قصة قصيرة : رياء مزدوج
في إحدى الليالي الشتوية ، كانت الساعة الثالثة صباحا ، استيقظت على صراخ حاد لابن جارتنا ، حتى المخدات لم تنجح في التصدي إلى صوت الطفل وتمنعه من العبور إلى بطين أذني ... استمر الصراخ واستمرت التساؤلات ... لماذا لم يكف الطفل عن البكاء ؟ ألا توجد أم تقوم بدورها ؟ ألا يوجد أب حنون ينوب عن زجته ؟ ربما الطفل يبكي من مرض؟ ربما يحتاج مساعدة ؟ ...
مرت أكثر من نصف ساعة ولم أتمكن من النوم ... جالت في خاطري الكثير من الأسئلة ، وتذكرت كيف أن لي لقاء عمل هام ، بعد ساعات قليلة ، مع مدير راق ومحترم لمجلة نسائية ، الذي أُعجِب بمقالي عن المرأة المعنفة الذي نشرته في عدد من المواقع الإلكترونية ، واتصل بي لأقوم بمقابلة عمل معه ، خصوصا أنه نشر إعلان لتوظيف مختصين في الصحافة والكتابة ، ويجب علي أن أنام جيدا لكي أكون جيدة في مقابلتي رقم عشرين ...
اقتربت الساعة من الرابعة والطفل مازال يبكي ... فقررت الاستفسار عن صراخ الطفل المزعج ... لبست معطفي ودقَقْت جرس باب جارتنا التي تسكن في نفس الطابق ، مجاورة لشقتي ... ليست لي معرفة كبيرة بها سوى أنها تشتغل كمدرسة في أحد المدارس القريبة وزوجها لا أتذكر ملامحه جيدا ، رأيته مرة واحدة على السلالم ... وأنا أفكر أمام الباب ، فاجأني صوت امرأة لم أفهم ما تقوله ، دَقَقْتُ الجرس مرة ثانية ، فاقترب صوت المرأة مني أكثر ، لكنني لم أفهم كلمة واحدة ... بدأت الشكوك تساورني أكثر وصراخ الطفل أصابني بصداع ... قررت إن لم يُفْتَح الباب هذه المرة سأغادر وأعود أدراجي ... ضغطت على زر الجرس للمرة الأخيرة لكن هذه المرة تَمَّ تمرير المفتاح تحت الباب ... أصبت بصاعقة أذهلتني ... لماذا يتم منحي المفتاح ... ومفتاح ماذا ؟ هل هو للباب ولماذا ؟ أحسست بأن الأمر غريبا ... فسمعت نفس الصوت لكن هذه المرة بشكل أوضح وأقرب :
_ افتحي من فظلك !
أدركت أن الصوت لجارتي ، أسرعت إلى بيتي لأجذب معي هاتفي المحمول تحسبا لأي طارئ ... فتحت الباب ويدي ترتجفان من الرعب والمجهول ... ما إن فتحت الباب حتى أذهلني ما رأيت ... الطفل يبكي بجانب أمه التي تنزف بشدة من رِجْليها ... غالبا أنهما تعرضا لكسر أثناء ضرب مبرح لجارتي ، ولا أثر لزوجها في البيت ، اتصلت بالإسعاف وشد انتباهي صورة زوجها المبتسم المعلقة على أحد جدران مدخل البيت ، ليس غريبا عني ، ربما رأيته سابقا لكني لم أتذكر ، حملت الطفل بين يدي ... وتم حمل جارتي إلى المستشفى للعلاج ... أمر مؤلم .
بقي الطفل معي حتى شفيت أمه وضاعت علي مقابلة العمل ... تذكرت أن زوج جارتي هو الذي أُعجب بمقالي وكنت سأقوم بمقابلة عمل معه .



بقلمي سهيلة مسة/ المغرب


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق