عودٌ على بدء
بقلم ماهر اللطيف/تونس
عادت بي الذاكرة فجأة…
لا تمهيد، لا سبب واضح… فقط لمحة، ثم اتّسعت.
رأيته.
احتجت ثواني لأتعرف عليه،
ثم عرفته دفعة واحدة… كما تُعرف الأشياء التي لم تغادرنا يومًا.
بول.
أربعون سنة مرّت عليه، تركت أثرها دون رحمة:
جسد نحيل، وملامح أرهقها الزمن، وتجاعيد لا تخفي شيئًا.
كان المكان هو نفسه.
ضواحي باريس، العشب الممتد، العائلات المتناثرة، وأصوات الأطفال تتقافز في الهواء.
يوم أحد… من أفريل.
ابتسمتُ.
كأن الزمن دار دورة كاملة… وعاد.
…
يومها، كنت أخفّ.
أقرأ… وأتشتت… وأضحك بسهولة.
كتاب فوق صدري،
وعيناي بين السطور والوجوه.
كنت أترك الوقت يمرّ،
دون أن أفكر أنه قد يمرّ… دوني.
كنت أعدّ غدائي على مهل،
حين اقترب.
شاب طويل، أنيق، أشقر…
يحمل حضوره بثقةٍ خفيفة.
انحنى:
– هل أنتِ وحدك؟
– نعم.
جلس، ببساطة من اعتاد القبول.
تحدثنا قليلًا… أو هكذا بدا.
ثم قال فجأة:
– لنذهب إلى منزلك، برنادات.
نظرت إليه.
لم أندهش… بل شعرت بشيءٍ آخر، شيءٍ لم أسمّه.
ابتسمت ابتسامة مائلة:
– ولم لا؟ نشتري نبيذًا… ننسى به ما يجب أن يُنسى.
اقتربت منه أكثر:
– لكن… كم ستدفع؟
تغير وجهه.
تراجع صوته، تكسّرت كلماته، وبدأ يشرح… يبرر… يعتذر.
لم أكن أستمع.
كنت أفكر:
لماذا أنا؟
كل هؤلاء النساء…
وأنا؟
سألته.
قال، دون تفكير:
– طريقتك… جسدك… بشرتك…
توقّف.
طلبت منه أن يغادر.
…
غادر.
وبقيتُ.
راقبته وهو يبتعد،
ثم يجلس مع أخرى… ثم أخرى…
وكان يُقبل.
في كل مرة.
إلا عندي.
مددت يدي قليلًا…
ثم سحبتها.
وبقي المقعد المقابل… فارغًا.
…
اليوم، تكرر المشهد.
نفس المكان.
نفس الضوء تقريبًا.
لكن شيئًا ما… لم يعد كما كان.
كان بول يحاول.
يبتسم، يقترب، يقول نفس الكلمات…
لكنها كانت تسقط قبل أن تصل.
لا أحد يصغي.
اقتربتُ منه.
– بول…
التفت.
نظر إليّ… كأنه يبحث في وجهي عن شيءٍ قديم ولم يجده.
قال بهدوء:
– أبحث عن شابة تعيد لي بعض بريقي…
لا عن وجهٍ يذكّرني بما مضى.
ثم مضى.
هذه المرة… وحده.
…
عدتُ إلى مكاني.
الدفتر كان هناك.
والقلم.
جلست.
كتبت:
"نفس المكان…
نفس البداية…"
توقفت.
نظرت إلى المقعد المقابل.
كان فارغًا… كما تركته.
أضفت:
"لكننا…"
ترددت.
مددت يدي نحو الصفحة…
ثم أغلقت الدفتر.
بقيت الجملة ناقصة.
تمامًا…
كشيءٍ آخر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق