نحو رأي جامع
4 
في منشور سابق قلت أن رجال الثقافة و الفكر و الفلسفة و الدين و الفن و الأدب ساهموا - جهلا منهم - في التكريس لمجتمع متهالك متآكل ميت، ذلك أنهم قدموا أقوالهم على أقوال العلماء، فكانت أقوالهم التي خلت من تحقيق و بيان هي المهيمنة
في ساحة ثقافة الإنسان مما أدى إلى هيمنة الجهل و تفشي الآراء العقيمة



و قبل الغوص في تفاصيل تلك المشكلة لابد من بيان جلي لحقيقة العلماء و دورهم في حياة الانسان ؟



قلت: العلماء بتحقيقاتهم النزيهة هم الناطق الرسمي المؤتمن على الحقيقة ؟



ف "العالم العلامة" يدرك بيقين آلية و كيفية و لحظة ملازمة حركة ما لشيء كوني [ على أنه ما من شيء في الوجود كله إلا تلازمه حركة مرئية أو غير مرئية ][ فهذه الحركة إما أن تكون مدفوعة بإرادة بشرية أو إرادة ربانية ]



حتى إذا قيل ل "عالم علامة" إن توقعات فلانا أو فلانه عما هو كائن غالبا ما تكون راجحة فما قولك في ذلك ؟ قال: تحقيق القول في هذه أنه أولا: ما من حركة كائنة في الوجود كله إلا هي كائنة بأمر الله و تقديره و إنها لفي كتاب مبين



أيها الأحباب: في منشوري القادم أبين لكم بعون الله تعالى سائر مقالة العالم العلامة التي اعتمدها في رده على السؤال
و أبين لكم أيضا أن العلماء منهم علماء شريعة و منهم علماء طبيعة
هذا و الله المستعان
5 
كما المحقق يسعى دأبه إلى استقصاء و استقراء خيوط جريمة ما لمعرفة الفاعل، فكذلك العالم العلامة يسعى إلى معرفة وجه الخطأ من الصواب في أية مسألة تشغل بال المجتمع، فهو يستعرض وجهات النظر التي قيلت في تلك المسألة، و يبدي رأيه فيها برفض أو قبول و ذلك بموجب تعليل منطقي و بموجب ترجيحات تقتضيها قواعد و تأصيلات و فنون و أدبيات أهل الاختصاص [ و يشترط في ذلك البراءة من تعسف و البعد عن عناد ]



المنبر الإعلامي - أيها السادة و السيدات - إذ يشتري صوت عالم علامة و يصرف كلامه لخدمة جهة ما مستفيدة يكون بذلك ساهم في التكريس لمجتمع متهالك متناحر



كان أحد العلماء يقول: { أنا لا أخشى من كلماتي و مواقفي و آرائي و نتائج تحقيقاتي غير أني أخشى أن يساء فهمي و تحرف كلماتي و تؤول على غير ما أريد و أقصد }



ليس العلماء - أيها السادة و السيدات - رجال فكر و فلسفة و فن و أدب و سياسة و تاريخ، بل هم رجال تحقيق و تأصيل و تقعيد و تقنين و تحرير لمعاني و مباني و مرادات اللغة



6 
قال لنا أصحاب البحث و الدراسة أنه أصبح بمقدور المجتمع البشري إنتاج خلايا حية تنمو و تتكاثر بشكل تلقائي و بحسب الرغبة و الطلب !



و قال لنا أستاذ العلوم الطبيعية يوم كنا على مقاعد الدراسة: { لم و لن يتمكن أصحاب البحث و الدراسة من إنتاج خلايا حية }



هنا وقعنا في حيرة من أمرنا ! ترى هل فعلا أصبح بمقدور العلم الطبيعي إنتاج خلايا حية ؟! أم هي مجرد خدعة يراد من خلالها صرف الناس عن إيمانهم الميتافيزيقي ؟!



قلت: هنا يتجلى لنا دور "العالم المحقق" الذي يسعى دأبه إلى جمع الأدلة كلها و مناقشتها واحدة تلو الأخرى معتمدا في ذلك على فهم دقيق لسنن الكون و منظومته المتناهية الدقة، و معتمدا في ذلك على قواعد و قوانين و مسلمات و بديهيات أهل الاختصاص في العلم الذي هو بصدده



و يخرج العالم المحقق بعد ذلك بقول فصل ملزم حتمي و قطعي لا يحق لأحد مناقشته فيه إلا عالما محققا في ذات المسألة يتحاجان فيها وفق أصول و مبادئ و منطلقات العلم و المنطق



و إذن، بهذا يتبين لكم - أيها الأحباب - حقيقية ما أقصده بدور " العالم المحقق " و لماذا أطالب الناس جميعا بالوقوف خلفه دون الوقوف خلف أهل الفكر و الفلسفة و الفن و الأدب و التأريخ


7 
خلال مطالعاتي لردود الأخوة و الأخوات الأفاضل على منشوري السابق تبين وجود إشكال عند البعض منهم، إذ ظنوا أنني أقصد بالرأي الجامع: اجتماع أصحاب المذاهب و الأديان و الطوائف على رأي واحد - و هذا ليس بمستطاع - لكنني أقصد بالرأي الجامع اجتماع الناس عند رأي "عالم محقق" ليس له بالسياسة و تبعاتها و ما ينجم عنها من تناحر وضلال و سوء حال، و ليس له أن يتقول بما ليس له به علم



قلت: لو لم يكن " العالم المحقق " موجودا لوجب إيجاده بعيدا عن مشورة حاكم أو سلطان مال أو تبعية مخزية



فالرأي الجامع إذن هو رأي " عالم محقق " يجتمع الناس عند رأيه باعتبار أن المسائل التي يحقق فيها و يصدر رأيه فيها تغدو من المسلمات حتى و إن اختلف الناس في فهمها و في الإحاطة بمضمونها و ما يترتب عليها
[ قلت: و في كل باب من أبواب العلم ثمة عالم محقق تستقيم به و معه الأمور ]



لقد بينت لكم فيما مضى أيها الأحباب أن العالم المحقق يجب أن يكون من أهل الاختصاص في المسائل التي يتطرق إليها، و ألا يبدي رأيه في أمور ليست من اختصاصه، و أن يكون وقافا عند قواعد العلم و فنونه و أدبياته



خلاصة الكلام أيها الأحباب أن الرجل المناسب في المكان المناسب يجعل الناس تنصاع للحق عن رضا و طيب خاطر



8 
أضع بين أيديكم اليوم أيها الأحباب أمثلة عن دور "العالم المحقق" الذي أطالب بإيجاده و السير خلفه كي تستقيم به و معه أمورنا و نتقن دورنا في الحياة من غير أن نكون تحت خط الفقر المعرفي، العلمي، الثقافي.



كنت قد سقت لكم أيها الأحباب مثالا عن تحقيق القول في مسألة قدرة أو عدم قدرة المجتمع البشري العلمي من إنتاج خلايا حية يضاهئ بها خلق الله العليم الحكيم القدير



و الآن أسوق لكم مثالا عن تحقيق القول في مفردة عربية ضمن مجال علوم اللغة العربية - هي مفردة لو أدركنا معناها الحقيقي كنا أكثر وعيا و قدرة على إنشاء علاقات محكمة رائعة



عرفته عالما لغويا معاصرا تناول كلمة < الناس > بدراسة و تحقيق و تحرير، في محاولة منه كشف خفايا تلك الكلمة و عظمتها و روعتها، فكان خير من حقق و بحث فيها



فبعد أن استعرض أقوال علماء العربية ممن سبقوه و عاصروه بحثا و تحقيقا في تلك المفردة، ذهب إلى وضع وقفاته الرائعة فيها بحيث تدرك بعد قراءتك لكلماته حقيقة نفسك و موقعك من " الناس "



9 
يمكن لأي امرئ عاقل واع مفكر، نقد و غربلة و تمحيص تراث أمة /فكري - لغوي - ديني - تاريخي/ بشرط أن يكون من أهل التحقيق العلمي و ليس مجرد أديب أو إعلامي أو مثقف بثقافة عامة -


و كنت قد بينت لكم بأمثلة نموذجية آلية و كيفية قيام عالم محقق بعمله وفق شروط لازمة لعمل متقن محكم و رصين.


[ شروط العمل المتقن لدى المحققين:
- تناول مادة التحقيق بجدية و أريحية ونزاهة و سلامة طوية
- تنزها و ترفعا عن إصدار حكم مسبق بمادة يحقق القول فيها
- صرامة و اعتدال في رأي ثبت للمحقق بدلائل قطعية أنه صواب
- لا ينزع المحقق إلى القطع برأي دون رأي في مادة يحقق فيها إلا بمقتضى قاعدة أو شاهد مجمع على صحته عند أهل التخصص


قلت: يتفرس علماء النفس وجه امرئ فيحكمون فيه حكمهم بعلم و خبرة و دراية دونما خطأ في ذلك، و هذا يعني أن العالم المحقق يتوجب عليه أن يكون على علم و خبرة و دراية و فراسة و نباهة و ذكاء لا حدود له


سقت لكم أيها الأحباب مثالا عن عالم لغوي محقق يتناول مفردة {{ الناس }} ببحث و دراسة و تحقيق و تأصيل؛ و وعدتكم الاستفاضة ببيان رأي هذا العالم بخصوص هذه المفردة، لكنني آثرت هنا تقديم هذه المقدمة تمهيدا لوضع القارئ أمام صورة حقيقية لحال العالم المحقق الذي يتقن عمله من غير بهارج و زخارف و كاميرات و مهرجانات و كرنفالات


10 
= مهمة "العالم المحقق" تحقيق القول في مسألة ما بغض النظر عن قبول أو عدم قبول الناس لنتائج تحقيقاته =



مالذي تعنيه كلمة " ناس " ؟
و مالذي يترتب على معرفتنا للمعنى الحقيقي لهذه الكلمة "ناس" ؟ و هل يؤثر فهمنا لهذه الكلمة على سلوكنا ؟



قلت: الناس: أفراد من بشر لا ثبات لهم على رأي، بل ديدنهم التردد و التذبذب في مواقفهم و آرائهم و قناعاتهم [ تجدهم تارة يتجهون نحو يمين و تارة نحو يسار بحسب ما تقتضيه مصالحهم أو بحسب ما يقتضيه مبدأ اقتناص الفرص لديهم أو بحسب جهلهم بمسائل تخص سلوكهم و أقوالهم و أفعالهم و حالهم ]



يزداد أمر "الناس" سوء حالة كونهم غير مستعصمين بركن شديد ينطلقون منه في معايرة علومهم و أفكارهم و آرائهم و في رسم مستقبلهم [ قلت: تحقيقات المحققين في كل علم وحدها تعد بمثابة الركن الشديد للناس ]



و في منشور لاحق أبين لكم بعون الله تعالى كيف و لماذا تم تعريف " الناس " بهذا الشكل؟ و ما أثر هذا التعريف على سلوكنا و أفعالنا ؟ و من منا يخرج عن نطاق هذا التعريف ؟


11 
في منشوري السابق استعرضت و إياكم تعريف "الناس" باعتبارهم: مجموعات بشرية مترددة في إتخاذ قرار، و أن القرارات التي يتخذها الناس محكومة إلى محدودية علمهم و قدرتهم



مادة "الناس" من النوس [ ن.و.س ] و النوس: التذبذب و التأرجح { قلت: لا يتأرجح الناس بأجسامهم بل بآرائهم و معتقداتهم و أفكارهم و قراراتهم }



حرية الناس وحدها سبب تأرجحهم ! إذ لو التزم الناس أو ألزموا برأي واحد إذن لكانوا مجبرين قدرا و تقديرا و قضاء مبرما



تأبى تصاريف اللغة أن يكون الأصل في مادة "ناس" إنسان أو نسيان، إذ الأصل في مادة إنسان [ أ.ن.س ] و الأصل في مادة النسيان [ ن.س.ي ] بينما الأصل في مادة "ناس" هي [ن.و.س ]
و طبعا فإن قواعد اللغة تقول بأنه لا بد عند الاشتقاق اللغوي من توافق يكون بين معنى المادة و معنى الصيغة



- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق