الثلاثاء، ديسمبر 23، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( خريف الحياة )) بقلم الكاتب فادي عايد حروب (الطياره) فلسطين

خريف الحياة
رواية فلسفية شاعرية
الفصل الأول – نغمة الصمت
ثمة لحظة في العمر تصبح فيها الصمت أبلغ من كل كلمة.
جلس آدم على المقعد الخشبي القديم عند حافة الحديقة، حيث تتساقط أوراق الكستناء الأخيرة برقة الخريف. لم يكن يفكر في شيء محدد، أو ربما في كل شيء دفعة واحدة. حفرت السنون خطوطها في يديه، لكن أفكاره ظلت صافية كالسماء الخريفية فوقه.
همس بصوت خافت:
"الحياة ليست دائرة، بل لولبية... لا نعود أبدًا، نغوص فقط أعمق في أنفسنا."
ركض طفل بجانبه ضاحكًا، ممسكًا بكرة حمراء. ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، وفي ضحك الطفل سمع صدى شبابه البعيد – بعيد لكنه لم يُفقد.
ارتفع الريح حاملًا الأوراق في رقصتها الأخيرة، وفهم آدم شيئًا نسيه منذ زمن: النهاية ليست عدوًا، إنها مجرد عودة إلى النفس الصامتة للبداية.
الفصل الثاني – مرآة الزمن
في صباح اليوم التالي، كانت السماء رمادية. سقط المطر بهدوء، كأنه يريد محو آثار الماضي بلطف.
فتح آدم درج مكتبه القديم. رسائل مصفرة، صور باهتة، قلم حبر مكسور... شظايا حياة تركتها الأيام خلفها.
أخذ صورة بيده. كان فيها شابًا ضاحكًا، وإلى جانبه امرأة، عيناها تنطقان بأن الزمن حينها كان أبديًا.
همس: "ما أغرب شعور الأبدية... نشعر بها فقط حين تغادرنا."
رفع نظره إلى المرآة. وجهه الآن كبير في السن، هادئ، لكن غير مكسور. بين التجاعيد سكنت كرامة صامتة، لا يمنحها إلا عمر عُاش بعمق.
ابتسم، ولأول مرة لم يرَ في المرآة مرور الزمن، بل معناه.
ربما الشيخوخة ليست فقدانًا، بل إدراكًا للحياة في أبهى صورها.
في الخارج، توقف المطر. سقط شعاع خافت من الشمس، وشعر آدم أن خريف حياته ما يزال يحمل ضوءًا في جوفه.
الفصل الثالث – الرسالة الأخيرة
حلّ المساء بهدوء، بلا عجلة، كما لو أن الطريق معروف منذ الأزل.
جلس آدم عند مكتبه القديم. المصباح خافت، ضوؤه يرتجف مثل ذكرى متعبة. أمامه ورقة بيضاء – الأخيرة في دفتر بدأه منذ سنوات.
أخذ القلم الذي أصلحه ذات يوم، وبدأ الكتابة:
"إلى الحياة...
أشكرك على صمتك وضجيجك،
على الشمس والمطر،
على الطرق التي فقدتني...
وتلك التي وجدتني."
توقف، أخذ نفسًا عميقًا.
"لقد فهمت أخيرًا،
أن المعنى لا يكمن فيما يبقى،
بل فيما يلمس القلب...
حتى لو زال."
ارتجفت يداه قليلًا، لكن الابتسامة بقيت على شفتيه.
وضع القلم جانبًا، ونظر من النافذة. كانت الشمس قد غابت، لكن بقي في السماء بقايا ضوء، ناعم كالوعد.
همس: "إذن... هذه هي النهاية."
وكأن الضوء أجابه بصمته: "لا، إنها اليقظة."
فهم في تلك اللحظة أن الحياة ليست دائرة ولا لولبية، بل نفَس واحد طويل... يتغير شكله فقط.
الفصل الرابع – اليقظة في النور
كانت الليلة هادئة. لم يزعج أي صوت سكون المنزل الصغير. الرسالة لا تزال على المكتب، وضوء القمر ينساب عليها كيد صامتة تبارك.
في الحلم، وجد آدم نفسه في حقل لا نهائي، ذهبي، كأنه من زمن آخر. الريح دافئة، ليست خريفية... بل ربيعية.
في البعد، رأى شخصية خفيفة، متوهجة، مألوفة. كانت المرأة من الصورة القديمة. ابتسمت.
"لقد أتيت."
"هل كنت يومًا بعيدًا؟"
سارا جنبًا إلى جنب في الحقل الذهبي. لم تكن الكلمات ضرورية. كل خطوة كانت ذكرى، وكل شعاع ضوء إجابة.
عندما وصلا الأفق، بدأ الضوء يزداد إشراقًا – ليس ضوء الشمس، بل توهج داخلي يملأ كل شيء.
"إذن... هذا هو الختام؟" همس آدم.
"لا،" قالت بحنان، "هذا هو البدء الحقيقي."
وفهم أن الحياة لا تنتهي، بل تتحول. نفَس لا يتوقف أبدًا، يأخذ أشكالًا جديدة في كل لحظة.
أصبح الضوء نقيًا، شاملًا، لا حدود له.
وانفتحت عينا آدم... لا على العالم، بل على سلام لم يعرفه من قبل.
النهاية
التوقيع الأدبي:
«بقلم فادي عايد حروب (الطياره) فلسطين –
 جميع الحقوق محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...