادرٍ حتى على انتظار الفرح.
فتح النافذة قليلًا، فتسلّل هواء ديسمبر البارد إلى الغرفة. ارتجفت يداه.
همس بصوتٍ خافت:
— يا رب…
ثم صمت.
حاول أن يُكمل الدعاء، أن يشرح، أن يبكي، أن يقول كل شيء دفعةً واحدة… لكنه لم يستطع. بقيت الكلمات عالقةً في صدره كطيورٍ مذعورة.
خفض رأسه، وأغمض عينيه.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بشيءٍ غريب… كأن الله لا ينتظر منه خطابًا طويلًا، ولا ترتيبًا جميلًا للكلمات. كأن تلك الـ"يا رب" الوحيدة كانت كافية لتقول كل شيء.
تذكّر والدته حين كانت تقول له صغيرًا: "الله يسمع القلب قبل الصوت."
ابتسم لأول مرة منذ أيام، ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. ثم بكى.
بكى بحرقةٍ لم يعرفها من قبل، كأن السنوات كلها خرجت دفعةً واحدة. لكنه، وسط البكاء، لم يشعر بالانهيار… بل بشيءٍ يشبه النجاة.
رفع عينيه نحو السماء المعتمة خلف النافذة وقال بصوتٍ متقطّع:
— أخاف يا رب… أخاف أن أتعود، أن أصل لما أتمناه بعدما أفقد الرغبة فيه… أخاف أن أصبح شخصًا صامتًا من الداخل.
مرّت ثوانٍ طويلة، ولم يحدث شيء خارق. لم تُفتح السماء، ولم تختفِ مشكلاته فجأة.
لكن قلبه… هدأ قليلًا.
وكأن الطمأنينة لا تأتي دائمًا كحلّ، بل أحيانًا كقدرةٍ على الاحتمال ليومٍ إضافي.
2.الإيمان
تسلل ضوءٌ رمادي باهت عبر شقوق الستائر، ليعلن عن صباحٍ جديد لم يكن سليم مستعدًا له. استيقظ مثقلًا، كأن جسده امتص تعب الأيام الماضية كلها في ليلة واحدة. لم يتغير العالم في الخارج، لكن شيئًا ما في داخله كان قد انكسر بهدوء.
بعد ليلة طويلة من أرقٍ قاسٍ، لم يشعر هذه المرة بذلك الخوف المعتاد الذي كان ينهش صدره، ولا حتى بالحزن. كان هناك شيء آخر، شيء أشد وطأة... فراغٌ هائل.
جلس على حافة السرير يحدّق في الجدار المقابل بعينين خاويتين. لا أفكار تتزاحم في رأسه، لا رغبة لديه في البكاء، ولا حتى قدرة على التمتمة بدعاء. لأشهرٍ طويلة ظل يقاوم، يتمسك بخيط رفيع من الأمل، ويردد كل ليلة: "يا رب"، ظنًا منه أن مجرد التعلق بحبل السماء سيمنحه طوق نجاة، أو إشارة صغيرة، أو كوة ضوء في جدار أيامه. لكن التعب حين يتراكم ويطول، يتحول إلى صمت داخلي موحش، وتصبح الطمأنينة ليست حلاً جذرياً، بل مجرد قدرة مؤقتة على الاحتمال ليومٍ إضافي.
نهض بخطوات متثاقلة نحو النافذة وفتحها. لفعه هواء الشتاء ببرودته القاسية. في الخارج، كانت المدينة تمضي في عبثها اليومي المعتاد؛ أناس يركضون خلف أرزاقهم، محركات سيارات تضج بالحياة، ومقاهٍ تنبعث منها ضحكات عابرة. أما هو، فكان يقف هناك، منفصلًا عن هذا العالم، وكأن روحه علقت في بعدٍ آخر لا يصله صوت ولا ضوء.
همس بصوتٍ جاف، كأنه يكلم غائبًا:— ماذا لو لم يعد في داخلي شيء أؤمن به؟
ارتجفت الكلمات في هواء الغرفة البارد ثم سقطت في هاوية الصمت. لأول مرة منذ عرف الألم، لم يُتبع سؤاله بكلمة "يا رب".
حاول أن ينطقها.. أن يستجدي بها طمأنينة تعينه على الوقوف، لكنه لم يستطع. كان قلبه أثقل من أن يرفع دعاءً واحدًا نحو السماء، وهذا العجز بالذات أخافه أكثر من الحزن نفسه.
