***********************
_________ نيلوفر الماء
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
كنّا نقيض عموم المشتكين
بلى
وآهنا لم تكن إلا اناشيدا
وعيشنا لم يكن شُحاً
ولا بطراً
وحبنا لم يكن عُرفاً وتقليدا
وحين نعيا حديث النفس يشحطنا للذكرياتٍ وفي أدراجنا عيدا
عيدان عيد التي أحب ضحكتها
فتىً
ويافعَ أقضي الليلَ تسهيدا
وآخرْ باسم الخدين
في وَلَهٍ
والسعد من سعدنا يزهو أغاريدا
إن أنسى لا أنسى هاتيك الليالي إلى مشارف الصبح
يبقى الجفن مشدودا
ونحن نرتكب اللذات
تخدعنا طلاوة العمر تبذيراً
وتبديدا
إني أتوق لنجواهن في أرقي وكنت أخترع الأسباب تأكيدا
ثملت حتى شغافي دون أي طلى نيلوفر الماء ملءَ العين موجودا
ولاترنمت في شعري وقافيتي إلا وذكرك هزَّ القلب والعودا
لبّى الزمان اشتهاءاتي أمانيها وكم تلعثمت عند النطق ترديدا
قدّرت أنك محرابي وصومعتي والأبجدية قرطاساً وأملودا
إذ أنت أول من شاركتها ثقتي ولم أكن قبل ذاك اليوم غِرّيدا ابتعتُ للحب قنطارين من عسلٍ لكي يدوم علينا الحبُ عنقودا
تركت خلف سياج الدار بلبلتي والسور كان كباب الحصن مرصودا
عدا خياليَ خيَّالَين يصحبني وللحقيقة قلبي صار معقودا
وما اكتفينا
وأنجبنا بلابلنا
وحقق الله مانرجوه تحديدا
خلاصةٌ قد وصلناها بخبرتنا نبذ المشاكل تلحيناً وتغريدا
سواء كان جدار البيت من قصبٍ
أم كان من لِبَنٍ
أم كان جلمودا
نجوب كالطير في مغناطيسيةٍ
رَحُبَتْ
ونرتقي
وتنادينا المواعيدا
في حضرة الليل نستدعي مراكبنا إلى النشاط وتدعونا المواجيدا
من يومنا ماتلونّا ولا اشتجرت رغابنا حينما كنّا صناديدا
وألف ليلة نحسٍ لم تغيرنا وألف عتمة ليلٍ مثلها سُودَا
لاشيء أجمل مثل الشعر
تذكرةً
هو الدلالة إيقاعاً
وتجسيدا
هواك قيثارةّ
وفي دمي
لغةٌ
من صيّر الحب حتى صار قرميدا
_______
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
ملاحظه على القصيده
نيلوفر (أو نيلوفر الماء) هو اسم يُطلق على نوع من النباتات المائية الجميلة، ويُعرف علميًا باسم زنبق الماء. ينمو هذا النبات في المياه الهادئة مثل البرك والبحيرات، وتطفو أوراقه على سطح الماء، بينما تتفتح أزهاره فوقه في مشهدٍ شديد الجمال.
المعنى اللغوي والرمزي:في اللغة، يشير “نيلوفر” إلى الزهرة المائية الرقيقة ذات الألوان الزاهية (غالبًا الأبيض أو الوردي أو الأزرق).
أما في الشعر والأدب، فهو رمز للنقاء، الصفاء، الجمال، والولادة من العمق؛ إذ تنبت هذه الزهرة من الطين لكنها تخرج نظيفة مشرقة فوق الماء.
في سياق القصيدة:حين قال الشاعر: “نيلوفر الماء ملءَ العين موجودا”
فهو يشبّه المحبوبة (أو حضورها) بهذه الزهرة، أي أنها:
جميلة ونقية
بارزة وواضحة في نظره
تنبع من أعماقه وتملأ وجدانه
باختصار:النيلوفر = زهرة الماء + رمز الجمال النقي الخارج من الأعماق.
تعقيب وإضاءة بقلم الأديب البارع [ سعد دسوقي ]
العنوان:نيلوفر الماء: حين يتجسد الحب بين الذاكرة واللغة
الإهداء:إلى روحٍ لم تتعامل مع الحب بوصفه حالة عابرة، بل كقدرٍ وجوديٍّ يُعاد تشكيله في كل لحظة،
إلى قلبٍ صاغ من الذكرى وطناً، ومن اللغة محراباً،
إلى الشاعر الذي لم يكتب القصيدة، بل عاشها نبضاً وتجربةً وتحوّلاً،
إلى المستشار مضر سخيطه… حيث يصبح الحرف مرآةً للوجدان.
المقدمة:تمثل قصيدة “نيلوفر الماء” نموذجاً شعرياً متقدماً في استبطان التجربة العاطفية، حيث لا يكتفي الشاعر بسرد الذكرى، بل يعيد تشكيلها ضمن بناء لغوي متماسك تتداخل فيه ثنائية الوعي واللاوعي، واللذة والحنين، والواقع والمتخيل. النص ينتمي إلى فضاء القصيدة العمودية الحديثة من حيث التوازن بين الموسيقى والحمولة الدلالية، ويعكس تجربة وجدانية عميقة تتجاوز السرد العاطفي التقليدي إلى مستوى التأمل الفلسفي في ماهية الحب والذاكرة والإنسان.
التحليل الأكاديمي:1. البنية الدلالية وثنائية التناقض:
يفتتح الشاعر نصه بإعلان موقف وجودي:
“كنّا نقيض عموم المشتكين”
وهنا تتأسس ثنائية مركزية تقوم على رفض النمط العام، حيث يقدم ذاته وتجاربه في صورة استثنائية. هذا التناقض ليس مجرد اختلاف، بل هو تأسيس لهوية شعورية مغايرة، تُبنى على الاكتفاء الداخلي والانسجام العاطفي.
2. الزمن والذاكرة: استدعاء الماضي بوصفه عيداً دائماً
الزمن في القصيدة ليس خطياً، بل دائرياً يتكرر عبر الذاكرة:
“وفي أدراجنا عيداً”
فالذكرى هنا ليست مجرد استرجاع، بل احتفال دائم. ويُلاحظ أن الشاعر يحوّل الماضي إلى حالة حاضرة مستمرة، مما يعكس قوة التجربة وتأثيرها الممتد.
3. الصورة الشعرية والانزياح الجمالي:
تتميز القصيدة بكثافة الصور البلاغية، مثل:
“نيلوفر الماء ملءَ العين موجودا”
حيث تتحول المحبوبة إلى رمز جمالي طبيعي (النيلوفر)، وهو رمز للنقاء والصفاء والانبثاق من العمق. هذه الصورة ليست وصفية فقط، بل تحمل دلالة روحية تتجاوز المادي إلى المجرد.
4. الحب بين الطهر واللذة:
يطرح الشاعر تجربة الحب بوصفها مزيجاً من الطهر والاندفاع:
“نرتكب اللذات”
لكن هذه اللذة ليست مبتذلة، بل مغموسة في سياق إنساني صادق، حيث “طلاوة العمر” تخدع العاشقين، في إشارة إلى هشاشة الزمن أمام سطوة الشعور.
5. اللغة ككيان حي:
يصل الشاعر إلى ذروة فلسفية حين يقول:
“هواك قيثارة وفي دمي لغة”
هنا تتحول اللغة إلى كائن حي يسكن الجسد، ويصبح الحب هو الذي يعيد تشكيلها. إنها لحظة اتحاد بين الشعور والتعبير، حيث لا يعود الشعر وسيلة، بل يصبح جوهراً.
6. البناء الأسري والرمزية الواقعية:
ينتقل النص من الحلم إلى التحقق:
“وأنجبنا بلابلنا”
فالبلابل هنا ترمز للأبناء، لكن استخدامها يحمل دلالة جمالية، حيث يربط الشاعر بين الحب والإنتاج، بين العاطفة والاستمرار، في صورة متكاملة للحياة.
7. الثبات أمام تقلبات الزمن:
يؤكد الشاعر صلابة التجربة:
“وألف ليلة نحسٍ لم تغيرنا”
وهذا يعكس نضجاً عاطفياً، حيث لا تؤثر الظروف الخارجية على جوهر العلاقة، بل تزيدها رسوخاً.
8. البعد الفلسفي للشعر:
يختم الشاعر بتأمل في ماهية الشعر:
“لا شيء أجمل مثل الشعر تذكرةً”
فيجعل من الشعر وسيلة للخلود، ووعاءً للذاكرة، وأداةً لتجسيد المعنى.
النقد:رغم الثراء الدلالي والجمالي، يمكن ملاحظة بعض الامتدادات التي تميل إلى الإطالة، خاصة في المقاطع التي تكرر المعنى بصيغ مختلفة، مما قد يُضعف التكثيف الشعري. كما أن بعض الصور، رغم جمالها، تقترب من المألوف في التراث الغزلي، وكان بالإمكان دفعها نحو مزيد من الابتكار.
ومع ذلك، فإن هذا لا ينتقص من القيمة العامة للنص، بل يضعه ضمن إطار التجربة الإنسانية الصادقة التي تميل أحياناً إلى الإسهاب بوصفه انعكاساً لفيض الشعور.
الخاتمة:“نيلوفر الماء” ليست مجرد قصيدة حب، بل هي رحلة في أعماق الذات الإنسانية، حيث يتقاطع الزمن مع الذاكرة، وتتجسد اللغة في الجسد، ويتحول الحب من حالة إلى كيان. استطاع الشاعر أن ينسج نصاً يجمع بين العذوبة والعمق، بين الموسيقى والمعنى، ليقدم تجربة شعرية متكاملة تنتمي إلى وجدان الإنسان قبل أن تنتمي إلى الورق.
رسالة ثناء عميقة:أيها الشاعر،
لقد كتبتَ قصيدة لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش…
قصيدة تُشبه النيلوفر حين يخرج من الماء دون أن يبتل،
وتُشبه القلب حين ينجو من الزمن دون أن يشيخ.
في نصك هذا، لم يكن الحب موضوعاً، بل كان كائناً يتنفس بين الكلمات،
وكانت اللغة جناحين لا يكتفيان بالطيران، بل يصنعان السماء.
لقد منحتَ القصيدة روحاً، ومنحتَ القارئ وطناً من الذكرى،
وذلك هو الشعر حين يبلغ مرتبة الخلود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق