الأحد، نوفمبر 23، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( أوديســا الهاويــة )) بقلم الأديب بن عيسى محمد



النص الأدبي المنقّح مع التشكيل والتقسيم

أوديســا الهاويــة

منذُ أبدٍ بعيدٍ،
وهوَ يسكُنُ كَهفَهُ العَميق… العَميقِ جدًّا.
ليسَ كَهفًا حفَرَتهُ الطَّبيعةُ،
بل كَهفًا في داخِلِه
افتَتَحَتْهُ الحَياةُ
ونَسِيَتْ أن تُغلِقَهُ.

كانَ الليلُ في بَدَاياتِهِ
يبدو مألوفًا،
قابِلًا للتَّعايشِ معهُ أو تَحمُّلِهِ.
لكنَّ الهاوِيَةَ
كانتْ شيئًا آخر…
مُختلِفًا تمامًا.

كانت كائنًا لهُ فَمٌ،
وعُيونٌ مفتوحةٌ لا تَومِضُ،
وقلبٌ ذوُ مِخالبَ،
كائنًا يُطعِمُ نَفسَهُ
مِن بَقايا ذاتِهِ،
مِن المَعنى في داخِلِه،
ومِن الفَرَحِ والأهواءِ
والغِبطةِ والحُزنِ والخوفِ والألَمِ.

كانَ يسمَعُها أحيانًا
تَقضِمُ ذِكرَيَاتِهِ،
أو تَلعَقُ خَيباتِهِ،
أو تَـمضُغُ الخوفَ
الذي كانَ يسكُنُ ظِلَّهُ.

كانَ يُقنِعُ نَفسَهُ
أنَّهُ يَستَطيعُ العَودَةَ إلى الخَارِج…
إلى «الأعلى».
لكنْ هَيْهَاتَ… هَيْهَاتَ.
لم يَكُنْ هناكَ «أعلى» أصلًا.
كانَ وَهمًا اختَرَعَتْهُ الهاوِيَةُ
كي لا تَعترِفَ
أنّها وحشٌ
وُلِدَ مِن أسفَلِ العَوالِمِ في داخِلِه.

في أوَّلِ لَيلةٍ،
كانَ يَحمِلُ ما قَلَّ
مِن حُروفِ لُغَتِهِ
وشيئًا قليلًا مِن حِبرِهِ،
كي يُضيءَ
جُدرانَ الهاوِيَةِ.

لكنَّ اللُّغةَ
كانتْ تَتَساقَطُ
كَقَطراتِ دمٍ مِن أنامِلِهِ.
كانَ لِسانُهُ
جُرحًا مَفتوحًا لا يَلتَئِم،
والكَلِماتُ تَطفِئُ نَفسَها
إن لامَسَتِ الظُّلمَةَ،
كَأنَّها تَعرِفُ
أنَّ الظَّلامَ
نَوعٌ آخَرُ
مِن ضَوءٍ أسوَدَ
أوسَعَ مِنها مَعنى.

كمْ تَساءلَ مِرارًا:
ما هيَ الهاوِيَةُ؟
أمَكانٌ هي؟
أم سَيرورَةٌ زَمَنِيَّةٌ مُستَتِرَة؟
أم حالَة؟
أم شُعورٌ مُتَبَلِّدٌ بالدُّكنة؟
أم وُجُومٌ عَقلِيٌّ
يَشلُّ ذاتَهُ؟

وحينَ تَعرّى
مِن كُلِّ أَردِيَتِهِ،
وخلَعَ جَسَدَهُ،
وبَقِيَ واقفًا بِذاتِهِ
كما تَرَكَتهُ الصَّدماتُ،
كانَ يسمَعُ في داخِلِهِ
هَمسًا كثيرًا،
لكنَّهُ لَيسَ بَشريًّا،
كانَ يُشبِهُ بُكاءَ حَجَرٍ،
أو تَنهيدَةَ شَجَرٍ عارٍ
في قِفارِ لُغَةٍ قَديمةٍ
مِن كِتابٍ بالٍ جِدًّا.

وذاتَ يَوم،
وفي لَحظةٍ
مُتَأهِّبَةٍ للوقوف،
ظَهَرَ لهُ رَجُلٌ بلا أيدٍ
ولا أقدامٍ،
كانَ يَتحرَّكُ كظِلٍّ بلا جَسَد.
قالَ مُندهشًا:
مَن أنتَ؟
قالَ:
«أنا أنتَ،
حينَ تَتوقَّفُ نِهائيًّا
عن أيِّ مُحاوَلَةٍ للنَّجاة».
ثُمَّ اختفى للأبدِ…

تَرَكَهُ مُرتَجِفًا،
تَهُزُّهُ الرَّعشاتُ المُتَتالِيَة،
وتَخنُقُهُ الحِيرَةُ
والوُجُومُ والخَوفُ.

لم يَكُن مُستَعِدًّا لِيَعِيَ
أنَّهُ نُسخَةٌ بسيطةٌ جدًّا
مِن نُسَخٍ كَثيرةٍ لذاتِهِ،
وأنَّ النُّسخَةَ الوحيدةَ
التي استَطاعَ استيعابَها
هي نُسخَةٌ تَنتَمِي
لِمَصفوفَةِ الهاوِيَةِ.

حاوَلَ أن يَصرُخَ
بِكُلِّ قُوَّتِهِ،
لكنَّ الهاوِيَةَ
تَمتَصُّ صُراخَهُ
قَبلَ أن يُولَدَ.

كانَ يَسمَعُ نَبضَهُ
يَتوقَّفُ لِلَّحظاتٍ،
ثُمَّ يَعودُ
دونَ إذنٍ مِنهُ.

كانَ يَتساءلُ:
هَل أنا حَيٌّ أم مَيِّت؟
والسُّؤالُ بلا جَدوَى؛
فالحياةُ والموتُ
غُرفَتانِ مُتجاوِرتانِ
بِلا أبوابٍ بينَهما،
ولا أحَدَ يَعرِفُ
أينَ يَسكُنُ كُلٌّ مِنهُما.

كانَ يَرى وُجوهًا كثيرةً؛
مِنهَا مَن يَعرِفُهَا،
وأُخرَى لَم يَلتَقِ بِها قَطّ.
كانتْ تَقتَرِبُ مِنهُ،
وتُحَدِّقُ فيهِ،
كَأنَّها تَستَجدِيهِ
أن يَتذكَّرَها.

في كُلِّ وَجهٍ
كانَ يَرَى نُسخَةً مِنهُ
ماتَتْ في زَمنٍ ما:
نُسخَةٌ سَقَطَت
حينَ ماتَ حُلْمُهُ،
نُسخَةٌ انهارَت
حينَ شَعَرَ بالخِيانةِ والغَدر،
نُسخَةٌ تَشقَّقَت
حينَ لَم يَمْلِكْ يَدَيْنِ لِلوداعِ.

كانتِ الوجوهُ
تاريخَهُ المَدفونَ
كي يَستَطيعَ أن يُواصِلَ الحَياةَ.
وحينَ أدْرَكَتْهُ الهاوِيَةُ،
أعادَتْهُ قِطعةً قِطعةً
إلى داخِلِهِ
ليتأمَّلَ الخَرابَ
الذي صَنَعَهُ.

– بن عيسى محمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...