الجمعة، يوليو 18، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( صناعة الإنسان )) بقلم الكاتب صخر محمد حسين العزة



صناعة الإنسان
بقلم : صخر محمد حسين العزة
أيُّ صناعة أو بناءٍ أو أي إنتاج في هذا الكون لا يكون جيداً وقوياً ومتيناً أو أن تكون ثمرة طيبة ، لا بُدَّ أن تكون نتاج يدٍ صانعة أحسنت البناء ، وأتقنت الغرس ، ومنها يخرج البناء أو الصرح القوي الذي من الصعوبة أن تهتز أركانه ، أو الآلة التي أبدعت في صنعها يدٌ ماهرة ، أو غرسة نبتت طيبة لأن زارعها أحسن زراعتها ورعاها حتى تكون ثمرة طيبة ، ولكن هناك صناعة أو غرسٌ تختلف في صناعته وزرعه كل المعايير ، فبه يكون نهوض أمة ورفعة أبنائها ، وذلك هو الإنسان .
إنَّ بناء الإنسان هو الأساس ولا يكتمل بناء الأوطان ، إلا ببناء المواطن الذي هو الثروة الدائمة لأبناء أمته ، لأنه محور كل تقدم حقيقي وعامل حفظه واستمراره ، فبناء البشر قبل الحجر ، إذ لا قيمة لأي بُنيان إذا هُدم الإنسان ، فلا بُدَّ من بناء المواطن بناءً شاملاً مُتكاملاً : عقائدياً وعلمياً وخلقياً وبدنيا ، وثقافياً واجتماعيا ليتمكن من نفع نفسه ووطنه ، وهذا ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم من البناء لأصحابه، فكان يربيهم على العقائدِ الصحيحة ، والمبادئ القويمة ، والأخلاق الحميدة ، والأقوال السديدة، والأفعال الرشيدة ، فكانوا أكملَ خلقِ الله على الإطلاق .
إن صناعة الإنسان تبدأ من قلبه ونفسه وروحه ؛ صناعة محكمة متكاملة ، وتقع مهمة بناء الإنسان منذ ولادته بدءاً من أسرته ومن ثمَّ إلى مدرسته وجامعته وبعد ذلك مجتمعه ، وتعتمد مهمة بناء الإنسان بتعزيز سلوكياته وترسيخ القيم المجتمعية فيه وعلى رأسها عقيدته ودينه والتزامه بالمعايير الأخلاقية والوعي الذاتي ، والقيم العُليا في الحياة ، وتعتمد عملية بناء الإنسان وبناء شخصيته في جميع النواحي الجسمية والعقلية والنفسية والروحية والاجتماعية على ما غُرس فيه من قيمٍ وأخلاق ومبادئ منذ نعومة أظفاره، وهذه كلها مهمة مؤسسات المجتمع التي تكون مكملة لدور الأسرة والمدرسة والجامعة وهي دور العبادة والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام ، وبكل هذه العناصر متكاملة نصل إلى بناء إنسانٍ واثقٌ من نفسه وفيه روح التحدي والإنتماء لدينه ووطنه ، وتبث فيه روح التعايش بين أفراد مجتمعه وفقاً للمنطق الرباني في قوله تعالى في سورة الحجرات – الآية 13 : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
وأهم مدرسة في صناعة الإنسان القويم هي الأسرة التي عمادها الأب والأم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : (كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهل بيته ومسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها، والعبد راعٍ في مال سيده ومسؤولٌ عن رعيته، ثم يقول ﷺ: ألا وكلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، فالواجب على الرجل أن يُحسن الرعاية لأهل بيته ) ولكن في الأسرة الأبوان هما أكثر ملازمة للأولاد، وهما أعظم تأثيراً عليهم سلباً أو إيجاباً؛ كما دل على ذلك الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ، ولكن الأم بصفة خاصة أكثر ملازمة للأولاد من الأب، ومن ثَمَّ فهي