رجة قلب بقلم: ماهر اللطيف/ تونس
المكان مكتظّ بالروّاد من الجنسين، فرادى وجماعات. لا موطئ قدم. الدخان يغزو الأرجاء، يفتك بما تبقّى من هواءٍ نقي، ويجعل الرؤية ضبابية متعبة. وجوه مستبشرة، ضاحكة، وأصوات تتعالى من كل حدب وصوب، حتى بدا المشهد شبيهًا بهتاف جماهير الملاعب.
بعد جهدٍ جهيد، لمحتُ سهى جالسة في أقصى المقهى، قرب البلور الزجاجي، برفقة فتيات أخريات لم أتبين ملامحهنّ في البداية. كنّ يحتسين مشروباتهن ويتبادلن أطراف الحديث.
تقدّمت نحوهنّ وأنا أستعيد مكالمتها قبل ساعة، حين طلبت مني الحضور فورًا لأمرٍ جلل. اعتذرت لانشغالي، لكنها أصرت، بل وهددت بقطع علاقتها بي إن لم ألبِّ طلبها.
يا الله... لا أصدق ما أرى.
أهذه شيراز؟ وهند؟ وعلياء؟
كلهنّ هناك... كلهنّ ممّن ربطتني بهنّ علاقة “حب” ومودّة... وغيرها.
ما الذي جمعهنّ في مكان واحد، وهنّ لا يعرفن بعضهنّ أصلًا؟
تقهقرتُ خطوةً تمهيدًا للفرار، لكن صوت سهى اخترق المكان:
"تعال يا حبيبنا... اقترب يا معذّب قلوب الفتيات!"
تجمّدت في مكاني. عيون الجميع تسمرت نحوي. أدركت حينها أنني وقعت في شرّ أعمالي.
اقتربت من الطاولة، والعرق يتصبب، رجلاي ترتجفان، وقلبي يكاد يفرّ من صدري. نظراتٌ تلاحقني... وبعض ضحكاتٍ مكتومة. وقفت بصعوبة، دون أن أجرؤ على رفع بصري:
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته...
قاطعتني سهى، بعد أن أشارت للبقية بالصمت:
- سلام؟! عن أي سلام تتحدث يا كازانوفا زمانك؟
- (مرتبكًا) ما خطبك يا سهى؟
- لا تنطق باسمي أيها الرخيص!
انهالت عليّ سبًّا ولومًا. لم أنطق. كنت أعلم أن الضربة قاضية.
قالت إنها تعرّفت على شيراز وهند وعلياء صدفة عبر “الفايسبوك”، وتطوّر التعارف بينهنّ، حتى بدأن يحكين عن علاقاتهنّ. حينها اكتشفن أنهنّ يتحدثن عن الشخص نفسه... أنا.
نفس الوعود... نفس الهدايا... نفس الكلمات.
تبادلن الصور... فتأكدن.
واتفقن على وضع حدّ لهذه المهزلة.
لم أعد أتحكّم في جسدي. أنهكني الوقوف، ومنعنني حتى من الجلوس.
انحنيت... ثم جثوت على ركبتيّ، أبحث عن كلمة، عن مخرج، عن شيءٍ يرمّم ما تهشّم.
انخفض رأسي أكثر... وامتدت يدي في تردّدٍ ثقيل...
لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف، وقالت بصوتٍ حاسم:
"لا سجود لغير الله... ارحل عن وجوهنا، واقطع كل صلة بنا."
انسحبتُ أجرّ أذيال الخيبة، تلاحقني نظراتٌ لا تُنسى.
مرّت السنوات.
كان ذلك اليوم يعود إليّ أحيانًا... كصوتٍ بعيد، كصورةٍ باهتة في ذاكرةٍ متعبة.
ظننتُ أنني تجاوزته.
لكنني، كلما جلستُ في مقهى، وجدتُ نفسي أرفع رأسي دون قصد... أراقب الوجوه... ألتقط ابتسامة عابرة.
اليوم، وأنا على عتبة السبعين، أجلس وحدي في ركنٍ شبه مهجور.
يمرّ الجميع من حولي.
لا أحد يلتفت.
أمدّ يدي إلى هاتفي.
أتردد قليلًا...
ثم أكتب:
"تشرفتُ بمعرفتك...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق