الأحد، فبراير 15، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( نفَسُ الشّاعر )) بقلم الشاعر أحسن معريش



نَفَسُ الشّاعر
في صمتٍ رقيقٍ حيثُ تولدُ الأفكارُ،
يأتي نسيمٌ غامضٌ يداعبُ الأسرارُ،
يمشي بلا دربٍ ويُنشِدُ دونَ كلامْ،
ويستقرُّ خِفيةً في معبدِ الأحلامْ.
***
مسافرٌ خفيٌّ في رؤى اليقظانِ،
يزرعُ في القلوبِ كلماتِ الفِتانِ،
ينسجُ رويدًا أبياتًا من خيوطِ فضّةْ،
ويحوِّلُ همسَ الريحِ شعرًا ذا ودّةْ.
***
يولدُ من ضحكٍ صافٍ أو حزنٍ خفيّ،
من حبٍّ مُزهرٍ أو رجاءٍ لم يكتملْ بعدُ حيّ،
يكبرُ وسطَ دموعٍ يمسحُها الشاعرُ،
فتولدُ وردةٌ في ليلٍ عميقٍ ساهرُ.
***
يرقصُ في الفرحِ كطيرِ الربيعِ الطليقْ،
ثم يبكي في القصيدِ حين يشتدُّ الضيقْ،
فقلبُ الشاعرِ كونٌ واسعُ المدارْ،
حيث الظلُّ والنورُ يؤلفانِ الأوتارْ.
***
يأتي حين تُشعلُ الشمسُ الأفقَ نارًا،
وحين المطرُ البطيءُ يرفعُ استغفارًا،
حين يئنُّ الخريفُ في أوراقٍ ذابلةْ،
أو حين ينامُ الشتاءُ في لحافِ الثلوجِ النازلةْ.
***
الجبلُ يحدّثُه بصمتٍ سرمديّ،
والنهرُ ينشدُ له لحنًا أخويّ،
حتى الريحُ التائهةُ تصيرُ رسولَ ذهبْ،
حين تحملُ سرًّا يعشقهُ القلبُ عن قربْ.
***
يكبرُ في الطفولةِ بعطورٍ منسيّةْ،
وفي ذكرياتٍ ميتةٍ تُبعثُ خفيّةْ،
في نظراتٍ تلاقتْ وفي أيدٍ افترقتْ،
وفي دروبٍ بلا نهايةٍ خطتها الخطواتْ.
***
كلُّ لقاءٍ بشريٍّ كتابٌ نصفُ مفتوحْ،
وكلُّ وداعٍ موجعٍ بيتُ شعرٍ مبحوحْ،
والزمنُ الهاربُ فوقَ ساعةِ الأيامْ،
يتركُ في الروحِ حبًّا خالدًا لا يُرامْ.
***
يرتوي من ينابيعِ الحكاياتِ العتيقةْ،
ومن أساطيرَ نُقشتْ في ذاكرةِ الحقيقةْ،
ومن تقاليدٍ صانتها أصواتُ الشيوخْ،
ما زالت تهمسُ تحتَ سماءِ كلِّ صباحٍ وشروقْ.
***
يكسو الماضي عباءةً من ضياءْ،
ويجعلُ التاريخَ يتكلّمُ والثرى في صفاءْ،
ويمزجُ نشيدَ الكونِ بإرثٍ قديمْ،
تلتقطُه الريشةُ ليغدو رباطًا عظيمْ.
***
يبحثُ عن جوابٍ لأسرارِ البشرْ،
يسائلُ السماءَ ويستفهمُ القدرْ،
يحاربُ الظلمَ بكلماتٍ متوهّجةْ،
ويواسي القلوبَ بأبياتٍ متألّقةْ.
***
يسيرُ نحو المطلقِ كحاجٍّ عارٍ من الزيفْ،
يبحثُ في كلِّ نجمةٍ عن سرٍّ لطيفْ،
فالبحثُ عن المعنى لهيبُه المقدّسْ،
يهدي في الظلامِ روحًا يائسةً تتنفّسْ.
***
لكنّه أحيانًا يظهرُ كبرقٍ مباغتْ،
في كلمةٍ سُمعتْ أو فعلٍ بسيطٍ لافتْ،
في حلمٍ تلاشى عند فجرِ اليقينْ،
أو في ظلِّ ذكرى بعيدةِ الحنينْ.
***
يطرقُ دون إنذارٍ أبوابَ العقولْ،
يقلبُ السكونَ فيتفجّرُ القولْ،
فتغدو الريشةُ جناحًا محرَّرًا طليقْ،
يحلقُ نحو سماواتٍ لم يمسّها الطريقْ.
***
هكذا يعيشُ الشاعرُ بين عقلٍ وسما،
حارسُ المشاعرِ وبستانُ المدى،
يحوّلُ العالمَ مرآةً مملوءةً رجاءْ،
يرى فيها الإنسانُ صورته في صفاءْ.
***
فالإلهامُ النقيُّ ليس قيدًا ولا سلطانْ،
بل نَفَسٌ أبديٌّ وفصلٌ من الحنانْ،
هو نورٌ يسكنُ قلبَ الوجودْ،
يحوّلُ الألمَ نشيدًا نحو الخلودْ.
أحسن معريش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( هندسة الوفاء: مصفوفة الصمود ولوغاريتم العودة )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب /فلسطين

*************** ​ هندسة الوفاء: مصفوفة الصمود ولوغاريتم العودة إنَّ فلسطينَ في وعينا ليست مجردَ مساحةٍ جغرافيةٍ مسطحة، بل هي الثابتُ الوحيدُ...