السبت، فبراير 25، 2023

مجلة وجدانيات الأدبية (( داحس والغبراء )) ........... الكاتب صالح الخصبة

 داحس والغبراء

########
في زمنِ التهدئَة وحوسَية الذات والكربلة والتمائم والخرزة الزرقاء وخضاب اليدين ومواقد النار اللزابي وضفائر الشيج البري المعطر ، نمتحن التراب فنلقاه خضابا ونلعق الزمن فنحسه زفافا في قمراء تغويك بالسهر وترقيك بمفاتن القمر . صعلكةٌ بين الفرح والترح ونحن البارّون المطيعون الحفاةَ العراة ، المتائكلون بالشتاء المورِوقون بالربيع ، كنّا ندرك كنه هذا البيات الشتوي المرّ المغلف بريح الجنوب عندما ينشط في أجسامنا على وتيرة تفقدك الحس بقدميك ، القادم من حوامل الكثبان وسعال السفوح فلا نمرض ، لأننا بكل بساطة مرقيون بنواميس الأمهات ...
ذاك زمنٌ أمّيٌ بحتٌ لم يتعلم في جامعة ربوية تنبش مخ عظامك عن قطرة دم ، ولا يتفنن في تدنيسك حتى تخلط الماءْ باللين ، ولم يرفضك ويختزلك شبحا في بطاقة مصرفية مبتذلة تصادر قيمتك وتوجهك وتقلقك وتنام على أكفِّ راحتيك ، ولا فواتيرَ مسخ تكبح غرورك وقد عدت أنفاسك وحاسبتك على الزيادة في الشخير ، ولا اقمار صناعية تتجسس على صفائحك الدموية وأنزيمات قلبك ، ولا ولا ...
نحن وحدانيون بالطبع ، نؤمن بوحدانية الله ووحدانية القمر ووحدانية الأرض ووحدانية الحرية ، وكل خليطٍ ينشقُّ عن الوحدانية الوجودية دخيلٌ على بُنيتنا الفكرية والمعنوية حتى يكاد يهزُّ فينا القيم والتسليم بهزات ارتدادية تشقُّ نسيجَ المجتمع ودوائرة الإنتخابية ، وان كان فينا من لا يستقيم كالعصي الا بالتسخين فذاك شأنٌ آخر ...
لا أظنُّ أنني أمكيجَ الزمنَ الغابر وأنعتُه بالفضول ، ولكنني أستغرب القمرَ الآن والحقلَ والزرعَ والدوريَّ والحصاد ، واستغربُ العبث بعدادات العمر المتكئ على فوهة النسيان ، والهروبِ نحو لملمة قطيعٍ يحرسه المرعى حول أكمام الدفلى والهشيمِ والزعتر البرّي ، وحول أصداءِ الناي وهو يرتلُ في البرّية أجملَ سمفونيات العمر فيملأُ شعاب قلبك ، حتى تكون البداوةُ في طبعكَ أنقى من قسمات غدير رملي ، وأعذبَ من طقوس العصافير الصادحة حوله ...
أصطحبُك معي في رحلة الفقد والرعد والأفولِ وتيجان القرنفل حينما يكون روائي من يباس الحلق والريق ، وانا أواريك خرائبي وسنا على وسن ، وعشقا تاه في الشغاف حتى حسبته الغرق ، والتنكر فيك تنكر جحود كتنكر إبريق ابي لوضوءه بعد غياب ..
ها انا إبحث في ذاتي عن فناء الدار وأعشاش الطيور ، عن المحتزمين جلود الطهارة ، عن قشعريرة الزيتون وانكماش براعم القمح بين الأصابع النرجسة المغلفة بكل قطرات الدم ، عن تشرين وأيلول وايار ، وعن السقاء والرواء ونكهة الخبز البلدي وحاكورة القثّاء ، وعن الجرار وبساط القش والعريش ...
بما أرثيك أيها العابرُ من كِنانتي كسهمِ صيد ، وأنا إمتدادك وبعض روابيك ، وأنا داحس وأنت الغبراء ، وأنا العجاج الذي زفته الحوافر فاستقر في حفائري ، وأنا الوشم الذي لامس فيك التحور ، حتى اختلست منك الثغاء ...
أنا السائحُ الذي يجهلُ معالم ازقتك ، وهي من كانت تشكل فيَّ حدودَ معارجك ، وصهوة حصانك وأزير الطير فوق عتبات قلبي ، فما اشتهيت شقاء فيك إلا لمسته أشهى النعم ، وأجود ما يجود المرء ، أن يتبرع بحاضره لماضيه ...!!
############# $@leh

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...