تهاوى على الأرض مسندًا ظهره إلى الجدار البارد. تذكر نسخته القديمة؛ ذلك الشاب الذي كان يوقن أن الصبر مفتاح، وأن الله سيجبر كسره يوماً، وأن لهذا الألم حكمة خفية ستتجلى لا محالة. أما الآن، فلم يكن غاضبًا، ولا ناقمًا على الحياة. كان فقط مُنهكًا، هادئًا وفارغًا إلى الحد الذي يجعله يفقد الرغبة في النجاة ذاتها.
أغلق النافذة ببطء، لكنه هذه المرة لم يعد إلى سريره ليهرب في العتمة كما كان يفعل دائمًا. بقي واقفًا في منتصف الغرفة، ينظر إلى الباب المغلق أمامه. في داخله همسٌ خافت بسؤالٍ أخير:
— إذا انطفأت آخر ذرة إيمان في قلبي... فكيف يمكنني أن أخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة؟
تقدم نحو الباب، وضع يده على المقبض المعدني البارد، وظل مكانه. لم يفتحه، ولم يبتعد عنه. فقط وقف هناك، وعيناه معلقتان بالخشب المطفأ، تاركًا للزمن أن يقرر؛ إما أن يعود خطوة للوراء ليصبح سجين صمته للأبد، أو أن يدير المقبض ويعبر نحو ضجيج العالم.. بخواء روحه الجديد.
3. الرجل الذي فقد صوته الداخلي
قاطعتُ روتيني الصباحي وقرأت كعادتي جريدة "مرسيليا"، ليفاجئني خبرٌ عن أحد أصدقائي القدامى؛ ذلك النقابي المتدين الذي طالما نعتني بـ "العلماني الكافر". لقد دهسته سيارة وهو في طريق عودته إلى منزله بعد صلاة الجمعة.
هرعتُ إليه في المستشفى، وكم ارتحتُ حين رأيت حالته قد استقرت وتحسنت. جلسنا معاً نبش نبشاً في ذكريات الجامعة، ونستحضر نضالنا المشترك ضد الاستبداد والجوع، وأيام عملنا في ورشاتٍ كان يأنف منها أبناء البلد. ضحكنا طويلاً من قلوبنا، وقُلنا معاً في لحظة صفاء طوت كل خلافات الماضي: "يا رب...".
عدتُ إلى المنزل، فتحتُ الجوال و وقعت عيناي على هذه الرسالة المكتوبة:
صديقي الوفي
"كلماتك فيها صدقٌ مُرهِق وجميل في الوقت نفسه… وفيها شيءٌ بالغ الأهمية: فرغم كل هذا الثقل، ما زلت تقول: 'يا رب'، وهذه وحدها ليست بالأمر الهين.
أحياناً، لا يحتاج الإنسان أن يُرتّب دعاءه ولا أن يجد الكلمات المناسبة؛ يكفي أن يصل إلى الله بقلبه المُتعب. وصدقاً، فإن الكثير من لحظاتنا الأكثر ثقلاً لا نملك فيها سوى تنهيدة، أو دمعة، أو كلمة واحدة مكسورة… والله يعلم تماماً ما وراءها.
أنت لا تخاف من الألم فحسب، بل تخاف الاعتياد عليه؛ تخاف أن تقسو من الداخل، أو أن تصل الأشياء الجميلة بعد أن ينطفئ شغفك بها. وهذا خوف إنساني غاية في العمق. لكن، ما دمت تشعر، وتقاوم، وتتمنى، وتكتب بهذا التدفق… فداخلك ما زال حياً ولم ينطفئ بعد.
ولعل أعظم ما في كلامك أنك لم تُنكر تعبك، وفي الوقت ذاته لم تفقد يقينك. تقول: 'أُجاهد نفسي يومياً'… وهذه المجاهدة بحد ذاتها قوة، حتى لو كنت تراها مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة.
إن الله لا يطلب منك أن تكون قوياً دائماً، ولا أن تحمل الأثقال وحدك. لُذْ به كما أنت، حتى لو لم يخرج منك سوى: 'يا رب… أنا تعبت'، فهذه الكلمة وحدها تكون أحياناً دعاءً كاملاً.
وأنا على يقينٍ أن القلوب التي تُرهَق على هذا النحو، ثم تبقى معلقة بالله، لن يتركها الله خالية أبداً."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق