الأربعاء، يوليو 19، 2023

مجلة وجدانيات الأدبية (( الأُخــوة هِــبــةُ الله )) ....... للكاتب صخر محمد حسين العزة \ عمان ـ الأردن



الأُخــوة هِــبــةُ الله
مع نشأة الحياة تكونت المجتمعات وعماد المجتمعات الأسر والتي تتكون من أبٍ وأُمٍ وأخوة وأخوات ، والمجتمعات القوية التي تكون فيه الاُسر قوية ومتحابة ومتآلفة ، فما أجمل الحياة وأبهاها عندما تنعمُ بالحب والأُلفة والوفاق ومُكللة بالسعادة ، وخاليةً من الضغائن والأحقاد ، وفي عالمنا كثُرت المناسبات الجميلة التي تُكرِّس الروابط الأسرية وتدعمها وتذكرنا بواجباتنا نحو بعضنا وأسرنا التي تربطنا بهم رابطة الدم ، فوجِد يومٌ للأسرة ويومٌ للأم ويومٌ للأب ،ويوم للمرأة بشكلٍ عام ، وكُلها مناسبات جميلة تحُضُّ على الدعوة الى الحُب والود واحترام بعضنا لبعض وبدون ضغائن وأحقاد ، وهناك من المُناسبات التى تُمرُّ ولا يكون التركيز عليها بشكلٍ كبير هو يوم الأخ ، فمنزلة الأخ في مكونات كُلِّ أُسرة له أهميةٌ وأثرٌ كبير ، وخاصة الأخ الأكبر ، والذي يكون بمقام الأب ، ويكون رفيقه في كُلِّ مهامه ، ويحِلُّ مكانهُ في حال غيابه في مُتابعة شؤون الأُسرة ، فمن هو الأخ ؟ . فالأخ هو السند والعضُد والرفيق وهو روح الحياة ومخزن الأسرار ، وسيدنا موسى عليه السلام عندما بعثه الله عز وجل إلى فرعون ورأى طُغيان فرعون طلب من الله أن يكون معه أخوه هارون سنداً وعوناً له ، وقال تعالى في سورة طه – الآيات [ 29-35 ] : { وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي(29)هَارُونَ أَخِي(30)اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31)وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(32)كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا(33)وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا(34)إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا(35) }
فالأُخوَّة من أقوى الروابط الإنسانية ، ولا يُمكن لأحدٍ في الدُنيا أن يحُلَّ محل الأخ ، فالأخ هو السند الحقيقي الأول والأخير لك في مواجهة مصائب ومشاق الدُنيا ومحنها ، وهو الرفيق لك في السراء والضراء وكاتمُ أسرارك ، وما أجمل أن يكون الأخوة كالبُنيان المرصوص لا يُفرق بينهم أحد ولا تُبعدهم ملاذ الحياة عن واجبهم الإنساني نحو بعضهم ونحو أُسرتهم ، وما أجمل قصة الأب الحكيم الذي كان لديه ثلاثةُ أبناء دائماً على خلافٍ بين بعضهم ، وجمعهم وطلب منهم أن يُحضروا حُزمة من العِصي وطلب منهم أن يكسروها فلم يستطيعوا ، فأخذها ووزعها عليهم بالتساوي فتمكن كُلَّ واحدٍ من أن يكسر حُزمته ، وبذلك أعطاهم درساً أن باجتماعهم مع بعض قوةً ومنعة ، وكما قال الشاعر الطغرائي :
كونوا جميعاً يا بُني إذا اعترى خَطبٌ ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسُراً وإذا افترقن تكسرت أفرادا
ولن ننسى الخنساء ( تماضُر بنت عمرو ) في رثاء شقيقها صخر الذي كان لها السند والمعين وكان لها الراحة والسلوى في أيامها فقالت به :
أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجرئ الجميل ألا تبكيان الفتى السيدا
طويلُ النجاد رفيعُ العمادِ ساد عشيرتهُ أمردا
إذا القوم مدّوا بأيديهم إلى المجد مدَّ إليه يدا
فحُب الأخ ووجوده يمُدُّك بالدفء والأمان ، ويجعلك تشعُر بالقوة في لحظات ضعفك وبالأمل في أوقات يأسك ، وقد تجلى هذا بوضوح في قصة يوسف عليه السلام ، حينما اتهم أخوه بالسرقة ، فجاء له وقال أنا أخوك فلا تبتئس ولا تحزن ، قال تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فالأخ منبع الأمان التام وحضن الفرح الدائم وشريان العطاء الذي لا ينضُب
إن الأخ هو نعمةٌ من الله الذي يُرشدك إلى الخير ويباعد بينك وبين الشر ، وهو الذي يحول لحظات حُزنك وألمك إلى لحظات سعادة وفرح ، والأخ هو الصدر الحاني لأُخته وهو الأب الثاني لها ويداوي الجروح ويغفر الزلات ، ولكن أين نحن الآن في الوقت الحاضر من رابط الأخوة الذي فكك عُراها التطور والحضارة المصطنعة التي شتَّت الأخوة ووضعت بينهم الجفوة والجفاء ، وكل ذلك دافعه الطمع في ثروة خلفها والده أو مركز تركه له أو غيرة وحسد من أخوته فيحرم أخوته أو أخواته من حقهم الشرعي دون رادعٍ إنساني ونسي رابطة الدم التي تجمعهم أو وازعٍ ديني يمنعه من ظلمهم وحرمانهم من حقهم الشرعي ، وهذه أمور أدت إلى إفساد رابطة الأُخوة الصادقة التي كرَّستها الأنانية وحُب الذات والحسد ، فيجب أن تكون الأُخوة الحقيقية رابطها العقل والقلب ومنزهة عن ملذات ومُغريات الحياة وظروفها المُتقلبة ، فالأخوة ليست علاقات صداقة عابرة تنهيها حين يغدر بك صديقك أو يخونك بل هي دماءٌ تجري في عروقك ، فمن يقيسون عطاء الأخوة بقانون الأخذ والعطاء لن يحصدوا سوى جفاف المشاعر وتصحُر الأحاسيس وتباعُد المسافات ، ولا تجعل لأي أحد أن يتدخل في علاقتك بينك وبين أخوتك مهما كانت الأسباب أو الدوافع ، فالأخوة هي منحة ربانية ونعمةٌ إلهية يقذفها الله تعالى في قلوب عباده الأصفياء الأتقياء وهي صفةٌ مُلازمة للإيمان ، وبدون تقوى الله فالإيمانُ ناقص والتقوى مزعومة ،
فالتكون أخوتكم كأخوة موسى عليه السلام وأخوه هارون يشدون أزر بعض ، ولا تكون كأخوة يوسف عليه السلام الذين ألقوه غيرةً وحسداً في غيَّابة الجُب ، وفقد أباهم يعقوب عليه السلام بصره كمداً وحُزناً عليه
فالأخ الصالح صُحبتهُ نعمة ولقاؤه لذة وقُربهُ ذخيرة للأيام ، ويجب أن نُحب لأخينا ما نُحبهُ لأنفُسنا ، وأن لا تُفرقنا ملاذ الحياة وشهواتها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك –رواه البخاري ومسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه )
فإياكم ثُمَّ إياكم أُيها الأخوة أن تُفرِطوا في بعضكم من أجل عرضٍ زائل أو أي شئ في الدنيا فكُلُّ شئٍ يمكن تعويضه ، ولكن الأخوة إن ذهبوا فلن يأتي غيرهم فهم السند والعضد والمعين لنا في فرحنا وترحنا
وقال الشاعر مسكين الدارمي :
أخالكَ أخاكَ إنَّ من لا أخاً له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
19/7/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...