أكثر تأثيراً عليهم؛ فهي الحضن الدافئ للأولاد ينهلـون من روحها، ويتطبعون بطبعهـا؛ فهـي التي ترضعهم من خُلُقها قبل ثديها، وتغمرهم بالعطف والحب، وتبذل الغالي والرخيص في سبيل تربيتهم وتقويمهم وإصلاحهم، فالأم ينعكس خلقها على أبنائها سلباً أو إيجاباً، وقدمت الشريعة الأم على الأب في صناعة الأولاد منذ الصغر؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «قضى أن المرأة أحق بولدها ما لم تتزوج ، والأم بجدارة هي مربية الأجيال، وصانعة الرجال، والأمينة على أخلاق الأطفال، والمدرسة الأولى في تنمية أخلاق الأبناء، وتعديل سلوكيات الأطفال؛ كما قال حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا بالريّ أورق أيما إيراق
الأم أستاذ الأساتذة الألى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
فالأم هي المعنية بالمقام الأول بتحقيق ما قرره بعض التربويين بقوله: «أعطني السبع السنوات الأولى من عمر طفل، أعطيك رجلاً» فهي من ينقش في لب الأولاد المعاني والمفاهيم، ويرسخ فيهم الآداب والقيم. وهي المعنية أيضاً بالمثل السائر: «وراء كل رجل عظيم امرأة». وتربية الرجال وصناعة الأجيال ليست بالأمر السهل؛ بل هي مهمة صعبة وشاقة، تستدعي مزيداً من الصفات التي يجب أن تتوفر لدى مربية الرجال وصانعة الأجيال؛ ومن ذلك: أن تكون صالحة في نفسها، مصلحة لغيرها من أخواتها المسلمات، طائعة لربها ولزوجها في رضا ربها، حافظة لفرجها، صائمة لشهرها، قائمة بما أوجب الله عليها، مبتعدة عما نهى الله عنه، قدوة حسنة لأبنائها ، ولهذا قد أكد الله عزَّ وجلْ في سورة الفرقان – الآية 74 على أهمية ألأم في الأسرة ، إذ قال تعالى : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }
وفي التاريخ الإسلامي أُمهات صنعن وخرجن رجالاُ كصفية بنت عبدالمطلب التي ربَّت إبنها الزُبير بن العوام ، وصار قائداً من القادة الكبار يشار إليهم بالبنان ، وهو أول من سيفاً في سبيل الله ، ونستذكر نموذجاً آخر ألا وهو الإمام العظيم الأوزاعي ، فقد نشأ الأوزاعي يتيماً فقيراً في حِجر أُمه ، فنشأ عالماً يُضرب به المثل لسعة علمه وغزارته فهذا العالم الكبير كان ثمرة من تلك الأم التي أحسنت غرسها ، ونموذجٌ آخر هو سفيان الثوري الذي كان لأمه عظيم الأثر في تنشئته تنشئةً صالحة وربته على حُب طلب العلم ، والإشتغال به ، فعن وكيع قال : [ قالت أم سفيان لسفيان : إذهب فاطلب العلم ، حتى أعولك بمغزلي (الغزل فتل الصُّوف أَو الْقطن وَنَحْوهمَا بالمغزل)، فإذا كتبت عدة عشرة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة، فاتبعه وإلا فلا تتعنَّ ، وتاريخنا الإسلامي مليء بالنماذج والأمثلة والشواهد على دور الأمهات في صناعة الأجيال، وقد أحسن الشاعر حينما قال:
ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
إن مقدمتي هذه هي مدخلاً مهماً لما نراه من إعجاز منقطع النظير وإلى صور تذكرنا بالصحابة الأوائل ، وما كانوا يقومون به من تضحيات يحملون أرواحهم على أكفهم ، وهذا ما تجسد في المجاهدين من أبطال غزة في معركة طو فان الأقصى التي لا تزال دائرة رحاها منذ ما يزيد عن ستمائة وثلاثين يوماً من تاريخ كتابة مقالي هذا ، فهل هؤلاء الرجل هم بشرٌ مثلنا ؟!!!، وهل طينتهم مصنوعة كأي إنسان آخر؟!! وما السر وراء هذا الصبر والثبات وهذه العزيمة والإرادة التي تفتُّ الجبال؟
إن ذلك عائد لصناعة الإنسان منذ نشأته الأولى وما فُطر عليه ، فإن أركان صناعة الإنسان والأُسس التي تتحكم في بنائه وتشكيله بيَّنها الله في سورة العصر ، إذ قال الله عزَّ وجلْ :{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } فهذه الأركان كما هو موضحٌ في هذه السورة الكريمة : ( الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ) وقد ورد مُصطلح صناعة الإنسان في قول الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام في سورة طه – الاية 39 :
{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} إن طوفان الأقصى كان إعجازاً حيثُ أن فئة قليلة من المجاهدين الصابرين حفظة كتاب الله في غزة غلبوا جيش الإحتلال الص هيوني في بضع ساعات ، وغلبوا كل الداعمين له بالمال والسلاح منذ بدء العدوان على غزة وحتى الآن ، وكل هذا تدبير وتوفيق من الله ، وقال الله تعالى في سورة البقرة – الاية 249 : {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ومن صور الإعجاز وتوفيق الله عندما يخرج المقاتل حافي القدمين مكشوفاً ومراقباً من أجهزة المراقبة على الدبابات والطائرات المسيرة التي ترصد دبيب النملة على الأرض ، فيقذف قذيفته المصنعة بيده ، وهي شيء لا يذكر أمام التكنولوجيا والتسليح لهؤلاء الجنود المدججين بالسلاح المتطور ، ولكن بتوفيق الله يدمر الدبابات والآليات ويقتنص الجنود ، وكل هذا من تدبير الله ونصره لهم إذ سدد رميهم ، وقال تعالى في سورة الأنفال – الآية 17 : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
إن معركة طو فان الأقصى ستسجل بالتاريخ لهزيمة الجيش الذي كان يتغنى بأنه الأسطورة التي لا تُقهر ، وهزم خمسة جيوشٍ عربية بستة أيام ، فهزمه قاذف الياسين وعبوات الشواظ البدائية الصنع ، ولن تُمحى هذه الهزيمة عنهم على الأيدي المتوضئة من المجاهدين- الصحابة الجدد الذين جابهوا هذا العدو حُفاة عُراة ، وبطونهم خاوية من الجوع ، ولكن كان الله معهم ، فسطَّروا ملاحم ستُسجل لهم في لوحات الشرف والعزة والكرامة ، وهؤلاء الأبطال هم صناعة أمهات وآباء ربوهم على الإيمان وحب الوطن وبأخلاق الإسلام العظيمة التي غرسها الله فيهم ، فعندما ترى الأم تخرج تودع إبنها الشهيد بالزغاريد محتسبة أجرها عند الله ، أو ترى الأب صابراً كالجبل أو الطود الشامخ ولسان حاله يقول : الله أعطى والله أخذ ، ، أو كما قال أحدهم وقد إستشهد أبناؤه الثلاث ( متعيطش يا زلمة ) فهؤلاء هم من خرجوا هؤلاء العظماء الذين صنعوا المعجزات ودمروا أسطورة هذا الجيش الذي لا يُقهر ، وكانوا يجابهون جنود العدو من مسافة صفر ليضعوا العبوات على دباباتهم ويزرعون الكمائن ،و يداهمونهم في البنايات المهدمة ليصطادوهم كالفئران ، وهذا كله بنصرٍ وتوفيقٍ من الله لأنهم متوكلون على الله في كل شاردة وواردة ، فأيدهم الله بنصره ، قال تعالى في سورة الحج – الآية 40 : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ، ويقول الله تعالى أيضاً في سورة المائدة – الآية 23 وكأنها نزلت لهم على ما يسطروه من بطولات وإعجاز : {ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }
إن الله يدافع عن المجاهدين وعن أهل غزة لإيمانهم وصبرهم ، فقد اجتمع عليهم الصه اينة ، ومعهم دول الغرب والمتواطئين من عربٍ ومسلمين ، ومع ذلك لم ينالوا ما سعوا وخططوا له وذلك بتوفيقٍ من الله عزَّ وجل ، قال تعالى في سورة الحج – الآيات 38-39 : {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) }
فلا بُدَّ أن يتحقق الوعد الإلهي بالنصر لهؤلاء المستضعفين رُغم كل ما هم فيه من كربٍ والم وجوعٍ وقتلٍ ودمار ، قال تعالى في سورة محمد – الآيات [7-11] : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7)وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(8)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(9)أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا(10)ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ(11) }
إن هؤلاء الأبطال صانعي طو فان الأقصى وصانعي إستراتيجة المسافة صفر الذين يتسابقون ليصطادوا دبابات العدو وآلياته فلا يرتدون دروعاً ولا واقيات ساترة بل حفاة الأقدام أو يلبسون نعالٍ خفيفة( شباشب) ليخرجوا من تحت الركام أو من فتحة نفق ليزرعوا عبواتهم في الدبابات ، ولا يهمهم كاميرات الدبابات ولا رصد الطائرات لهم ، ولأنهم يعرفون أن درعهم الواقي هو إيمانهم بالله عزَّ وجلْ لأنهم يرتكزون على عقيدة سليمة قوية وراسخة لا تزعزع ، ويعرفون أن الله لن يتخلى عنهم ، ولن ننسى القائد الشهيد يحيى السن وار الذي جابه العدو حتى آخر لحظة بحياته بعصاه ليلقيها على الطائرة التي استهدفته وليدحض باستشهاده كل أكاذيب الإحتلال والمتخاذلين الذين كانوا يقولون انه يختبئ بالأنفاق ويحتمي بالأسرى ، فكان مثالاً عن المجاهد الشهيد الذي امضى كل حياته مجاهداً من أجل قضيته وعدالتها ، ولن ننسى الشهيد الساجد البطل تيسير أبو طعيمة حافظ كتاب الله وأمام مسجد في بني سهيلا في غزة ، الذي لاحقته طائرة مسيرة وقصفته ليرتقي شهيداً قبل أن يختم حياته بسجدة لله مودعاً الحياة ، وكذلك البطل المقاتل الأنيق حمزة هاشم عامر الذي كان يتجول بقاذف الياسين 105 غير آبهٍ بأزيز الرصاص ليصطاد دبابات العدو ، ليرتقي شهيداً وليذهب للقاء ربه أنيقاً بمعطفه الأسود وحذائه الرياضي الناصع البياض ، وكأنه يقول في نفسه : ( والله ليعجبن الله مني ما أصنع ) ، وقبل أيام مجموعة من الأبطال وهم يطاردون دبابة هاربة منهم ، ويحاول أحد المقاتلين أن يفتح باب الدبابة ، وبعدها أيضاً الدبابة التي تم حرق سبعة جنودٍ ولم تستطيع قوة الإنقاذ من إنقاذهم فتحموا جميعاً ، وكان ذلك بعد أن قام المجاهد البطل الشهيد مصعب الغلبان باعتلاء الدبابة ليسقط عبوته من فتحة الدبابة ليحرقها بمن فيها من جنود ، وليستشهد بعد هذه العملية بأيام ، ولن ننسى سابقاً الأبطال الذين اقتحموا غلاف غزة بطائراتهم الشراعية وبدراجاتهم البخارية ليفككوا خلال ساعات فرقة غزة ، ويفككوا منظومة الإحتلال الإستخبارية ( الوحدة 8200 ) وكل هؤلاء هم حفظة القرآن الكريم
وختاماً نقول أن صناعة إنسان بمثل هذا المواصفات لا يكون إلا على يد أبٍ صامد معزز بالإيمان وعلى يد أُمٍّ صابرة تحتسب أبنائها عند الله إذا ارتقوا شهداء ، كالدكتورة آلاء النجار التي فقدت أبنائها التسعة وزوجها وبقيت صامدة صابرة تمارس عملها بإسعاف الجرحى بكل ثبات ، وأذكر بعجالة سريعة بعض الخنساوات اللواتي هن صحابيات هذا العصر من نساء فلسطين ، فالأمهات الفلسطينيات هن مدرسة في الصبر والثبات والصمود ، وهن أقوى من كُل الصدمات ولا تهُزُّهنَّ ممارسات الإحتلال ، فهن مصنع الرجال ومصنع الأبطال ، ولله درُّكُن يا خنساوات فلسطين وستبقى تتفاخرُ بكُنَّ الأجيال جيلاً بعد جيل ، وحريٌ بنا أن نذكر ونستعرض بعض هؤلاء الحرائر والماجدات :
أولاً : الأم المجاهدة البطلة رحمها الله مريم محمد يوسف محيسن ( أم نضال فرحات ) خنساء فلسطين وأم الشهداء والتي توفيت في عام 2013م وهي داعية إسلامية ، وقيادية من حركة حماس ، ولها من الأبناء أربعة أولاد وستُ بنات ، وقد استشهد ثلاثة من أبنائها والرابع مكث أسيراً في سجون الإحتلال أحد عشر عاماً ، وكان أول الشهداء من أبنائها محمد فرحات (17 عاماً) خرج عام 2002م من منزله في الشجاعية في اتجاه رفح، ليقتحم مستوطنة "عتصمونا" عند الحدود الجنوبية لقطاع غزة، وقتل وحده تسعة جنود إسرائيليين، وجَرح عشرين آخرين وقد درّبه أخوه الأكبر نضال، وجهّزته أمه لتنفيذ عمليته الفدائية، حتى إنّها ظهرت معه في فيديو وصيته وهي تودّعه وتوصيه بأن " يثخن في جنود الاحتلال" ، وبعد عام واحد في عام 2003م ، لحق نضال بأخيه ، وهو أحد القادة الميدانيين في كتائب "الق سّام"، وأحد المهندسين الأوائل لصو اريخ المق اومة ، وصاحب فكرة تصنيع الطائرات المسيّرة ، واغتالت أجهزة المخابرات الإسرائيلية الشهيد نضال في عملية معقّدة تم خلالها زرع عبوة ناسفة في طائرة صغيرة كان يجهّزها مع مقاومين آخرين في وحدة التصنيع العسكري ، وكان الشهيد الثالث شقيقهم رواد إستشهد في عام 2005م ، والذي أبدع أيضاً في التصنيع العسكري، وأجاد صناعة العبوات الناسفة والقنابل اليدوية والمواد الدافعة للصواريخ القسّا مية ، وقد تصدى رواد للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في الشجاعية والزيتون في مدينة غزة، حتى اغتاله الاحتلال أيضاً عام 2005 بقصف استهدف سيارته شرق مدينة غزة ، وها هو الآن إبنها الرابع وسام فرحات ( أبو حسين ) قائد كتيبة الشجاعية يخوض معارك البطولة والفداء مع رجاله في طو فان الأقصى في حي الشجاعية ، وقد أهدى المقاتلون القسا ميون إحراق إحدى دبابات العدو له بقولهم ( لعيون أبو حسين فرحات ) واليوم في "طو فان الأقصى"، دخل المقاومون، كما الشهيد محمد، إلى المستوطنات وقتلوا الجنود، وصواريخ "الق سّام" ومسيّراتها التي ساهم الشهيد نضال فيها تدكّ "تل أبيب" والأراضي المحتلة، والعبوات الناسفة التي أجاد الشهيد رواد صنعها تحرق جنود "إسرائيل" ودباباتها ، ومن جهة أخرى فقد حولت خنساء فلسطين أم نضال فرحات بيتها مأوىً للمجاهدين ، والذي استشهد فيه القائد عماد عقل الذي كان على رأس قائمة المطلوبين حياً أو ميتاً للإحتلال الص هيوني وأخطرهم عليه
ثانياً : المجاهدة البطلة فاطمة الجزار ( أم رضوان ) رحمها الله والتي توفيت عام 2016م وقد قدمت خمسةً من أبنائها شهداء وثلاثة من أحفادها وشقيقها وصهرها وكانوا جميعاً ينتمون إلى حركة الج هاد الإسلامي ، وقد كان أول المستشهدين من أبنائها نجلها أشرف في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال الإسرا ئيلي على حدود فلسطين الشمالية في الأول من تموز 1991م.
ثالثاً : الأم المجاهدة أسماء أبو الهيجا ( أم عبدالسلام ) من مدينة جنين البطولة والفداء الأسيرة المحررة وزوجة الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد تسعُ مرات وعشرون عاماً فوقها وهي أم الشهيد وأم الأسرى.
لقد ربت أبناءها وأحفادها وتراهم يكبرون في ظل غياب الزوج، وتناست آلامها وأوجاعها سنوات، حتى أنها لم تعد تبصر بعينيها ، وجربت أم عبد السلام صنوف المعاناة في نفسها وأسرتها، فاعتقلها الاحتلال 9 أشهر، واعتقل جميع أبنائها عبد السلام وعصام وعماد ، وحمزة قبل استشهاده عام 2014 إعتقل هو الآخر، وقُصف منزلهم وهم داخله ، وأحرقه جنود الاحتلال أيضا عندما أخفقوا في اعتقال زوجها مرة من المرات ، كل ذلك جعل منها صخرة صلبة تحطمت عليها آلام الحياة ومتاعبها ، وجعلتها درعاً حصينة لعائلتها ، كما لم تسقط من أجندتها غرس محبة زوجها في نفوس أولاده ، وقد اعتمدت في تربية أولادها على الإعداد الجيد والتربية العقائدية لأولادها ، ومن ثم تسوية السلوك وصولا إلى التعبئة الوطنية والتحشيد، وتغليف ذلك تحت إطار "تحرير الوطن"، ولم تكن تكترث بالعواقب مهما كانت صعبة.
ومن أقوالها عندما استشهد إبنها والذي كان شعاراً لها عندما يستشهد أحدهم : " قطعة مني سبقتني إلى الجنة"، وتقول "ما دام الموت في سبيل الله فكل شيء يهون"
رابعاً : الحاجة لطيفة محمد ناجي أبو حميد ( أم ناصر ) أبو حميد الذي قضى في سجون الإحتلال ما يُقارب تسعةٌ وثلاثين عاماً وارتقى شهيداً بتاريخ 20 / 11 /2022 بسبب الإهمال المتعمد لحالته الصحية لأنه كان يُعاني من السرطان ، وقد سبقه في الشهادة أخوه عبدالمنعم ولأم ناصر ثلاثة أبناء أسرى يقبعون في سجون الإحتلال ، وقد هُدِم بيتها خمس مرات ، وهي ترفض أن يواسيها أحد عما يقترفه الإحتلال وتقول بعد هدم منزلها : ( أفتخر بأنني أم الشهداء وأم الأسرى ، هم يهدمون البيت ، لكن لن يهدوا حيلي ، الحيل قوي وما بينهد ، وسأعيد بناء ما هدموه ، وقد سبق أن هُدم بيتها أربع مرات في الأعوام(1990 ، 1994 ، 2003 ، 2018 والمرة الخامسة في عام 2019 ) ولن ننسى أن نذكر أمهات الأبطال إبراهيم النابلسي ، وأشرف نعالوة وصالح البرغوثي ، وعبدالله فارس ) اللواتي حملن نعوش أبنائهُنَّ على أكتافهن مع رفاقهم ، وما هؤلاء الخنساوات الماجدات ، إلا نزرٌ يسير من قائمة تطول من بطولات نساء فلسطين ، اللواتي يقفن جنباً إلى جنب مع رجالات وأبطال فلسطين ، فهنَّ شقائق الرجال ومصانع البطولة والفداء .
المصادر :
1 – موقع طريق الإسلام
2 - وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
4/7/2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...