الثلاثاء، ديسمبر 23، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( ثقافة الحجارة )) بقلم الكاتب فادي عايد حروب (الطياره)



ثقافة الحجارة
لسنا أمةً بلا ماضٍ، بل أمةٌ أثقلها ماضيها حتى كاد يعفيها من التفكير في الغد.
نحمل التاريخ كما يحمل البعض تميمةً للحماية، لا أداةً للفهم. نردده، نمجّده، ونقف عنده طويلًا، كأن الزمن بلغ ذروته هناك، ثم قرر أن يتوقف.
لم تكن المشكلة يومًا في عظمة ما كان، بل في الطريقة التي تعاملنا بها معه.
حوّلنا التاريخ من تجربةٍ إنسانيةٍ حيّة إلى حجرٍ صامت، ومن وعيٍ متراكم إلى سلعةٍ معروضة. صرنا نعيش في متحف مفتوح، نحرس الجدران، ونبيع الذكريات، ونحسب أن هذا يكفي لبناء دولة.
في هذا المتحف الكبير، أصبح الاقتصاد قائمًا على النظر إلى الخلف.
الآثار رأس المال، والحكايات موردًا، والماضي هو المنتج الوحيد الذي نثق به. نعيش كما لو أننا حراس حديقة أثرية، لا سكان حضارة متجددة. نكتفي بأن نُري العالم ما كان، دون أن نسأله عمّا سيكون.
في المقابل، لم يكن العالم الآخر أكثر تاريخًا، لكنه كان أكثر جرأة. لم يمتلك آلاف السنين، فاختار أن يصنع السنوات القادمة. لم يقدّس ما مضى، بل استثمره، وتجاوزه، وبنى عليه. وصل إلى القمر، لا لأنه نسي الأرض، بل لأنه لم يقيد عقله بها.
الفرق بيننا وبينه ليس في امتلاك الماضي، بل في موقع الماضي داخل العقل.
هناك من جعل التاريخ جسرًا،
وهناك من جعله جدارًا.
نحن اخترنا الجدار.
نفتخر، نعم، ويحق لنا الفخر.
لكن الفخر حين لا يتحول إلى فعل، يصير نوعًا من الراحة الكاذبة. وحين يصبح بديلًا عن الإبداع، يتحول إلى سكونٍ طويل. فالماضي الذي لا يُنتج مستقبلًا، لا يبقى مجدًا، بل يتحول إلى عبءٍ ثقيل.
في ثقافة الحجارة، كل شيء مضبوط سلفًا:
الدور محفوظ،
المكان محدد،
والسؤال مؤجل.
الخلف هنا ليس شخصًا، بل حالة.
حالة جيلٍ يقف دائمًا في الصف الأخير، لا لأنه أقل قدرة، بل لأن الحركة إلى الأمام غير مسموحة. فالسياسة ثقافة، والثقافة هنا تقول: مكانك حيث كان أجدادك، لا حيث يمكن أن تكون.
نخشى المستقبل لأنه بلا آثار.
لأنه يحتاج إلى فكر،
والفكر يحتاج إلى شجاعة،
والشجاعة ليست من خصائص الحجر.
لكن الحضارات لا تُقاس بما خلّفته من صروح،
بل بما فتحته من احتمالات.
والمجد ليس ما نلمسه بأيدينا،
بل ما نجرؤ على تخيله بعقولنا.
وحين يجرؤ الخلف على رفع رأسه، لا لينكر الماضي، بل ليسأله، تبدأ الفلسفة.
هل خُلقتَ لتُعبد، أم لتُفهم؟
هل جئتَ لتقيدنا، أم لتدلّنا؟
هناك فقط يتحرر التاريخ من الجمود،
ويتحول من ذاكرةٍ مغلقة إلى مشروع مفتوح.
فالأمم تُحفظ بتاريخها، نعم،
لكنها لا تُولد إلا من مستقبلها.
ومن يعيش بالحجر، لن يبلغ السماء.
أمّةً علّقت في الحجرِ آمالَها أما آنَ أن تُبنى غدًا بالخيالِ
تفاخرتْ بالأُلى شادوا الصروحَ قديمَها ونسيتْ أنَّ غدًا يُشيَّدُ بالعمالِ
تزيّنُ الماضي المَحكيَّ في متاحفِها وتغرقُ في ذكرى الجدودِ وأقوالِها
أما الذينَ مضَوا لا ذكرٌ يُسعِدُهم إن لم نُجدّدْ على آثارِهم حالَها
فالمجدُ ليسَ حجارةً نُمسكُها بيدٍ بل فكرةٌ تُنبتُ الآفاقَ بالأجيالِ
يا خلفُ، إنَّ غدًا فوقَ السماءِ لنا إن نحنُ أطلقنا إلى الأحلامِ هكذا
بقلم فادي عايد حروب (الطياره)
فلسطين – جميع الحقوق محفوظه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( بين سطوع شمس وغروبها )) بقلم الأستاذ محمد حسان بسيس

بين سطوع شمس وغروبها بين سطوع الشمس وغروبها تكون حياة الإنسان، فيسرق منا الزمان أعمارنا بسرقة خفية لا نشعر بها، وغفلة تعمدناها حتى نعيش الحي...