شــذرات وومــضــات
في حياتنا التي تحكمها المادة والمصالح الآنية علينا أن نتوخى الحرص والحذر في اختيار أصدقائنا ، بالحرص في التعامل والحذر في اختيار أصدقائنا فالثقة أصبحت نادرة ، والثقة لا تكون إلا بعد تجارب طويلة لنعرف مع من نتعامل ، وليكون صديقك من يكون معك في الملمات ليقيل عثرتك ويكون كاتم أسرارك ، ويأسى لألمك ويفرح لفرحك ، ويكون لك كما قال لقمان الحكيم : [ رُبَّ أخٍ لك لم تلده أُمك ]
*************************************
ثلاثة في نفسك إحذرها : عينك وأُذنك ولسانك ، فعينك لا تنظر بها إلا لكل جميل ، وأغضضها عن كل سيءٍ وقبيح ، وكما قال إبن القيم الجوزية :
كلُّ الحوادثِ مبدأُها من النظر ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ
كْم نظرةٍ فعلتْ في قلب صاحبها فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وتـرِ
والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقَـلِبُها في أَعينِ الغِيرِ موقوفٌ على خَطرِ
يَسرُّ مُقلَتَهُ ما ضرَّ مُهجَـتَهُ لا مرحباً بسرورِ عادَ بالضـررِ
وأُذنك لا تنقل منها ما تسمع إلا بعد أن تتحقق منه ، ولا تسمع لكل مشاء نميم يغتاب الناس وينقل كلامهم من أجل الفتنة والإساءة ، قال تعالى في سورة القلم : الآية 11 : { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ }
وأما لسانك فهو كالسيف مُسلطٌ عليك ، إذا لم تُحسن اختيار كلماتك ، والكلمة كالطلقة إذا خرجت صعبٌ إرجاعها ، فقد سبق السيف العذل ، فزِن كل كلمة تتفوه بها قبل أن تنطقها ، وكما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في العين واللسان :
لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
وعَينُكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِبا فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
******************************************
كُن أنت نفسك ، ولا تكُن غيرك ، فرضا الناس غايةٌ لا تُدرك ولن تستطيع إرضاء كل من حولك ، فأعمالك ورضى الله عنك بما تقدمه هي نبراس حياتك ، فالمصباح المنير يُضيء كل من كان حوله ، ولا يخص أحد عن آخر ، والآخرون باحثون عن النور فكن مصباحاً تجذب الناس إليك بكريم أخلاقك ، وحُسن أفعالك وخصالك ، فكن كما ترى نفسَك سيراك الآخرون، فأنت تكبُر في أعيُنهم حينما تريد أن تكبُر، وأنت فقط من يقرِّر أن تكون صغيرًا ضئيلاً .
وكما قال الحجاج :
كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنذا ليس الفتى من قال كان أبي
***************************************
للإنسان في حياته مرآتان لتقييم ذاته – مرآة صُنع يديه ومرآة في فطرته التي وضعها الله به ، فالمرآة الأولى هي لمظهر الإنسان الخارجي ، فلا يمكن أن يخرج من بيته دون أن يلبس ويُعدل هندامه ويسوي شعره ، ويضع عطره المفضل ، ولكن المرآة الأهم هي مرآة الجوهر وهي النفس التي تكشف ما فيك من عوراتٍ وخلل وتكون أسير شهواتك ، وما يحكم النفس إلا الضمير الذي به نخضع النفس المتمردة ونوجهها إلى طريق الهدى والصلاح ، فالمرآة الحقيقية هي نفسك وعليك أن تُهذبها بالإيمان والأخلاق والقيم الحميدة ، وبها تكون نجاتك وكما قال مصطفى محمود عن النفس : [ إن النفس الإنسانية دغل كثيف وكهف تختبئ فيه الأفاعي.. وفيه أيضًا إلى جوار الأفاعي وإلى جانب ذلك الكنوز واللآلىء النادرة ] فعليك أن تُحسن الإختيار فنفسك إما أن تُنجيك أو تُهلكك .
******************************************
السوشيال ميديا عالم إفتراضي نلتقي فيه بأناس ونودع أُناس ، نفرح لأفراحهم ونتألم بآلامهم دون أن نراهم أو نلتقيهم ، قد تجمعنا الفرصة أو الحظ بأحدهم وقد لا نلتقي أبداً فبعض صداقات وسائل التواصل الإجتماعي قد تكون أصدق ممن يجالسك ويبتسم بوجهك ويضمر في نفسه الضغينة والبغض ، ويتصيد لك العثرات والأخطاء ليوقع بك ، وما ينشر على وسائل التواصل الإجتماعي هي مرآة عاكسة لأخلاق ناشرها ، وبها تتكون الصداقات الحقة فقد تتباعد المسافات ولكن تتقارب القلوب بجسور التواصل المحمولة بالمحبة وموشاة بورود المودة ، وفي الحياة قد تألف شخصاً من أول لقاء ، وقد تعزف عن غيره ، فالأرواح تجمع وتُفرق ، فقد تجمع البعيد وتألفه ، وقد تُخالف القريب وتأنفه ، وكما قال إبن القيم رحمه الله : ( لقد استقرت حكمة الله – عز وجل – في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه، وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه، وهروبه من مخالفه، ونفرته عنه كل ذلك بالطبع ) وكما قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ]
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
26/9/2023
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق