💥💥💥💥💥💥
ضمير الأفعى
💥💥💥💥💥💥
💥💥💥💥💥💥
في قاعة الرخام التي لا ظل لها، حيث تُعلّق الشمس على مشانق الخرائط، اجتمعت الأفاعي لتدير العالم باسم "الضمير الدولي". جاءوا جُلَداً قديمًا، مستعدين لتمديد الوعد المتهالك أو تحريفه حسب الحاجة.
كانت المنصة خمسة مقاعد ذهبية، يسمونها "العدالة"، تحيط بها دوائر لا تنتهي من الكراسي القشّية، يجلس عليها ممثلو الأمم، ويصدرون صخبًا كالرياح في علب الصمت. كل كلمة تُرفع تُوزّع، وكل قرار يُتخذ يُقلّب بالمكيالين: عظمة لدولة، وبسمة مهانة لشعب.
طقوس الصمت
يصمت الأعضاء الخمسة صمتًا ثقيلًا، مثقلاً بدمار المدن وصرخات الأطفال. تتهادى الأصوات من نوافذ زجاجية عالية، فتتحوّل، عبر أجهزة الترجمة الفورية، إلى أرقام باردة عن "الخسائر الجانبية".
أحدهم يلمع خاتمه، آخر يعدل ربطة عنقه، ثالث يكتب خطابات تهنئة بالسلام وهميًا. الضمير هنا لا يسمع، بل يُرى: طلاء ذهبي على سلاسل غير مرئية، يُثبت أنه لا مكان للحق، بل لمصالح الدول الكبرى.
رقصة المكيالين
يقف المندوبون، الواحد تلو الآخر، ليتلووا خطبًا منمقة، كل كلمة موزونة بحساب البورصة السياسية. "إدانة" لدولة صغيرة تُسقط من الأجندة، بينما "قلق بالغ" لدولة كبرى يُوزّع على الصدور والملفات.
الأفعى الكبرى – ذلك الكرسي الخامس – تبتسم بعينين نصف مغمضتين. همس واحد منها يكفي لإعادة تسمية الجلادين شهداء، وتغليف الضحايا بأغطية الجلادين. لغة القوة هنا لا تحتاج مترجمًا: هي لغة المكيالين، لغة المواقف المزدوجة.
مأدبة الضمير
يُقدّم العشاء: أطباق فضية تحمل رماد المدن المدمّرة، ممزوجًا بعسل الخطابات الرنانة. يُوزّع الخبز الجاف المسمّى "قرارات غير ملزمة"، ويُشرب النبيذ الأحمر المقطّر من وعود مؤجلة منذ عقود.
الجميع يشرب ويبتسم، والجميع يعلم أن السم سيأتي، لكن ببطء، وأن الجار سيموت أولًا. المكيالان هنا واضحان: حماية لجنّة الأمم القوية، وتحويل جحيم الأمم الصغيرة إلى عروض رقمية للتبرير.
الهمس الأخير
عند منتصف الليل، تتحرك الأفعى الكبرى للمرة الأولى، تلف نفسها حول كرة أرضية زجاجية، وتضغط برفق، فيتشقق الزجاج من الداخل دون أن ينهار. شرخ صغير، كخط الاستواء الجديد، يذكّر أن العالم لا يُدار بالعدل، بل بالتحكم والتهشيم الخفي.
تغادر الأفاعي القاعة، تاركة الظلال معلقة على مشاجب ذهبية، والقاعة تعود لصمتها: صمت الانتظار، صمت المراوغة، صمت الضمير المبتور.
خاتمة الراوي
هذه مملكة الأفاعي: حيث يُصنع الضمير من قوالب الجبس، ويُطلى بلون الدم القديم، ويُباع الحق في العيش بثمن كرسي قشّي. ينسجون العالم بخيوط حريرية لتخنقه برفق، بينما تبتسم شفاههم المتحضرة، وتُتلى صلوات السلام بأيدٍ ملطخة بزيت السلاح.
فإن سألتني: أين المخرج؟
أجيبك: المخرج حيث لا تكون أفعى.
وهل توجد بقعة في هذا العالم لا تسكنها أفعى؟
أصمت كالصمت الذي يلي العواصف، وأترك الجواب ضميرًا لك.
التوقيع الأدبي:
«بقلم فادي عايد حروب (الطياره) فلسطين – جميع الحقوق محفوظه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق