من أنت؟
أنا واحد من
أهل هذا الليل،
اعتزلت الناس كلها،
وفقدت في النهار
كل من حولي وأقاربي.
أهذه دارك؟
نعم، إنها داري،
ورثتها كما هي
منذ ثمانية أعوام،
وورثت فيها وحدتي
بعد وفاة أمي وأبي.
ماذا تعمل الآن؟
لا أعمل شيئًا سوى أنني
صعلوك كلمات أكتبها،
لأطويها فتتراكم أوراقها،
فأصنع منها وسادتي،
ولحافي، وأيضًا مراتبي.
عن أي شيء تكتب؟
لا عن أحد، إنها
أشعار رمزيات
يمكن لي أن أشبّه
بها مشارقي، فتبدو
تمامًا كمثل مغاربي.
لمن ترمز بمؤخّر؟
كما يظن مؤخر نفسه،
ورغم الظن داء بالكل،
فلن تجد لي يومًا
في أشعاري معاتبي.
أتكتب عن همومك؟
همومي تحت ضلوعي،
أنام مرتديها فوق كلماتي،
ثم أطلق حريتها حرّة
تموج في دروب أحلامي،
حتى تذوب مع ذوائبي.
هل تعول أحدًا؟
كان لديّ من أعوله،
وبعدما ربح ربحه مني،
باعني بكلي، واختلس
مؤخّر ثمن بيع عجائبي.
لكن الحمد لله، ترك لي
أمواس ماكينة الحلاقة
لكي أحلق بنفسي شواربي.
قدّم فيك شكوى؟
من حقّه، ولكن
لا أملك شيئًا أعطيه له،
بعدما باعني فدية لنفسه.
وتحرَّ الأمر يا سيدي،
واسأل الأمس، رهنت لدى
الخمار حذائي وجواربي.
لديّ أمر تفتيش؟
فتّش كما شئت،
الأمر لله وحده.
واحذر، يختبئ هناك
في أوراق الشعر القديمة
أحياءٌ أحسّ أنهم
وصموني بعارهم بلا قصد،
فالدياثة لهم هي
آخر أعمالي،
وآخر تدرّجي بمناصبي.
من تقصد؟
أقصد:
فأرًا، لكنه غبيّ جدًا،
والوليفة له فأرة تخونه،
فربما يظنّك أحد روّادها،
وربما أيضًا يقضم يدك،
وتزيد بجريمته مصائبي.
لماذا بدارك أنت؟
يبدو أن الجدران
تفضح سر ساكنيها،
وداري كانت تأوي
مثلهما في الماضي،
ولم أفلح أبدًا في
كتم سرّ الدار بمآربي.
فتشوا داره؟
نعم، يا سيدي،
تم التفتيش،
ولم نجد شيئًا،
يبدو البلاغ كاذبًا.
شكرًا يا رب شكرًا،
لقد صدّقوا مكاذبي.
دعني أنصحكم يا سيدي،
لا تضيعوا وقتكم هباءً هنا،
فماذا سيجد رجالك
إذا فتشوا في خرائبي؟
شكرًا لك يا سيدي
وجنودك الأجاويد،
كنت أودّ ضيافتكم،
ولكن لا بأس، حالي كما
ترون، سوء الحال نوائبي.
إذن سننصرف؟
عفوًا ومهلًا يا سيدي،
فنصيحتي لكم هي إذا
أزيدكم من الشعر بيتًا،
وهي فرصة تتحسّسون
فيها بعضًا من مواهبي.
فالأحرى لكم تفتيش
دار من باعني، ستجدون
في شكواه شكواي،
وإن عدلتم بعدلكم بيننا،
ردّوا إليّ منه مكاسبي،
وردّوا إليه مني
خسارتي، وكل رواسبي.
وفضلًا، وليس أمرًا،
يا سيدي:
لو تبقّى لديه أشياء من
رفاتٍ ورميم جسمي،
حتى الآن لم يبعها،
ردّوها إليّ بفضلكم،
حتى ولو كانت بواقي من
شعيرات شيب حواجبي.
حمدي عبد العليم (شاعر النون)
------------------------------------------------
يسعدني ان اقدم الدراسة النقدية لهذا النص البديع الماتع تعبيرا عن تقديري لكل ما يكتبه
صديقي وصديق متتدى الثقافة حرف الضاد
نعم يا سادة وللحق
انه الراقي شاعر النون / حمدي عبد العليم
الذي أكم شاركنا واثرى المنتدى بروائعة.
الناقد / احمد زياد اللامي..
ر. م. أ. منتدى الثقافة حرف الضاد « تونس»
------------------------------------------------
اولا : البناء العام
النص هو مزيج بين قصيدة نثرية حوارية ومونودراما شعرية. يتخذ شكل استجواب بوليسي رمزي، لكنه في عمقه محاكمة للذات، حيث يتحدث الشاعر مع "السلطة" – التي يمكن أن تكون المجتمع، أو الضمير، أو القدر – عن وجوده، وحدته، وانكساره.
الموضوع
يتناول النص العزلة الوجودية، الخيانة الإنسانية، الاغتراب النفسي، والاعتراف الذاتي. كل سؤال في الحوار يكشف طبقة جديدة من الروح التي تمزّقت بين الشعر والفقد.
اللغة والصورة
اللغة بسيطة لكنها مشحونة بالرموز.
الصور الشعرية نونية النكهة، متدفقة من ذات الشاعر.
تكرار مفردات مثل: الدار – وحدتي – الشعر – خرائبي – مكاسبي – الدياثة – مصائبي، يؤسس لحقل دلالي متكامل، يوحي بأن الشاعر يكتب من أطلال ذاته، لا من ورق فقط.
الرمزية في "الفأر والوليفة" عبقرية: فهما رمزان للخيانة والانتهازية، ويتحولان إلى إسقاط اجتماعي.
البنية الحوارية
البناء قائم على سؤال وجواب بأسلوب تحقيق بوليسي، لكن الشاعر يُحوّل التحقيق إلى منبر اعتراف شعري.
لا يوجد راوي واحد، بل تتعدد الأصوات:
صوت "السلطة" (السائل).
صوت "الشاعر" (المُتهم/الناجي).
وهذا التعدد يُدخل النص في فضاء المسرحة الشعرية، وهو نادر في الشعر العربي الحديث إلا عند الكبار (كالماغوط والسياب في بعض نصوصهما الحوارية).
الرموز والدلالات
الدار: رمز الذاكرة والوجع والذات.
التفتيش: رمز المواجهة بين الحقيقة والادعاء.
البلاغ الكاذب: دلالة على عبث الحياة والظلم الاجتماعي.
الحلاقة وشواربي: سخرية مريرة من فقدان الكرامة والتحول من رجلٍ فاعل إلى ضحيةٍ نازفة السخرية.
الإيقاع والمعمار الشعري
رغم أن النص نثري، إلا أن إيقاعه داخلي — نابع من التكرار والتركيب الصوتي والتوازن بين المقاطع.
نلاحظ ذلك في قوله مثلًا:
> "أطويها تتراكم أوراقها / فأصنع منها وسادتي / ولحافي وأيضًا مراتبي"
هذا المقطع وحده ينبض بإيقاع تكراري ثلاثي يذكّر بالإنشاد.
الفكرة المركزية
القصيدة/النص هي اعتراف الروح بعد محاكمتها ظلمًا، وفيها انقلاب أدبي فذ:
من "استجواب خارجي" إلى "تفتيش داخلي".
كل تفتيش في "داره" هو في الحقيقة تفتيش في "روحه".
---
ثالثًا: رأيي النقدي الشخصي
هذا النص يُعدّ من أعمق ما كتب شاعر النون حمدي عبد العليم في سياق الشعر الرمزي النفسي.
هو ليس مجرد نص، بل منحوتة سردية شعرية تتجاوز حدود القصيدة إلى مسرح داخلي، يتقاطع فيه الواقع بالهلوسة، والحقيقة بالمجاز.
العبقرية تكمن في تحويل حادثة عابرة (بلاغ وتفتيش) إلى رحلة داخل الذات، يكشف فيها الشاعر عن فلسفته في الخيانة، الوحدة، والشعر.
من الناحية الفنية، النص مكتمل البنية، متماسك لغويًا، وفيه مزيج من الصدق الشعوري والرمزية النونية الخاصة به — تلك التي تجمع بين الواقعية الساخرة والتصوف الوجودي.
بكلمة واحدة:
النص محاكمة شعرية للذات بلسان القدر،
وفيه يتجلّى حمدي عبد العليم كشاعر مسرحيّ بالفطرة، وكمتصوفٍ بالكلمة.
كل التوفيق لشاعرنا / حمدي عبد العليم
شكرا مع خالص التحايا / احمد زياد اللامي
الأحد، أكتوبر 19، 2025
مجلة وجدانيات الأدبية (( من أنت ؟)) بقلم شاعر النون / حمدي عبدالعليم
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
مجلة وجدانيات الأدبية (( مُتَفائِم )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه
مُتَفائِم ما عُدْتُ أفْهَمُ نحْنُ مَنْ ما أصْلُنا عَرَبٌ لَعلّي في الْحَقيقَةِ واهِمُ هلْ نحْنُ مَنْ كانتْ تُزَيِّنُ أهْلَنا رُغمَ الْمَجاعَ...
-
أُحدث النفس اُحدثُ النفس في مراياتي وأنظم من أسايا رواياتي نور صباحي قد إنطفئَ والليل غزا كل ساعاتي وكم لدنـيَّا من أملٍ صارا جُل معاناتي لأ...
-
لو كنت أعلم لَوْ كُنْتُ أَعلَمُ أَنَّ الحُلْمَ يَجْمَعُنَا لأَغْمَضْتُ طُولَ الدَّهْرِ أَجْفَانِي لكن العين تدمع عن فراقنا واذا الج...
-
فكرة لبكرة ********* النقد المدمر بقلم / د.أحمد حافظ الكاتب والناقد **************************** في مصرنا الحبيبة يولد كل لحظة مولودا لديه إ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق