رؤية مباغتة
بقلم: ماهر اللطيف
نظرت إلى ساعتها، فإذا بها تشير إلى الثانية ظهرًا. حملقت في كل اتجاه وهي تقف عند مفترق الطرق الرئيسي في المدينة. لم يطل إلياس بعد. تنهدت وهي تعبث بخصلات شعرها الحريري الأسود المنسدل على ظهرها، وتمتمت بصوت خافت:
– "أظنه موعدًا عربيًا… لا يحترم الوقت، فالوقت لا يحترمنا."
مرت الدقائق، فإذا بالساعة تشير إلى الثانية والربع. كان المشاة يتجمهرون في الجهة الأخرى من الطريق استعدادًا لعبوره. لمحته بينهم. أنيق، طويل القامة، مفتول العضلات، وسيم الملامح، يفيض وجهه بشاشةً ووقارًا.
أشار لها من بعيد كي تلتحق به. تجمدت في مكانها، مأخوذة بجاذبيته، متذكرة كيف بدأت معرفتهما منذ عام عبر "الفايسبوك": رسائل متبادلة، صور، تفاصيل يومية، ووعود بالإخلاص والوفاء. وها هما اليوم يقفان على عتبة مرحلة جديدة تؤرخ لحبهما الوليد.
لكنها لم تنتظر تبدل الإشارة، ولم تلتفت يمنة ولا يسرة. اندفعت تتخطى الحشود لتلحق به. وإذا بسيارة مسرعة تشق الطريق كالمجنونة خوفًا من تبدل الضوء، تصطدم بها بقوة… طارت في الهواء وهي تصرخ:
– "أحبك يا إلياس!"
ركع إلياس وهو يصرخ بحرقة:
– "لماذا يا حبيبتي؟ لماذا رحلتِ قبل أن نبدأ؟ استفيقي، عودي إلى صدري… دعيني أتنفس أنفاسك وأسمع دقات قلبك."
وفجأة شعرت بيدٍ تهز كتفها. انتفضت من غفوتها، وقد عاد الضوء الأحمر يسطع في وجوه المشاة. مسحت عرق جبينها، وارتجف جسدها من الخوف، وكأن الحمى قد تسللت إلى عروقها. استغفرت، سبحت، حوقلت، وتقهقرت خطوات إلى المقاعد العمومية. جلست، فتحت قارورة الماء، ورطبت حلقها وهي تذكر الله.
استعادت شيئًا من توازنها، لكن ما إن تذكرت إلياس حتى ارتجفت من جديد كمن صُعق. التفتت إلى الضفة الأخرى، فرأته يبتسم. أشارت إليه أن يلتحق بها، خشية أن تتحقق تلك الرؤية اللعينة.
لم تمر لحظات حتى كان أمامها، مذهولًا مما رآه. صافحها، وقبّل خديها برفق، ثم قال بصوت خشن بدا متناقضًا مع مظهره الساحر:
– "ظننتك ندمتِ على لقائي. تسمرتِ مكانك حين دعوتك، ثم تقهقرت وجلست، وأشرتِ لي بالمجيء."
قهقهت بصوت عالٍ لفت انتباه المارة، ثم أمسكت يده قائلة:
– "لن تصدق ما جرى لي في هذه اللحظات."
وسردت له رؤيتها العجيبة.
ابتسم مستهزئًا:
– "وما نوع السيارة؟ أكان سائقها رجلًا أم امرأة؟" (يضمها برفق) "ما هذا الهراء يا رابعة؟ أظن أن جنونك طبيعي لا مكتسب."
قاطعته، وهي تضحك:
– "كف عن التنمر والاستخفاف بمشاعري. إن كان لقاؤنا الأول قد بدأ بهذه الأحداث، فكيف ستكون لقاءاتنا المقبلة؟"
ضحكا طويلًا، وتبادلا الحديث والمشاعر، وتشابكت أصابعهما وهما يتوجهان نحو مقهى في آخر الطريق. جلسا، شربا، أمضيا وقتًا جميلًا ألهب مشاعر الحب والود بينهما. وعند الغروب غادرا المكان، كلّ إلى وجهته.
وقبل أن يصعد الحافلة المتجهة إلى قريته، قبّلها إلياس وقال مبتسمًا:
– "انتبهي عند عبور الطريق… وركّزي جيدًا في نوع السيارة وجنس سائقها!"
أما رابعة، فبقيت واقفة في مكانها لحظات، تتأمل حركة السيارات التي تعبر تباعًا. لم تجرؤ على التقدم. تساءلت في سرها:
"أهي مجرد أوهام نسجها عقلي؟ أم أن القدر أطل عليّ مبكرًا ليمتحنني؟ أيمكن أن تكون الرؤية حياةً لم أعشها، أو موتًا لم يحن بعد؟"
ارتجفت، وأمسكت بحقيبتها بقوة، ثم خطت خطوة صغيرة إلى الأمام.
لكنها في تلك اللحظة شعرت أن الطريق لم يعد مجرد معبر إلى الضفة الأخرى… بل صار معبرًا إلى المجهول.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق