الخُذلان وسُنَّة الإستبدال
بقلم : صخر محمد حسين العزة
من أجل أن تحصُل على ماءٍ نقيٍّ لا بُدَّ من أن تعمل فلترةٍ للمياه لتنقيتها من الشوائب والطحالب العالقة فيها ولتحصل على ماءٍ زُلالٍ صالحاً للشُرب ، وعند الفلاحين في القُرى يلجؤون إلى إستعمال الغُربال لتنقية الحبوب من قمحٍ أو عدسٍ أو أي نوعٍ آخر من الحبوب للتخلص مما فيها من شوائب أو فضلاتٍ عالقة فيها
إن ما قصدته في مقدمتي هذه ينعطف على منحيين تواجههما شعوب أمتنا وقياداتها عربيةً أو إسلامية بما يحصل في معركة طو فان الأقصى وتبعاتها ، فمعركة طو فان الأقصى عملت على فلترة الدول وشعوبها ولتكون الكاشفة والفاضحة للمواقف فإما حُرٌّ وشريف ، وإما خائنٌ وعميل ، وهذا ما هو ظاهرٌ للعيان من تخاذلٍ وتواطؤ من حكومات إرتضت الهوان والذل ، ولم تستطع إدخال ولو قطرة ماءٍ أو كِسرة خبزٍ لأبناء قطاع غزة المنكوب بما حاق به من قتلٍ وتدمير وتجويع من أحقر من عرفتهم البشرية ، وليس هذا وقفاً على الحكومات وكذلك الشعوب فهي مستكينة إلا بعض الدول وبالمقابل نرى شعوب العالم الأخرى بمواقفهم العظيمة من أجل نصرة غزة وأبنائها ، والمنحى الثاني الذي أنا بصدد التكلم فيه هو مواقف الشعوب قبل الحكومات بالمواجهة بين الكيان الصهي وني إيران ، ولكي تضعنا بين خيارين لا ثالث لهما ، وهما إما الإصطفاف مع المقا ومة ونصرة غزة بأن يكون الفوز والغلبة والنصر لإيران في هذه المواجهة ، أو الإصطفاف مع الكيان الصهي وني الذي يذبح شعبنا في غزة ويستبيح أراضي الضفة بالقتل والتهجير .
وما يهمني في طرحه في هذا المقال هو هذه الحرب الدائرة بين هذا الكيان المسخ وبين إيران فالوقوف مع إيران في هذه المرحلة الحرجة والحاسمة ليس معناه أننا بنصرتنا لإيران نكون متفقين معها في مشروعها الصفوي الذي يهدف للتمدد في الدول العربية ، ولن ينسى أي إنسان عربي ما حصل في العراق أو سوريا وليبيا واليمن ولبنان من مجازر وقتل في أهل السنة ، ولكن نحن الآن في مواجهة مصيرية وحربنا مع هذا الكيان حرب وجود وليست حرب حدود ، فعلى كل الأمة أن تتوحد الآن في وجه هذا الكيان ومن وراءه بغض النظر عن المذهبية والطائفية ففوز هذا الكيان هو ضربة ساحقة لكل المسلمين سُنًّةً وشيعة وليس لإيران وحدها ، وما كان تحالف هذا الكيان مع إيران سابقاً الغير معلن هو وحليفته أمريكا وما كانوا إلا مطية لتنفيذ مخططاتهم مقابل أن يحققوا مصالحهم بالتمدد والنفوذ ، ولكن ما كان هذا كله إلا تمهيداً لما يحصل الآن من عدوان ، وذلك بعد أن تخلصوا على مدار عدة سنين من الدول العربية التي هي الركيزة الأساس والقوة للأمة العربية ، فتخلصوا من العراق وسوريا وليبيا ، وأنهكوا الجزائر ولبنان ، وهمشوا دور مصر بالتطبيع ، وقبل ذلك كانوا قد ساعدوا في احتلال أفغانستان، والآن بقي الدور على إيران لأنهم لن يرضوا أن تبقى قوة نووية إسلامية أمامهم ، وإذا تحقق لهم الفوز في هذه المعركة وإنهاك إيران وإضعافها ، فسيكون الدور على باكستان والجزائر وهو ما أصبحوا يصرحوا به علانية بتغيير خريطة الشرق الأوسط ، وبذلك سيكون نهاية القضية الفلسطينية إلى الأبد ، وستتحقق لهم الهيمنة على كل المنطقة العربية ، فالوقوف مع إيران حالياً و عدمه ليس من أجل المذهب وهو ما نختلف معهم به ، فالوقوف معها هو بما تفعله في مواجهتها مع عدونا الأول العدو الصهي وني ، أمام عجز الدول العربية التي لا تُقدم إلا الشجب والتنديد وحتى ذلك أصبحت عاجزة عنه ، ولم تنصر غزة ولو بقطرة ماء بل كانت بعض الدول تطعن أبناء غزة بالظهر بتواطئها مع هذا الكيان المسخ ، ونرى أن ما تقوم به إيران أو ما كان من حزب الله اللبناني أو الحوثيين الذين لا يزالون من بداية معركة طو فان الأقصى لم يتخلوا عن نصرة غزة ، وقدموا ثمناً لذلك العديد من الضحايا إن كان في اليمن أو لبنان والآن إيران ، وقد يقول البعض أنها مسرحية ومتفقٌ عليها ، ولكن علينا أن نستمع لكلمة المرشد الأعلى آيةُ الله علي خامنئي الذي يقول فيها : ( لا يهمنا إن مُتنا أو تدمرت إيران ، ولكن ما يهمنا هو نصرة الإسلام وفتح المسجد الأقصى لأنهُ وصية النبي ، ومن لم تكن وصية النبي قضيته فهو ليس منا ونحن لسنا منه- قد يقول البعض أنه كلام للإعلام فقط ،ولكن فسؤالي للدول العربية والإسلامية السُنية : هل سمعنا من رئيس عربي قول مثل هذا القول ؟!!! ، ولكن أقول أن الله عزَّ وجلْ أمام هذا التخاذل والتواطؤ والخنوع قد استبدلكم بالفُرس ، يقول الله جلَّ جلالُه في سورة محمد – الآية 38 :{هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } فسُنَّة الإستبدال واضحة - الإستبدال بغيركم أي ليسوا منكم ، فما قولكم يا خير أُمَّةٍ إُخرِجت للناس ؟!!!.
ولكن قد يقول قائل وهل نتناسى ماذا فعلت إيران الصفوية وفي أعناقها دماء وأعراض وأموال أهل السُنَّة ، وستبقى في ذمتهم في الدنيا والآخرة ، ولكن أقول تبقى إيران ترفع راية لا إله إلا الله ، وتشهد أن محمداً رسول الله ، ولن نستطيع في يومٍ من الأيام أن نلغي صراعاً أزلياً بين السُنَّةِ والشيعة منذ آلاف السنين ، أو أن نُلغي الفروق فيما بينهم ، ولكن في ظل الواقع الحالي يتوجب علينا الوقوف مع إيران في وجه عدونا الأول الكيان الصهي وني الذي يتربص بنا وينتظر فناءنا ، وعلينا أن نأخذ من تاريخنا الإسلامي العِبر ، ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن تحالف مع قبيلة خُزاعة الكافرة بعد صلح الحديبية ، وتحالف مع اليه ود في غزوة الخندق ولكنهم خانوا العهد ، وعلينا أن نتذكر فرحة المسلمين بغلبة الروم على الفرس حيثً حدثت حرب بينهم في السنة الثانية عشر هجرية ، وقد نزلت آية في سورة الروم بذلك ، قال تعالى في سورة الروم – الآية1 - 5 : {الم(1)غُلِبَتِ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5) } وهذه السورة نزلت في يوم بدر عندما تغلبت الروم وهم أهل كتاب على الفُرس ففرح المؤمنون بذلك ، ولم يقولوا : ( اللهم اضرب الظالمين بالظالمين ) بل كان موقفهم واضحٌ كما عبرت عنه سورة الروم ، فلن ننكر على الشعوب العربية التي عانت من بطش المشروع الإيراني الصفوي وما عانته من ويلات ، ولكن لا يحق لك أن تكون متصهيناً وعميلاً للمشروع الغربي المعادي تاريخياً للإسلام ، وتتمنى الهزيمة لإيران الذي سيكون ذلك وبالاً على الأمتين العربية والإسلامية ، وتمهيداً لبسط وتنفيذ المشروع الصهي وني على الشرق الأوسط وقيام دولة إسرا ئيل الكبرى .
وفي الختام أقول أنه إذا انتصر العدو الصه يوني على إيران سيكون ذلك فاتحاً لشهيته للإستمرار بغطرسته من أجل تحقيق حلمه بالسيطرة على الشرق الأوسط ، والتمدد في الدول العربية ، وأولها الدول المطبعة معه ، وعليهم أن يأخذوا العبرة مما يحصل الآن بالحرب الدائرة مع إيران التي ما كانت إلا كيان وظيفي ينفذ ما تريده أمريكا وإسرائيل ، فبسقوط إيران ستكون الهيمنة على الشرق الأوسط وتحقيق الوعد التوراتي وحلم إسرائ يل الكبرى بقيام دولتهم من النيل إلى الفرات ، وتصفية القضية الفلسطينية ، وستكون ليبيا بوابتهم إلى أفريقيا وما يترتب عليه من تغيير الأنظمة في الجزائر وتونس حسبما يناسب مشروعهم ، ولكن إن انتصرت إيران في هذه الحرب فعلى الدول العربية أن تفكر بالوحدة لمواجهة أي خطرٍ يتهددها وأولها خطر مشروع التمدد الصفوي الشيعي من قِبلِ إيران ، ومن أجل مواجهة ذلك يجب التخطيط لتنفيذ ما يلي :
أولاً : إعلان الوحدة الشاملة لجميع الدولة العربية ، وإنشاء جيش عربي موحد ، فبالوحدة قوة ولن يستفردوا بدولنا ونكون كالجسد المرصوص وكما قال الشاعر المهلب بن أبي صُفرة لأبنائه:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أفرادا
وإلا سينطبق علينا المثل القائل : أُكٍلتُ يوم أُكٍل الثور الأبيض
ثانيا : إنشاء تحالفات مع الدول الإسلامية كباكستان وتركيا وماليزيا وأفغانستان وعمل إتفاقيات دفاع مشترك معها
ثالثاً : نبذ الخلافات والنعرات الطائفية التي هي مدعاة للفتنة ويغذيها أعداء الأمة الذين هم الوحيدين المستفيدين من تفرقنا ومن خلافاتنا ، وعلينا أن نتمسك بقول الله عزَّ وجلْ في سورة آل عمران – الآية 103 :{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
رابعاً : التخلي عن جميع الإتفاقيات مع دول الغرب وأولها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ، التي هي محور الشر والتي كانت وراء تأسيس الكيان الصه يوني ودعمه ، وعقد إتفاقيات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية
خامساً : فتح الباب للطاقات الشبابية المبدعة لمنع تسربها إلى الخارج ودعمهم من أجل العمل على التصنيع والإستغناء عن الإستيراد من الخارج ، وإنشاء هيئة تصنيع مشتركة ، والإعتماد على الذات في كل شؤون الحياة لنأكل مما نزرع ، ونلبس مما نصنع ، ويكون سلاحنا من صنع أيدينا وبهذا لن نكون تحت وصاية أي دولة طامعة بنا
سادساً : ترسيخ العقيدة الإسلامية والقيم والأخلاق العربية ، وتعزيز الإنتماء للأوطان وقضايا الأمة للأجيال النائشئة التي هي عماد الأمة ورمز قوتها وبذلك يتخلصوا من كل ما هو دخيلٍ عليهم من أفكار غربية هدفها سلخهم عن قيمهم ودينهم ، وكما قال عنهم الشاعر إبراهيم طوقان :
حيّ الشباب وقل سلاما أنكم أمل الغــــــــــــــد
صحت عزائكم علــــى دفع الأثيم المعتـــــــدي
والله مد لكم يــــــــــــدا تعلو على أقوى يــــــد
وطني أثرت لك الشباب كأنه الزهر النــــــــدي
لابدّ من ثمر لـــــــــــــه يوما و إن لم يعقـــــــد
سابعاً : إصدار عملة عربية موحدة مدعومة بالذهب والإستغناء عن التعامل بالدولار
ثامناً : النفط هو سلاح فعال في مواجهة الدول الطامعة في خيراتنا ، وقد تم اكتشاف فعاليته في حرب أُكتوبر عام 1973م
وفي النهاية أقول للدول المطبعة أن أمريكا ومعها الدول الأوروبية هم من كانوا وراء إنشاء هذا الكيان الصهي وني المسخ ، يتربصون اللحظة المناسبة للقضاء على كل ما يمت بالعروبة والإسلام بصلة ، فعودوا لحاضنتكم العربية والإسلامية وبهما عزتنا ونصرنا ، وعلينا أن نتذكر قول الله عزَّ وجلْ في سورة المائدة- الآية82 : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } وقال أيضاً جلَّ جلاله في سورة المائدة – الآية 52 : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
20/6/2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق