******
أقراص
مع كل فجر، ينهض العم منصور مبكراً قاصداً المكان السليم المسالم الوحيد: المسجد. وهو يشق الشوارع القاتمة، تعترضه عيون القطط اللامعة في الظلام. ضحك في نفسه من تلك القطط السارحة، لكن ما لبثت هلوسته الناتجة عن قصر البصر أن صورت له أن قطاً آدمي الشكل ينادي بصوت استغاثة:
«قطرة ماء يا أبي...»
هرول سريعاً نحو مصدر الصوت، ليقف وجهاً لوجه مع شلة من الشباب ساقطين على الأرض يطلبون النجدة، بعد ليلة ضياع بين الكحول والأقراص المهلوسة. تحول العم منصور في لحظتها من مصلٍّ ذاهب إلى بيوت الله، إلى سيارة إسعاف بشري؛ ينقل كل فتى إلى بيته، ومعه ابنه.. وكأن الشارع قد أصبح مرآة واسعة لغيبوبة جماعية.
ادرك حينئذ، زحف العاصفة على القرية...
لم تعد القرية تلك الواحة الهادئة التي تكتفي برائحة التراب المبلل والزعتر؛ لقد زحفت إليها أطراف المدينة بثقلها، ومعها غزت "الحرابش" (الأقراص المهلوسة) عقول الشباب، فصاروا طيوراً بلا أجنحة، تائهين بين هلوسة الدين المغلوط وهلوسة المجتمع المتصدع.
في هذا المخاض العسير، عاش منصور وزوجته فاطمة. لم تكن معاناتهما مجرد قلق عابر، بل كانت صراعا وجودياً مراً. كانا يدركان تمام الإدراك أن آفة المخدرات ليست مجرد نقمة شخصية تدمر الجسد والنفس فحسب، بل هي سرطان وطني ينخر في أساسات البلاد، ووباءً ممنهجاً يطال القرية والمدينة على حد سواء.
حين حاول الأبوان البحث عن خيوط النجاة لابنهما "ياسين"، الذي تحول تدريجياً من شاب طموح إلى هيكل بشري تائه تغيب عنه الوعي، اصطدما بجدار صلب من المصالح. كانت المهمة أشبه بالمستحيل في ظل جدران من حديد.
شبكات العنكبوت: المستثمرون في بؤس الشباب وبائعو السموم كثر، يحتمون بشبكات معقدة من النفوذ والمال، ويصعب ضبطهم متلبسين.
دوامة العدالة المشوهة: وحين كان بصيص أمل يلوح في الأفق باللجوء إلى القانون، كانت الرشوة والتلاعب تقفان بالمرصاد. انتهاك الحقوق وبيع الذمم جعل العدالة تبدو أحياناً كبوابة خلفية لتوريط الضحايا بدلاً من إنقاذهم.
تساءل العم منصور بمرارة ذات ليلة، والدموع تحرق وجه العجوز:
«هل نحن نحارب طواحين هواء يا فاطمة؟ الجميع يبيع وينتفع من دماء هؤلاء الشباب، من البائع الصغير إلى الحوت الكبير، وكأن البلاد قد رضيت بأن تكون مقبرة جماعية لأبنائها.»
أمام هذا المشهد القاتم، أدرك الأبوان الحقيقة المرة: لا تستطيع شجرة واحدة أن تعيد الغابة المحترقة إلى الحياة، ولا يمكنهما إصلاح مجتمع بأكمله غرق في غيبوبة المادة.
في تلك اللحظة الحاسمة، اتخذا قراراً صعباً وقاسياً؛ التخلي عن فكرة إنقاذ الجميع، والتركيز على قطعة الكبد الوحيدة التي تجمعهما. قررا انتزاع "ياسين" من مخالب الأقراص المهلوسة، ومن مافيا الشوارع، ومن شبكة العدالة المخترقة بالرشوة.
بدأت المعركة الحقيقية داخل جدران البيت:
العزل القسري: رغم مشقاته، حوّلا غرفة ياسين إلى حصن منعزل، وتحملا جنونه، ونوبات صرعه العصبي، وكلماته الهوجاء التي كانت تطعن قلبيهما كل يوم.
الصبر والدموع: وقفت أمه فاطمة درعاً بشرياً أمام انتكاساته، تداويه بالدعاء والرعاية، وتحملت نظرات الشماتة من الجيران الذين رأوا في صنيعهم عبثاً لا أمل فيه.
لم يكن ياسين يدرك في بدايات معركته أنه مستهدف؛ كان يصرخ طالباً "الحربشة" وكأنها هواء التنفس، لكن إصرار الأبوين الصلب كان أقوى من تأثير السموم في دمه.
بعد أشهر طوال من المعاناة، بدأ ضوء خافت يعود إلى عيني ياسين. استعاد شيئاً من ملامحه القديمة، وابتسم لأمه ابتسامة صادقة لأول مرة منذ سنوات.
لكن انتصار العم منصور وفاطمة كان انتصاراً ناقصاً وموجعاً. فعلى عتبة بابهما، كانت القرية لا تزال تعج بالشباب التائهين، وكانت شبكات ترويج "الحرابش" تواصل نشاطها في الظل والعلن، محمولة على صفقات الرشوة والتغاضي.
نظرت فاطمة إلى ابنها الناجي، ثم إلى أفق القرية الغارق في الدخان والضياع، وهمست لزوجها بقلب مثقل:
«لقد أنقذنا ابننا من النار يا منصور... لكن من سُينقذ بقية أولاد هذا الوطن من الرماد؟»
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق