الأربعاء، أبريل 29، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية ((المعرفةُ غُربة… والغُربةُ معرفة)) كلمات الشاعر فادي عايد حروب / فلسطين






المعرفةُ غُربة… والغُربةُ معرفة
ليست المعرفة دائمًا جسرًا يقودنا إلى الألفة، كما نظن، بل قد تكون في أحيان كثيرة مرآةً تكشف المسافات الخفية بيننا وبين من نعرف. فكم من وجوهٍ ألفناها سنين، وشاركتنا تفاصيل الأيام، ثم إذا بنا نقف أمامها فجأة كغرباء، لا لغياب الذكريات… بل لأن شيئًا في الداخل تغيّر، فانكشفت الحقيقة التي كانت مؤجلة.
المعرفة ليست عدد السنوات التي نقضيها مع الآخرين، ولا كثرة الأحاديث التي نتبادلها، بل هي ذلك العمق الصامت الذي يجعلنا نشعر بأننا “مفهومون” دون شرح، وأننا “مرئيون” دون محاولة لفت الانتباه. لهذا قد نعيش مع أشخاصٍ عمرًا كاملًا دون أن نعرفهم حقًا، بينما يكفي لقاءٌ عابر مع شخصٍ ما لنشعر أننا نلتقي بجزءٍ مفقود من أنفسنا.
الغربة ليست دائمًا غياب المكان، بل قد تكون حضورًا بلا روح. أن تجلس مع من تعرفهم، وتضحك معهم، لكنك تشعر أن بينك وبينهم مسافة لا تُرى… هذه هي الغربة في أصدق صورها. غربة لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس ببرودة الشعور، وبالأسئلة التي تبقى معلّقة في القلب دون إجابة.
وفي المقابل، هناك معرفةٌ تولد فجأة، بلا مقدمات، بلا تاريخ مشترك، لكنها عميقة كأنها امتداد لزمنٍ سابق. كأن الأرواح، في سرٍّ لا ندركه، قد تعارفت قبل أن تلتقي الأجساد، فيأتي اللقاء مجرد تذكيرٍ لا بداية. لهذا نشعر أحيانًا براحةٍ غريبة مع شخصٍ لم نعرفه إلا للتو، وكأننا نعود إليه لا نذهب نحوه.
قد يكون السر في أن المعرفة الحقيقية ليست خارجية، بل داخلية؛ هي انسجام القيم، وتشابه الإحساس، وصدق الحضور. حين يتشابه الداخل، تختصر المسافات، وتسقط الحواجز، فلا تعود السنوات معيارًا، ولا الغياب عائقًا.
وهنا تتجلى المفارقة:
أننا قد نغترب عمّن نعرفهم، لأننا عرفناهم على السطح فقط،
ونألف من لا نعرفهم، لأننا لمسنا فيهم العمق.
لعل المعرفة الحقيقية ليست أن تعرف “من هو الآخر”، بل أن تشعر “بما هو عليه”… أن تدركه لا بعقلك فقط، بل بقلبك أيضًا. وحين يحدث ذلك، تزول الغربة حتى لو كنتم على طرفي العالم، وتبقى الألفة حتى لو غاب اللقاء.
في النهاية، نحن لا نبحث عن أشخاصٍ نعرفهم،
بل عن أرواحٍ نشعر معها بأننا لسنا غرباء.

أرى العِلمَ في طبعِ النفوسِ غريبَا
وكم من قريبٍ في الجوارِ غريبَا
إذا لم يكنْ نبضُ القلوبِ موافقًا
فكلُّ حديثٍ بيننا كانَ نحيبَا
لبسنا وجوهًا في الأنامِ صقيلةً
وفي العمقِ شرخٌ ما لهُ من طبيبَا
فلا تحسبنَّ القربَ عدَّ سنينِنا
فبعضُ المدى في الذكرياتِ جدوبَا
وعينٌ ترى روحًا بغيرِ تكلّفٍ
تلمُّ شتاتَ القلبِ حتى يطيبَا
فسبحانَ من ألّف القلوبَ بجندهِ
ووحدَ شملًا والمكانُ قريبَا
هو اللهُ ربُّ العالمينَ بفضلِهِ
يؤلّفُ أرواحًا ويُهدي القلوبَا
بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين © جميع الحقوق محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بصمات العابرين )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب / فلسطين

بصمات العابرين ليس البشر كتلةً واحدة تُقاس بمعيارٍ ثابت، ولا تجربةً تتكرر مهما تشابهت الوجوه. نحن نلتقي في الحياة، لكننا لا نخرج منها متشاب...