التراجيديا الفلسطينية المتواصلة
قصة الشهيد ياسر حمدونه
كان يعد نفسه لاستقبال والدته التي ستزوره في المعتقل وكان ياسر على غير عادته في معظم زيارات العائلة له ، مهتما بمظهره واناقته حيث قام لاول مره بِكي ملابس السجن وحلق ذقنه وتعطر وكانه سيذهب الى حضور حفل زفاف مهيب ووقف أمام المرآة لوقت طويل وهو يدندن بعض من الاغاني والاناشيد الوطنية وكنت انظر اليه باستغراب شديد كانني اشاهد طفلاً يتهيأ لملاقاة فرحة العيد قلت له ممازحاً من يراك يعتقد يا صديقي أن هذه أول زيارة سيزورك بها الأهل بالمعتقل وقال :بالتاكيد لا ولكنني لا اخفيك يا صديقي أنني اشعر بشعورغريب لم أشعر به من قبل في أي زياره سابقة للاهل وقلت له:اذن ستاتي لك الحاجة ام ياسر باخبار ساره على الزيارة وبعد لحظات طلبوه للخروج الى فوج الزيارات فخرج وبعد أن عاد من الزيارة كان قد انقلب حاله راسا على عقب جلس في برشه وقد بدت عليه ملامح الحزن والالم وأخذ يتفحص بعض الصور العائلية التي أحضرتها والدته على الزيارة أخرج من بين تلك الصور صوره لشجرة زيتون ضاربة جذورها في التاريخ فقال لي: وهو يجهش بالبكاء انظر يا ناصر هذه الزيتونة قضيت طفولتي كلها تحت ظلها الوريث ولا يوجد لدينا احد بالقرية الا وله ذكريات وحكايات تحت هذه الشجرة الوارثة التي يتعدى عمرها الالف عام ولان أصغر غصن في هذة الشجرة أكبر من عمر دولة الاحتلال اللقيطة فنظرت إليه متسائلا وما الذي يحزنك في ذلك؟ فاجابني وهو يمسح بدمعةٍ كادت أن تنساب فوق تلك الصورة لقد استشهدت هذه الزيتونة قبل يومين يا صديقي لقد تسلل المستوطنون الحاقدون ليلاً الى البلدة وسكبوا عليها البنزين وأحرقوها بالكامل بل قاموا باقتلاعها من جذورها وتربتها لقد حاولت والدتي أن تخفي علي الأمر أثناء الزيارة لكي لا تنغص علي فرحتي بزيارتها لكن كانت دموعها ابلغ من معجم اللغات جميعا تصور يا أخي كيف هؤلاء الصهاينة الحاقدين لم يكتفوا بقتل أطفالنا ونسائنا وأبنائنا كل يوم بل يقتلوننا نحن الاسرى أمام أعين امهاتنا منذ سنوات طويلة ولم يكتفوا بذلك بل يقتلون تاريخنا وذكرياتنا وحتى اشجارنا اتدري ماذا قالت لي والدتي على الزيارة يا ناصر فقلت له وانا ارتب على كتفيه ماذا قالت فقالت لي وهي تبكي بدموع أشبه بجمر البراكين لو سمعت يما خبر استشهاد واحد من اولادي لكن ممكن أهون علي من موت شجرة الزيتون هذه ، وظلت والدتي ولم تتمالك نفسها الى ان انتهى وقت الزيارة نام ياسر ليلته وهويضع صوره شجرة الزيتون على صدره ويعلق صورة والدته على سطح برشه الحديدي وبعد يومين بينما كان ياسر يمارس العابة الصباحية المعتادة في ساحة المعتقل اصيب بنوبة قلبية حادة فسقط في ساحة المعتقل دون أن ندري ماالذي اصابه ،وبسبب تاخر ادارة المعتقل من نقلة للمشفى فقد لقط أنفاسه الأخيرة شهيدا على بوابة المعتقل والتحق بزيتونته الشهيدة ليوارى جثمانه الطاهر في تربة تلك الزيتونة الشهيدة لعل دماؤه الزكية تروي جذور تلك الزيتونة وتطلق اغصانها للريح والهوية من جديد تذكرت مع وصولنا لنبأاستشهاده ما قاله لي عن شعوره الغريب الذي انتابه في هذه الزيارة بالذات وكانه كان يشعر كانها ستكون زيارته الاخيرة التي سيرى فيها والدته أو انها ستكون زيارة الوداع وبالمقابل وكأن والدته هي ايضا كانت تستشعر بقرب استشهاده وحملته السلام والدموع والحب لتلك الزيتونة التي سيلتحق بها شهيدا بعد ايام وعلى وقع هذا التراجيديا الفلسطينية المتكرره في حياتنا الفلسطينية في زمن الاحتلال وستكون قصيدة الرثاء الاولى لشجرة الزيتون بعنوان الزيتونة الشهيدة ولم أكن اعلم عندها أنني اكتب قصيدة رثاء للشهيد ياسر حمدونه الذي استشهد بعدها بعدة أيام
الزيتونة الشهيدة !!
جاءتْ وكعادتِها
باسمةً ، رَغمَ الدَّمعِ الصاخبِ في عَيْنيها
لا تقلقْ
قالتْ، وأبتسمتْ
لكن سَبقتْ يسمتَها دَمعتُها
قالتْ
قلبي مثقوبٌ يا ولدي
بالأمس ، وفي غسقِ الليلِ الدّامسِ
غافَلنا رهطٌ من قطعانِ البشرِ
الوحشيةْ.
رَبطوا بسوالِفهم جِدْعَ الزيتونةِ
واقتلعوها من تُربتها
فأنتدبَ القومُ
وشيعنا للمقبرة ِ شهيدتنا
وأقمنا بيتَ عَزاءٍ للزيتونةِ
في أحداقِ الحريةْ
يا ولدي...،
مذ صارَ الزيتونُ لَنا رمزاً وهويةْ
قد سالَ دمُ الزيتونِ شَهيداً
وغدونا في القريةِ نتناوبُ
لحراسةِ أشجارِ الزيتونِ
من الأحقادِ
الصهيونية.
زيارة الوداع
أم تسيرُ على جمر الخطى فجراً
ولهفتها المعدتُ للخلاصِ
تصادق الطرقاتُ كي تصلُ الحبيبَّ
لأهله......
وتعلقُ الآمالَ فوقَ ناحية الرجاء.
تتوثبُ الخطواتُ
تبحثُ في الوجوهِ لكي ترى قمراً
تُعلقهُ في الثواني والدقائق فوق شباك اللقاء .
وعلى الزجاج دماء قلبَ الأم
يرسم قبلة حرّى
لإبنن قد لا تراه ولا يراها
بعد هذا اليوم أطلاقاً
لأن إرادة الموت الجبان تضخمتْ ببلادنا
ولربما من بعدِ هذا اليوم تقتلع
السماء.
وغادرتْ ضوءَ العيونِ
لعل زيارةً أخرى سَتجمعها قريباً
بالذي قد أغمضضتْ عيناه أوجاع الغيابْ
فَراحَ يقذفُ قلبه في الصبح
بين زيارتين وأمنية
فَزفَ في عرس الشهادةِ صاعداً
لظلالِ زيتوناته.
وسقى عروق الأرض في مسك الدماء .
الشاعر الاسير ناصر الشاويش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق