الأحد، سبتمبر 14، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( لحظة فارقة )) بقلم الأديب ماهر اللطيف



لحظة فارقة
بقلم: ماهر اللطيف
جلست ذات ليلة على فراشها، أغلقت باب غرفتها بإحكام، واستسلمت لبكاء متواصل يهز جسدها كله. مدت يدها إلى درج مكتبها الفخم، أمسكت بمجموعة من الأقراص، ورفعتها نحو فمها لتضع حدًا لحياتها، علّها تستريح من هذه الوضعية المزرية التي تراها قدرها.
آمنة، في الثلاثين من عمرها، آية في الجمال والفتنة: زرقاء العينين الواسعتين، شقراء الشعر، ممشوقة القوام، أنيقة المظهر. سليلة عائلة ثرية معروفة على المستوى الوطني، تدير شركات العائلة ومشاريعها بحزم واقتدار.
لكنها غير اجتماعية، نرجسية إلى أقصى الحدود، تحتقر الآخرين وتظن أن الكون يدور حولها. لا تثق بأحد، حتى بنفسها، وتظن أن كل من يقترب منها طامع في مالها أو جسدها. لذلك كانت منبوذة، مكروهة، حتى والداها أعيتهما الحيلة في إصلاحها أو إعادتها إلى سواء السبيل.
في لحظة احتضارها تلك، مرّ أمام عينيها مشهد نهارها: كانت في مكتبها حين بلغها خبر صاعق؛ أمين، كاتبها الشخصي و"ظلها"، قدّم استقالته لوالدها، فقبلت بلا نقاش.
في الظاهر، لا شيء يستدعي هذا الانهيار. فهي تخسر الناس يوميًا ولا تربح أحدًا. فما المختلف هذه المرة؟
لقد وثقت به، أعجبت به، قربته منها، أغدقت عليه أسرارها وأمانيها وهداياها. رأت فيه "فارس أحلامها" وملاذها من سطوة والديها. لكنه كان أذكى منها؛ تظاهر بالحب والوفاء ليستدرجها، وينتقم من والدها الذي حذّره مرارًا. قاومته آمنة في البداية، صبرت، تضرعت إلى الله أن يحفظها، ثم ضعفت أمام كلمات معسولة ولمسات ساحرة، وأنفاس خادعة.
وتوالت اللقاءات، حتى صار الأمر حقًا مكتسبًا في عرفه، يطالب به دون وجل. وحين واجهته صباحًا في مكتبها:
– "إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ لماذا لا تتقدم لخطبتي؟"
– (ساخرًا) "أخطبك؟ هل تريدين أن يقتلني والدك؟"
– (بصرامة مرتجفة) "أنا جادة… إن بقينا هكذا سيقع ما لا تُحمد عقباه."
– (وقد استوى في جلسته) "لا يمكنني الارتباط بك. فمن أعطت نفسها لرجل بلا عقد، يمكن أن تخونه مع غيره يومًا ما… وما بالطبع لا يتغير."
تركها مذهولة، وخرج بعد أن أخذ أموال الشركة الموكول إليه إيداعها، كتب استقالته، وقدمها لوالدها، ثم رحل بلا رجعة، مهاجرًا وراء البحر ليؤمّن حياة رغيدة لعائلته.
جلست آمنة تصارع نفسها: لم تستوعب ما جرى، لم تجد صديقة تبوح إليها بما في صدرها، ولم تستطع مصارحة أمها المريضة بالقلب. الدنيا اسودّت في وجهها حتى صارت غرفتها قبرًا مبكرًا.
وفي تلك اللحظة الفارقة، وهي تمسك بالأقراص، ارتجف قلبها فجأة. تساءلت:
"أأخسر دنياي وآخرتي معًا؟ أأهدر ما تبقى من عمري بسبب نزوة عابرة؟ أأمضي وراء وهم وأنا ما زلت قادرة على النهوض؟"
أطبقت قبضتها، أسقطت الأقراص على الأرض، وصرخت من أعماقها:
– "كفى! لن أنهزم… سأبدأ من جديد."
كان ذاك القرار نقطة تحوّلها؛ بداية مواجهة، لا هروب. لحظة فارقة صنعت لها دربًا آخر، حيث يصبح التحدي حياةً، والماضي درسًا، والغد أفقًا لا حدود له.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...