الأربعاء، سبتمبر 17، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( لا إنـسـانـيـة بـدون أخـلاق )) بقلم الكاتب صخر محمد حسين العزة

 لا إنـسـانـيـة بـدون أخـلاق

بقلم : صخر محمد حسين العزة
ثلاثُ صفاتٍ مترابطة مع بعضها تحكُمُ إنسانية الإنسان وبدونها يُصبحُ الإنسانُ وحشاً بشرياً وهي الأخلاق والدين والضمير فبدونها لا معنىً للإنسانية ، فعند فُقدان الأخلاق والبُعد عن الدين يؤدي ذلك إلى انعدام الضمير ويتحول الإنسان إلى حيوان بشري تحكمُهُ شريعة الغاب ، فلن تحكمه أخلاق ولا دين ولا قيم ، ولا ضميرٍ يؤنبه ويردعه عن أيِّ فعلٍ يقوم به إن كان صغيراً أو كبيراً ، وأتساءل ما فائدة العلم والتطور ، إذا لم يكُنْ لفائدة الإنسانية ، ولا يكون مسخراً لهدم المجتمعات وقتل الجنس البشري وإبادته ، ففي عالمنا الحاضر الذي تحكمه دولٌ شريرة تحكمها المادة والمصالح الآنية بعيدة عن الأخلاق والدين ، ويصنعون آلات القتل والدمار ، واختلاق الأمراض لإفناء الجنس البشري ، فيصبح العالم يعيش بالفوضى واللامبالاة ، وسبب ذلك نسف القيم والأخلاق الإنسانية التي تُشكِّل أساس المجتمعات الراقية ، فالأخلاق جوهر بناء المجتمعات الإنسانية وغيابها يؤدي إلى البُعد عن الدين وانعدام الضمير ، ويؤدي ذلك إلى تفكُّك العُلاقات الإجتماعية ، وانتشار الفساد والجريمة ، وتدمير القيم الإنسانية الأساسية مثل الثقة والتعاطُف مع الغير ، وتسود نظرية ( الأنا ) ويتحول المجتمع إلى بيئة من الفوضى والوحشية التي تفتقد أدنى درجات الإحترام والرحمة ، ويُصبح المجتمع الذي لا تحكمه أخلاق أو دين إلى مجتمعاً همجيَّاً ، فلن تردعه القوانين والأحكام لأن الذي يحكمه ضميره المريض ، فبدون الأخلاق لا قيمة للإنسانية ، فالأخلاق التي منبعها الدين القويم بمثابة الرادع الذي يُحافظ على كرامة البشر ، وتقي من السقوط في الوحشية المُطلقة ، فالأخلاق كما قال الدكتور مصطفى محمود رحمه الله في كتابه الشيطان يحكُم : ( الأخلاق هي الضامن الوحيد لاستمرار الإنسانية ، فحين تختفي الأخلاق يُصبح البشر كالذئاب ، يأكلون بعضهم البعض ، القوانين وحدها لا تكفي لترويض النفس البشرية ، فالإنسان يحتاج إلى رادعٍ داخلي – إلى شعورٍ بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين ) وهذا الرادع هو الأخلاق والدين التي بهما تصلح النفس الإنسانية ويستقيم الضمير .
إنَّ ما دفعني لكتابة هذا المقال عن الأخلاق وعلاقتها بالدين وبالإنسانية ، هو ما يحصُل من حملاتٍ إبادة لشعب أعزل في غزة العزة والكرامة على يد أبناء صه يون وبمباركة بل وبمشاركة من أمريكا وحلفائها ، وتواطؤٍ عربيٍّ مُهين منذ السابع من تشرين أول عام 2023م ولغاية الآن أي أوشكت حملات الإبادة والمجازر على أن تكمل عامين مُنذُ بدئها ، وما نرى من قادة العالم المتغطرس إلا الفُرجة على الضحية وهي تُذبح وتُدمَّر وتُجوَّع ويدينون الضحية ، ويُدافعون عن القاتل المتوحش ، وهذا كله لبعدهم عن الدين والأخلاق ، فلن تحركهم ضمائرهم العفنة مما يؤدي إلى فقدان معاني الإنسانية ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هُريرة : [ بُعثتُ لأُتمم مكارم الأخلاق ] فالله عزَّ وجلْ أرسل سيدنا محمد عليه صلوات الله وسلامه لإكمال وإتمام فضائل الأخلاق الحسنة وتتمة ما سبقه من شرائع ورسالات سماوية، وتصحيح ما وقع من انحرافات في أخلاق العرب قبل الإسلام، مثل الفخر بالأنساب واحتقار الفقراء .
إن الصه اينة بما يقومون به من قتلٍ وتدميرٍ وتجويع تنطلقُ من أفكارهم الدينية المُحرفة في كتبهم ، المُنطلقة من الشريعة اليه ودية ( شريعة الأغيار ) التي تتبدى فيها النزعة المُتطرفة في التمييز الحاد والقاطع بين اليه ود كشعبٍ مُختار أو كشعبٍ مُقدس كما يتهيأ لهم من أوهام ، يحلُّ فيه الإله من جهة والشعوب الأُخرى التي تقع في خارج دائرة القداسة في نظرهم من جهةٍ أُخرى ، ويعتبرون أيُّ جنسٍ غيرهم عبيداً لهم ، وليس مُقتصراً على العرب والمُسلمين ، فقد جاء في سفر إشعياء ( 5/61-6 ) : [ ويقف الأجانب ، ويرعون غنمكم ، ويكون بني الغريب حراثيكم وكراميكم ، أما أنتم فتُدعون كهنة الرب تُسمَّون خُدام إلهنا ، تأكلون ثروة الأُمم وعلى مدهم تتأمَّرون ] كما جاء في سفر ميخا (12/4) : [ قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديداً وأظلافكِ أجعلها نُحاساً فتسحقين شعوباً كثيرين ] وقد حضَّ كتابهم (التلمود) في دعوةً صريحة واضحة على قتل أيُّ غريب حتى لو كان من أحسنِ الناس خُلُقاً .
ولهذا ومن مُنطلق نظرياتهم هذه فأن الص هاينة يعتبرون العرب على وجه العموم ، والفلسطيني على وجه الخصوص من ضمن الأغيار ، ولو عُدنا إلى نصِّ وعد بلفور المشؤوم لوجدنا أنه يُشير فيه إلى سُكان فلسطين على أنهم الجماعات غير اليه ودية أي الأغيار ( الجوييم ) ولهذا فالحركة الص هيونية تهدف إلى إنشاء دولة يهو دية لا تضُم أيُّ أغيار .
ولهذا فكم من المجازر أُرتِكبت ضد أبناء فلسطين منذ النكبة عام 1948م وحتى قبلها ولغاية الآن ، وحتى من الدول العربية فلن ننسى مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982م التي ذهب ضحيتها ما يقارب أربعة آلاف فلسطيني وغيره من اللبنانين ومذبحة قانا أيضاً في لبنان في 18 نيسان عام 1996م وفي مقرٍّ أُممي داخل مقر اليونيفيل التابع للأمم المتحدة حيث كان يحتمي مئات المدنيين الهاربين من عملية عناقيد الغضب ، ومذبحة بحر البقر في مصر التي إرتُكبت في الثامن من نيسان عام 1970م ، والآن نرى المجازر وحملات الإبادة والتجويع تُرتكب في غزة وقد ذهب ضحيتها ما يزيد عن مائة ألف شهيد عدا عمن لا يزالون تحت الأنقاض وما يزيد عن ثلثهم من الأطفال بما يقارب أربعين ألف طفل ، وهذا من عقيدتهم إستهداف الأطفال ، ومعروفٌ عن أرييل شارون رئيس وزراء الكيان الإسرا ئيلي حيث قتل عام 1982م طفلين فلسطينيين من مخيم صبرا وشاتيلا بمسدسه الشخصي إبان الإجتياح الص هيوني للعاصمة بيروت في لبنان ، وكان قد مارس التطهير العرقي بحق الفلسطينيين في مختلف المواقع العسكرية والسياسية التي شغلها، وتمثل هذا التطهير في جزء كبير منه بالقتل ، إن قتل الفلسطينيين بالنسبة للعقيدة الصهي ونية جائز، فوفقاً لهذا التراث (يجوز قتل العربي من دون سبب ، وذلك لمجرد القتل) ويجوز أيضاً ( قتل النساء الفلسطينيات بمن فيهن الحوامل حتى لا ينجبن أعداء لإس رائيل) ويجوز (قتل الأطفال الفلسطينيين فهم عندما يكبرون سيلحقون الأذى بإسر ائيل ) وكانت تقول رئيسة وزراء الإحتلال جولدا مائير أيضاً عن أطفال فلسطين : ( كل صباح أتمنى أن أصحو ولا اجد طفلاً فلسطينياً واحداً على قيد الحياة" كانت تخشى اطفال فلسطين ، وترى فيهم سقوط إسرا ئيل" )وهذا ما سيتحقق بإذن الله على يدِ أبناء الطائفة المنصورة المجاهدين في غزة الذين ولدوا ونشأوا وتربوا تحت الحصار في غزة على مدى عشرين عاماً عانوا فيها القهر والظلم ورأوا أباءهم وأمهاتهم يُستشهدون أمامهم وتدمر بيوتهم على يد هذا المحتل البغيض فهم جيل التحرير بإذن الله الذين مرغوا أنف جيش هذا الكيان البغيض في طوفان الأقصى السابع من تشرين أول عام 2023م ، وداسوا على رؤوس جنودهم وجروهم إلى الأسر، فلهذا نرى الصه اينة بقتلهم للعدد الكبير من الأطفال بل يتباهون ويتفاخرون بذلك ، وأقول هل رضَّاعة الطفل صاروخاً موجهاً عليهم أم حفاظته عبوةً ناسفةً لدباباتهم ، أم ضفيرة طفلة صغيرة تعتبر مخزن رصاصٍ موجهة لهم ، ولكن هذه عقيدتهم التي تُحلل قتل الأطفال حتى لو كانوا في أرحام أمهاتهم
وختاماً أقول متى تصحو الأُمتان العربية والإسلامية ويُقرّون يأن هؤلاء قتلة الأنبياء لا مواثيق ولا عهود لهم ، وأنهم يعلنونها صراحة وجليَّةً أمام كل العالم لا لدولة لفلسطين ، وأن حدود كيانهم المسمى إسرائيل يمتد من الفرات إلى النيل بل يتعدى أبعد من ذلك ، ويريد رئيسهم المعتوه (النتن) أن يُغير خارطة الشرق الأوسط ، وقد أدركت شعوب العالم الغربي ماهية الصهي ونية وفكرها ، وأنها خطرٌ على العالم كله وليس على العرب والمسلمين ، فطوفان الأقصى بدَّدَ الأوهام وكشف حقيقتهم ، وأن نظريتهم وسياستهم لا تقف حكراً على شعبٍ معين بل قد تمتد إلى بقية شعوب العالم ، فنظريتهم تقوم على قتل كل الغُرباء ( الجوييم ) ، وقد صدر كتابٌ إسمه ( نظرية الملك ) لأحد الحاخامات المتطرفين إسمه إسحق شابيرا يدعو فيه إلى قتل الغُرباء ( الجوييم ) إذا ثبت تهديدهم لليهود في أيِّ مكان وهم يطبقون ذلك عملياً ، وليس وقفاً على فلسطين بل تمتد آلتهم الحربية لتطال كل مكانٍ يعتبرونه خطراً عليهم ، فهاهم يقصفون سوريا ولبنان واليمن ، وقصفوا سفينة أسطول الحرية في تونس ، وأخيراً دولة قطر التي تحتضن المفاوضات من أجل إطلاق سراح أسراهم ووقف حربهم الهمجية على شعبٍ أعزل لا يُطالب إلا بحقه وحريته والعيش بكرامة وإقامة دولته المستقلة، وعدم استباحة مقدساتهم ، فما قامت به من اعتداء على قطر وعلى سيادتها وبعلم وتواطؤ إمريكا التي تمتلك في قطر قاعدة العيديد أكبر قاعدة في المنطقة العربية لهم ، يدل دلالة كبرى على شراكة أمريكا في حملات الإبادة ضد غزة وضد المنطقة العربية كلها ، فكم دولةٍ من الدول العربية عانت من ويلات أمريكا وكانت السبب في قتل وتشريد الملايين في العراق وسوريا واليمن وليبيا ، فعلى الدول العربية والإسلامية عامة ودول التطبيع خاصة أن تُدرك ذلك ، وأن تعي أن الكيان الإسرا ئيلي ما هو إلا المنفذ لسياسات أمريكا في المنطقة وحلفائه ، وعلينا أن نعود للقول الفصل من الله عزَّ وجل وبه بيان حقيقة هؤلاء وكرههم لأمة الإسلام قاطبة ، إذ قال جلَّ جلالُه في سورة البقرة – الآية 120 : { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
14/9/2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...