السبت، سبتمبر 16، 2023

مجلة وجدانيات الأدبية (( صلاةُ الغائب )) للأديب صالح الخصبة


صلاةُ الغائب
#########
يا لذاكَ القدرُ الّذي يَخترقُ كِبرياءَ الإنّسانِ فيكّبحَهُ وينطَحه ، يتَولاهُ في يقظته وغفوته وسراديبِ روحه ، فيتّرَكهُ عائماً على جراحاتِه بعدَ أن نزَعَ مِنّهُ الغنائمَ وأَورَثهُ الدفائن ، شاءَ أم أبى ، في دوّامةِ نفحٍ دفينٍ للكسبِ تلفظه الزوابع .
كم من حالمٍ إمتَشَقَ الحلمَ حلماً فقتله ، وكم من سليطٍ منتفخٍ تضاءَل حتى إندثر ، وكم من مُرابٍ غرَّهُ الأَمدُ فعاجلته الثواني ، وكم من مُتجبّرٍ فظٍّ بحثَ في سجلّاتِ عُمرِهِ عَن ثانيةٍ مُتبقّيةٍ ليُقيمَ ركعة ، وكم من مُترفٍ ترفّعَ عن عبّادِ الثرى فتكحّلَ بالوحل ، هذا عدلُ الله وما جنيتُم وما رَبُّكَ بظلامٍ للعبيد .
حاشا لله أن نشمتَ بميت ، لأَن للموت ِرهبةٌ وفجيعة ، وفزعٌ ورعاف ، وخوارٌ وعويل ، ومحطُاتٌ وعِبر ، وأشباحٌ قبيحةٌ تلصقُ على جدرانِ قّلبكِ وحَوافِ مُخيّلتِك ، حتىّ تعّصرَالدمعُ فيرفضك ، وتمضغَ الريقَ ولا تبلعه ، وتغرفَ من بينِ جفافِ حلقِكِ السخونةِ ، صبراً وتسليم .
ليتَ أَقدَرَنا على البطّشِ والتنكيلِ والفوقيةِ أَقدَرَنا على المقاومة ، وأَمكننا على المكابرة ، وأَسلَطنا على جلبِ الدمعِ من منافذه كما كانَ ينفذُ للدونيين والعجزةَ والبسطاءِ بتحليلِ الحرامِ وتحريم الحلال ، وقد لجمَ الأَرضَ من أَطرافها حتّى تأتيه طائعةً بلا نقاش ، تلكَ هي الأَرضُ التي تمايزنا فوقها ، وتساوينا تحتها، حتّى في العراء.
كثيرا ًما يميلُ المالُ على جامِعُه ، فلا العمرَّ يساويه ، ولا الفهلوةُ تغنيه ، ولا ناطحة من السحاب تأويه ،
ولا الأَعذارُ تمنَعُ الأَقدار ، ولا الأَعمارُ مكفولةٌ ، فليسَ كلَّ غائمٍ ممطر ، ولا كلَّ متخمٍ سعيد .
وليتَ الإنسانَ بحجم حُلمه ، واتساعِ أمانيه ، وسعةِ طموحاته ، وفضاءِ تفكيره ، وظلامَ غفلته ، وعظيمِ شموخه ، وصلابة إرادته . وليته أجلدَ على التفكك والردم حينَ يُساقُ إلى أَرذلِ العمّر وقد تخطّى حواجزَ الضعفِ واجتاز سنابك الزمن زحفاً على عكّازة .
سلبيّون الإ في الأذى ، ماكرون حدَّ الدهاء ، سُفليّون زاخفونُ على بطوننا في هيبةِ التكاثرِ كالديدانِ في عفونةِ الرقاع ، نتصيّدُ الضعيفَ فنغريهِ بالمكر ، وقد نقتله ، خوفاً ان ينتزعَ منّا شبرا إلى الجنّة ، وجِنانُنا محّشوَّةٌ بالعبيد ، الذينَ رضعوا العبودية في جيناتها ، وأخلصوا لها ، فكانت أَرفعَ وسامٍ يناهض التحرّر .
على مِرآبِ الفواجعِ المشتاقةِ لبعثرةِ الآدميينَ الآمنينَ وسحقِهم كالخرافِ إلى المسلخ ، ودفنهم أَحياءَ في الطينِ والردم ، إلا يتهيأُ المتغوّلون َعلى حجمِ الكوارثِ للمسائلةِ والحسابِ ووخز الضمير ، ألم تشفع قلوبهم للصرخاتِ والشهقاتِ وندبِ الحظوظ ، ألم يرّقَ لهم قلبٌ وتذرفَ عينٌ ويهتزَّ جفن ، أَلم تشبعهم كوابيسُ الموت وقد يسقيهمُ المنونُ بذاتِ الكأس ...
لماذا همُ الطينيّون المُغّبرّون التائهونُ في هذهِ الأَرض ، النازفونُ المستسلمون لقدرِ الله وأمره ، وغيرُهم في جنّات ونَهر ، وأَبراجٍ مشيّدةٍ ونمارقَ مصفوفة ، وقد عبثوا بأعمارِ العبادِ وأرزاقهم وأمنهم وتبعاتِ عيشهم ، فاستسقوا المطرَ فكانَ غيثاً عليهم ، ومسخاً على المسحوقين .
كُلُنا طينيون فلا مفرّ ، ومَن إرتضى أن يكونُ تبراً ، وصنماً لنعبده ، فليعيدَ حساباتهِ ، فاليومُ " جاءَ الحقُّ وزَهقَ الباطل ، إنَّ الباطلَ كانَ زهوقا ، " " وقفوهم إنهم مسؤولون "، والأعمالُ بخواتيمها ، والرحمةُ للشهداءِ في كلِّ بقاعِ الأَرض ، وصلاةُ الغائبِ أولى أن تكونَ للذين غيّبوا الأَمةُ عن مقدراتهم .
############# S@leh

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...