الــتـَــنَــمُّـــرْ
خلقَ اللهُ الإنسان وميَّزهُ عن باقي كائِناته بالعقل والفِكر وجعلهُ ناطقاً ، وأرسل لهُ الرُسُل والأنبياء لِهدايته وتربيتهِ على مكارم الأخلاق ولتعاونَ أبناء البشريَّةِ بين بعضهم في إعمار الأرض وبنائها ، ولكن كُلَّ أنسان يختلف في طِباعهِ عن الآخر بأخلاقه وتعامله حسبَ طبيعة ما تربَّت عليه نفسه في بيئتهِ المُعاشة ، وكما قال تعالى في سورة المدثر – الآية 38 : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } فالنشأة لها أثرها في طبيعة تكوين شخصية الفرد ، فطبيعة التعامل والتربية ، تفرضُ على شخصٍ ما أنّ يكون إنساناً طيباً وخلوقاً ، ويتعامل مع الناس بالحُسنى وبطيبِ أخلاقه الّتي تربَّى عليها ، وقد تكون شخصيَّةٌ أُخرى ؛ شخصيةً فظَّة وعدوانيَّة وتتعاملُ بتعالٍ مع الآخرين الذين حسبَ تصَوُّرهِ أقلُّ شأناً منه جسديّاً وأدبيَّاً وتعامُلاً ، وهذه الشخصية هي الشخصية المُتنَمِرة ؛ موضوعُ حديثنا الآن هو التنَمُّر وأعني بذلك الشخصية التي تُعاني كُلِّ المجتمعات منها ، فالذي يعتدي على الناس بدون وجه حق إن كان جسديّاً أو لفظيَّا ومن يُنافق مديرهُ من أجل أن يصل إلى مركزٍ ليس له حَقٌ فيه على ظهور زُملائهِ في العمل ، أو من يحصل على مقعدٍ دِراسيٍّ أو بعثة على حساب من هو أحقٌ منهُ بها ، ومن يصل بالواسطة إلى وظيفة ويكون غيرُ مؤهلٍ لها ويحرم غيره من استحقاقها ، كُلَّ هذا يقع تحت مُسمى التنمُّر ؛ والتنَمُّر ليسَ مُقتصِراً على الأفراد ، بل ينعطف على بعض المؤسسات المُجتمعية وعلى الدول ، فكثير من المؤسسات أو الشركات ، تتعامل مع نظيراتها التي هي أقلُّ منها شأناً ومحاولة الإستحواذ على السوق بالمنافسة الغير شريفة ، حتى لو أدى ذلك إلى خسارة الطرف الآخر ودماره إقتصاديَّاً ، دونَ مراعاة مخافة الله ، ولا يؤمِنوا أنَّ الأرزاق قسمها الله وهي بيده جلَّ وعلا
وكما هي المؤسسات كذلك الدول التي بسطت سطوتها على دولٍ أقلُّ منها شأناً وقوةً واستولت على مقدراتها وعلى خيراتها ، وذلك لأنهم لا حول لهم ولا قوة ، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ذلك ، أو الحاكم الدكتاتور المُتجبر الذي يتحكَّم بشعبه ويظلمهُ ولا يوُفِّرُ لهُ الحياة الكريمة ، فكُلُّ ذلك هو التنَمُّر .
ما يهُمنا الآن هو موضوع التنمُر بين الأفراد وأثره في المجتمع ، فما هو هذا التنمُّر ؟
التنمُّر سلوكٌ عدواني وشكل من أشكال الإساءة والإيذاء الموجهة من قِبَل فردٍ أو مجموعة نحوَ فردٍ آخر أو مجموعةٍ أخرى يكونُ أو تكونَ أضعف منه قوةً أو جسديَّا ، ويتربَّى الطفل وتكبُرُ معه حالة التنمُر إذا لم يتِم علاجهُ من بداية نشأته .
إنَّ أول تنمُرٍ في الكون كان بين أبناء سيدنا آدم عليه السلام ؛ قابيلَ وهابيل عندما أختلفا على زواج قابيل من أخته إقليما ، ولفضِّ النزاع بينهما قدّما قرابينهما إلى الله عزَّ وجلّ ، فتقبَّل الله قُربان هابيل ورفض قُربان قابيل ، لأنَّ قابيل كان سيء النيَّة وغيرُ تقيْ ، وكان هابيل طيِّباً ويتمتَّع بالأخلاقِ الحسنة والحِكمة ، فاغتاظَ قابيل لذلك حسداً لأخيه ، وهدّدهُ بالقتل ، ولكن هابيل ردَّ عليه بالنُصح والإرشاد والوعظ لتطهير قلبه من الحسد وما تقتضيه رابطةِ الأُخوَّة من تسامح فقال له كما ذُكِرَ في القُرآن الكريم ، قال تعالى في سورة المائدة – الآية 28: { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }. ولكن أنّى للنفس الأمَّارة بالسوء أنّ تتعِظ ، فقتَلّ قابيل أخاه هابيل وهربَ إلى أرضِ اليمن مع شقيقته إقليما، تاركاً والديه بحسرةٍ وألم .
ولكن ما أشكال التنَمُّر ، وما أسبابه وما كيفيَّة علاجه ، من أشكال التنَمُّر الإعتداء الجسدي أو اللفظي ، أو الإجتماعي بالإساءة إلى شخصٍ مُعيَّن بإطلاق الإشاعات المُغرضة والكاذبة ، والتنمُّر الجنسي ، والعِرقي والذي منه التمييز باللون والجنس ، والتمييز بالدين ، ونسيَ هؤلاء أن الله خلقنا من تُراب ومن أبٍ واحد وأُمٍ واحدة ، فكُلُّنا إخوة في البشرية وكما قال إيليَّا أبو ماضي :
نَسِيَ الطينُ ساعَةً أَنَّهُ طينٌ حَقيرٌ فَصالَ تيهاً وَعَربَد
وَكَسى الخَزُّ جِسمَهُ فَتَباهى وَحَوى المالَ كيسُهُ فَتَمَرَّد
يا أَخي لا تَمِل بِوَجهِكَ عَنّي ما أَنا فَحمَة وَلا أَنتَ فَرقَد
وهُناك تنَمُراً جديدً في الوقت الحاضر حصل مع التطور الحضاري وهو التنَمُّر الإلكتروني ، وذلك باستغلال وسائل التواصل الإجتماعي بالإساءة لشخص معين بنشرِ صورٍ أو مواضيع مُلفَقّة من أجل تشويه سُمعته أو لإبتزازه
ولكن علينا أن نتساءل ما الأسباب التي جعلت هذا الشخص مُتنَمِراً ، وأوصلتهُ إلى هذه الحالة من العدوانيّة ، فأقول إنه هو ضحية أُسرته أولاً ومجتمعه المُحيط بهِ ثانياً فإهمال الطِفل في أُسرته والتعامُل السيء من قِبَلِ ذويه من إهانة أو بالتفرقة بين الأبناء ، تجعلهُ يشعُر بالوحدة وعدم الإهتمام ، فتُولِّد في نفسه حالة التنَمُّر كردِّ فِعلٍ عكسي ، وتولِّدُ فيهِ النرجسيَّه وحُب الذات ، ويحسُّ إنه مرفوضٌ إجتماعياً فيتحول إلى إنسان عدواني وذلك من أجل أن يظهرَ أمام الناس أنهُ مُتميزٌ عنهم بفرض سطوتهٍ على الآخرين ، وتكون الطامةُ الكُبرى إذا التقى مع مجموعةٍ بنفس الحالة ، ومن الأسباب الأُخرى للتنمُّر التفرقة العُنصرية التي تدفعُ إلى العدوانيَّة وكُره الآخرين ، وقد حثَّ القُرآن الكريم الإنسان على احترام بعضهم البعض ، وأن لا يسخروا من بعضهم بقوله تعالى في سورة الحجرات – الآية 11 : { يا أُيها الذين آمنوا لا يَسخَرُ قومٌ من قومٍ عسى أنْ يكونوا خيراً منهم ، ولا نِساءٌ من نِساءٍ عسى أن يكُنَّ خيراً مُنْهُنْ ، ولا تَلمزوا أنفُسُكُم ، ولا تَنَابَزوا بالأِلقاب ، بِئسَ الإسم الفُسُوق بعدَ الإيمان } ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : ( أثقلُ شيءٍ في ميزان المُؤمِن يومَ القيامة حُسن الخُلُق ، وإنَّ الله ليُبغِض الفاحشِ البذيء )
إنَّ ظاهرة التَنَمُّر هذه لا يكونُ علاجُها إلا بالتربية الدينيَّة التي تَحُضُّ على الأخلاق السمحة ، وأن يُراعي الآباء أبناءهم في التربية وعدم التفرقة بينهم ، ومعاملتهم جميعاً مُعاملةً حسنة ، ويجب على مؤسسات المُجتمع المدني تنظيم دورات تثقيفية وتوعويَّة للآباء من أجل كيفية بناء الأبناء وتعزيز ثقتهم بأنفسهم ، وكيفية تعاونهم مع أقرانهم وتعاملهم معهم وهذا كُلِّه يقضي على حالات التنمُّر ، فالمُتنمِّر عدو نفسه وعدو مُجتمعه ، فهو من أجل تعويض ضعفه يقوم بالعدوانيَّة والإعتداء على الآخرين ، فالتنَمُّر من أسوأ الظواهر التي يُمكن أن يُمارسها الأشخاص ضِدَّ غيرهم ، ولا يكون علاجها إلا بالعودة إلى ديننا وأخلاقنا التي تُنَزِّه النفوس عن كُلِّ الأحقاد والضغائن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سعيد الخدري : ( إياكُم والجُلُوس في الطُرقات ، فقالوا : يا رسُولَ الله ما لنا بُدٍّ من مجالِسِنا ، نتحدثُ فيها ، فقال : ( فإذا أبيّتُم إلاّ المجلِسْ ، فأعطوا الطريقَ حقَّه ، قالوا : ( ما حقُّ الطريق يا رسُولَ الله ، قال : ( غَضُّ البَصَر ، وكِفُّ الأذى ، ورَدِّ السلام ، والأمر بالمعروف والنهيِّ عنِ المُنكر ) وقال : ( لا يتناجى إثنان دونَ واحد ، فإنَّ ذلك يؤذي المُؤمن واللهُ عزَّ وجلّ يكرَهُ أذى المُؤمن )
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
17/8/2023
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق