
لم تزل الطفولة فينا 

في مساءٍ هادئٍ من أمسيات المدينة، جلستُ إلى نافذتي أكتب، وقد حطّمتُ حاجز الخوف بيني وبين مشاعري. تسلّلت إليّ طفولتي فجأة، كنسمةٍ عابقةٍ برائحة البساتين، وأخذتني بعيدًا… إلى هناك، حيث كانت الحياة أبسط، وأصدق، وأجمل.
تذكّرتُ جدّي؛ ذلك الرجل الذي كان يحملني إلى جانبه على الفرس، فنمضي معًا نحو البستان. كنت أتشبّث بثوبه، وأشعر أنّ الدنيا كلّها تحت أقدام تلك الفرس المحجّلة، وأنني أميرةُ الحقول ورفيقةُ الريح.
كان النهار يمضي بين خُضرة الأشجار وصفاء السماء. أراه يُشعل النار بهدوء، ويعدّ لنا ما اصطاده، بينما يغلي إبريق الشاي على الحطب، فيفوح عبيره ممزوجًا برائحة التراب الدافئ. كانت تلك الساعات في المزرعة أجمل ما عشته؛ نلعب، نلهو، نركض بين الأشجار، وتداعب الريح ظفائري الصغيرة.
كنا نعيش في المدينة، لكن قلبي كان يسكن هناك… في البستان.
هناك حيث ماء النهر يلمع كالفضة، والفراشات تحوم فوق أزهار الدفلى بألوانها الزاهية، وحيث الشمس تبدو أقرب، كأنني أستطيع معانقتها في خيالي.
كنت أمتطي الفرس وأحلم أن أُسابق الريح، وأظنّ أن السماء تبتسم لي وحدي.
كانت الأيام تفوق اللؤلؤ والدرر جمالًا، وكانت الأرواح نقيّة تعانق السماء طهرًا وصفاءً. أشمّ عطر الليمون والبرتقال، وعبق الخضار، وأتنفّس الطيب من أزاهير البستان.
والناس… يا لبراءة الناس آنذاك!
عفويةٌ بلا رياء، وقلوبٌ بلا نفاق. من طفولتي حملتُ العزّة والشهامة، وتعلّمتُ أن الصفاء كنزٌ لا يُشترى.
أعود إلى نافذتي…
المدينة ما تزال حولي، لكن في داخلي بستانٌ لا يذبل، ونهرٌ لا يجفّ، وجدٌّ يبتسم كلّما مرّت الذكرى.
أرفع يدي إلى الله تعالى أن تدوم النعم، ويزول الغمّ والهمّ، وترتفع عنّا النقم.
فالطفولة، وإن مضت سنواتها، لم تزل تعيش في قلوبنا… عالمًا جميلًا يعشّش في وجداننا، ويذكّرنا بمن كنّا، وبما ينبغي أن نبقى عليه.
رحمهم الله تعالى
بقلم الشاعرة الدكتورة عطاف الخوالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق