نَفَسُ الشّاعر
في صمتٍ رقيقٍ حيثُ تولدُ الأفكارُ،
يأتي نسيمٌ غامضٌ يداعبُ الأسرارُ،
يمشي بلا دربٍ ويُنشِدُ دونَ كلامْ،
ويستقرُّ خِفيةً في معبدِ الأحلامْ.
***
مسافرٌ خفيٌّ في رؤى اليقظانِ،
يزرعُ في القلوبِ كلماتِ الفِتانِ،
ينسجُ رويدًا أبياتًا من خيوطِ فضّةْ،
ويحوِّلُ همسَ الريحِ شعرًا ذا ودّةْ.
***
يولدُ من ضحكٍ صافٍ أو حزنٍ خفيّ،
من حبٍّ مُزهرٍ أو رجاءٍ لم يكتملْ بعدُ حيّ،
يكبرُ وسطَ دموعٍ يمسحُها الشاعرُ،
فتولدُ وردةٌ في ليلٍ عميقٍ ساهرُ.
***
يرقصُ في الفرحِ كطيرِ الربيعِ الطليقْ،
ثم يبكي في القصيدِ حين يشتدُّ الضيقْ،
فقلبُ الشاعرِ كونٌ واسعُ المدارْ،
حيث الظلُّ والنورُ يؤلفانِ الأوتارْ.
***
يأتي حين تُشعلُ الشمسُ الأفقَ نارًا،
وحين المطرُ البطيءُ يرفعُ استغفارًا،
حين يئنُّ الخريفُ في أوراقٍ ذابلةْ،
أو حين ينامُ الشتاءُ في لحافِ الثلوجِ النازلةْ.
***
الجبلُ يحدّثُه بصمتٍ سرمديّ،
والنهرُ ينشدُ له لحنًا أخويّ،
حتى الريحُ التائهةُ تصيرُ رسولَ ذهبْ،
حين تحملُ سرًّا يعشقهُ القلبُ عن قربْ.
***
يكبرُ في الطفولةِ بعطورٍ منسيّةْ،
وفي ذكرياتٍ ميتةٍ تُبعثُ خفيّةْ،
في نظراتٍ تلاقتْ وفي أيدٍ افترقتْ،
وفي دروبٍ بلا نهايةٍ خطتها الخطواتْ.
***
كلُّ لقاءٍ بشريٍّ كتابٌ نصفُ مفتوحْ،
وكلُّ وداعٍ موجعٍ بيتُ شعرٍ مبحوحْ،
والزمنُ الهاربُ فوقَ ساعةِ الأيامْ،
يتركُ في الروحِ حبًّا خالدًا لا يُرامْ.
***
يرتوي من ينابيعِ الحكاياتِ العتيقةْ،
ومن أساطيرَ نُقشتْ في ذاكرةِ الحقيقةْ،
ومن تقاليدٍ صانتها أصواتُ الشيوخْ،
ما زالت تهمسُ تحتَ سماءِ كلِّ صباحٍ وشروقْ.
***
يكسو الماضي عباءةً من ضياءْ،
ويجعلُ التاريخَ يتكلّمُ والثرى في صفاءْ،
ويمزجُ نشيدَ الكونِ بإرثٍ قديمْ،
تلتقطُه الريشةُ ليغدو رباطًا عظيمْ.
***
يبحثُ عن جوابٍ لأسرارِ البشرْ،
يسائلُ السماءَ ويستفهمُ القدرْ،
يحاربُ الظلمَ بكلماتٍ متوهّجةْ،
ويواسي القلوبَ بأبياتٍ متألّقةْ.
***
يسيرُ نحو المطلقِ كحاجٍّ عارٍ من الزيفْ،
يبحثُ في كلِّ نجمةٍ عن سرٍّ لطيفْ،
فالبحثُ عن المعنى لهيبُه المقدّسْ،
يهدي في الظلامِ روحًا يائسةً تتنفّسْ.
***
لكنّه أحيانًا يظهرُ كبرقٍ مباغتْ،
في كلمةٍ سُمعتْ أو فعلٍ بسيطٍ لافتْ،
في حلمٍ تلاشى عند فجرِ اليقينْ،
أو في ظلِّ ذكرى بعيدةِ الحنينْ.
***
يطرقُ دون إنذارٍ أبوابَ العقولْ،
يقلبُ السكونَ فيتفجّرُ القولْ،
فتغدو الريشةُ جناحًا محرَّرًا طليقْ،
يحلقُ نحو سماواتٍ لم يمسّها الطريقْ.
***
هكذا يعيشُ الشاعرُ بين عقلٍ وسما،
حارسُ المشاعرِ وبستانُ المدى،
يحوّلُ العالمَ مرآةً مملوءةً رجاءْ،
يرى فيها الإنسانُ صورته في صفاءْ.
***
فالإلهامُ النقيُّ ليس قيدًا ولا سلطانْ،
بل نَفَسٌ أبديٌّ وفصلٌ من الحنانْ،
هو نورٌ يسكنُ قلبَ الوجودْ،
يحوّلُ الألمَ نشيدًا نحو الخلودْ.
أحسن معريش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق