‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أكتوبر 13، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( حكاية الناسك والغابة التي نسيها البشر)) بقلك الباص والمفكر الكيلاني بن عبدالله بوستة / الجمهورية التونسية

 
حكاية الناسك والغابة التي نسيها البشر

التقيته ذات مساءٍ في المقهى الشعبي "الملكة" بحي الكرم، وكان على غير عادته التي عهدتها فيه. رأيته رجلاً مهموماً تفضحه ملامحه قبل لسانه، تميل سحنته إلى الحزن العميق، رغم محاولته الفاشلة والمرتبكة في إخفاء ما يعتمر في صدره من وجع. تظاهر عند استقبالي بالطمأنينة، ورسم على وجهه ابتسامة باهتة مستعارة، لكن عينيه كانتا ترويان حكاية أخرى.


الجيلاني صديق عمري، وأنا أعرفه كما أعرف نفسي، أقرأ صمته كما أقرأ كلامه، فما إن جلست قبالته حتى بادرته على الفور: "ماذا حلّ بك يا صديقي لتكون على هذه الحالة؟ فمهما أخفيت وتجلدت، فأنا لا أخطئ التقدير معك!!؟"


تنهد صديقي تنهيدة طويلة، حارة، ثقيلة، بدت كأنها وحدها كافية لتلخص كرباً شديداً مرّ به. ثم أردف بصوت متهدج يختلط فيه العتاب بالمرارة: "من أين أبدأ لك حكايتي مع من اعتبرتهم أصدقائي وإخوة لي، فإذا بهم يغدرون بي، ويأكلون لحمي حياً، ويتفننون في تشويهي أمام الناس ظلماً، ويشعلون الفتنة بيني وبين آخرين زوراً، لغاية قهري والاستنقاص من قيمتي!!؟..."


أشعل سيجارة، واستنشق نفسين متتاليين بعمق وبحرقة، كأنما يختزل بهما وجعه الدفين، وأضاف أن مصيبته ما كانت لتحدث لولا أنه كان ضحية طيبته وتواضعه، تلك الطيبة التي علّمت الناس استغلاله بدلا عن مكافأته عليها بالاحترام والتقدير والتبجيل.


ثم طلب مني أن أنصت بانتباه، وقال: سأروي لك حكاية هي خلاصة ما مررت به، حكاية "الناسك والغابة التي نسيها البشر". وانطلق يقول:


      زعموا أن في جبل قفرٍ لا يمر به إلا الريح، ولا يسكنه إلا الصدى، كانت غابةٌ كثيفةٌ خضراء، تكسو الجبل كعباءة ناسكٍ متعبد، لا يُسمع فيها لغوٌ ولا تأثيم، إلا حفيف الشجر، وتسبيح الطير، وخرير عينٍ تخرج من صخرة صماء. وقد هجرها البشر لوعورة مسلكها وضيق مذاهبها، فبقيت بكراً لم تلوثها يد، صافيةً كمرآة، نقيةً كدمعة طفل، كأن الدهر ادخرها لمن ضاقت به المدينة وطلب راحة البال وصفاء الروح.


وكان في طرف تلك المدينة رجل قد جاوز السبعين، أبيض اللحية، ناحل الجسد، يقال له "الحكيم". أفنى عمره في مخالطة الناس، فكان تاجراً فرأى الطمع، وصادقاً فرأى الكذب، وأحبّ فخذل، وبنى فهدم له، وخاصم وصالح، حتى راكم من التجربة ما يثقل الجبال، وحتى أدرك أن أكثر الناس يمشون في الأسواق وأقدامهم حافية من المروءة.


فلما رأى أن المدينة صارت سوقاً للضجيج، وأن البيوت اتسعت وضاقت القلوب، وأن الوجوه تلبس في النهار أقنعة تخلعها في الليل، وأن الكلام كثر والوفاء قلّ، جمع زاده القليل: كتاباً بالياً في الحكمة، وسبحةً من خشب الزيتون، ورغيفاً يابساً، وقال في نفسه: إن اعتزال الناس لا يعني كرههم، بل يعني حب النفس وحفظها من الفناء. فمضى وترك البشر والمدينة، وصعد الجبل، واستقر في تلك الغابة.


فبنى له كوخاً من خشب الصنوبر، وجعل طعامه مما تنبته الأرض بلا منة، وشرابه من العين الصافية، وجليسه شجرة بلوط عتيقة عمرها مئتا سنة، إذا حكت حكت عن القرون. وكان يقول: هنا حيث لا يكذب إلا الإنسان، أجد الصفاء والنقاء، هنا أتعلّم من الحيوان ما لم أتعلمه من بني آدم. وكانت حيوانات الغابة تألفه وتأنس به، فتأتيه أفواجاً، وكلٌ يلقي إليه بسره.


      فأول الوافدين كان الثعلب. جاء يجر ذيله حزيناً كسير النفس، حتى جلس عند قدمي الحكيم وقال: يا حكيم، كنت صاحباً لذئب، شاركته الصيد وقاسمته الجحر وآتمنته على ظهري، فلما زلت زلة صغيرة في يوم ضبابي وأخطأت طريق العرين، ما غفر لي، ولا ستر عليّ، بل راح يطوف على مجالس الحيوانات ينبش زلتي وينشرها ويقول: ألم أقل لكم إنه أحمق؟ فعلمت أنه كان ينتظر سقوطي ليتشفى.


فنظر إليه الحكيم نظرة من خبر الناس، وقال: يا ثعلب، إن الصديق الذي يترصد زلتك ليس بصاحب، بل هو عدو متنكر في ثوب الصداقة، يفرح بهفوتك أكثر مما يفرح بصوابك. فامضِ عنه، فإن بقاءك معه يميت قلبك حياءً.


    ثم جاء الغراب، وكان أسودا بهي الريش، يطعم فراخه، وقد تعود أن يجلب الحليّ اللامعة وقطع الزجاج الملون لصديقه الحطاب، يضعها عند بابه هديةً. فوقف على غصن قريب وقال بصوت مخنوق: يا حكيم، ما تركت باباً من أبواب الود إلا طرقته للحطاب، حتى صار بيتي خالياً من لمعانه لأجل بيته، فما كان منه إلا أن قال ذات يوم لولده: انظر إلى هذا الغراب القذر، ما قيمته؟ فعلمت أن كل ما قدمته في عينه هباء.


فتنهد الحكيم وقال: يا غراب، من استرخص قيمتك، فلا تثقل عليه بهداياك، فإن الكريم إذا أهديته شكَر، واللئيم إذا أهديته استصغر. فامضِ عنه، فإنك إن حضرت لم يكرمك، وإن غبت لم يفتقدك، وإن مت لم يبكك.


     ثم جاءت السلحفاة العجوز تحمل بيتها على ظهرها، كأنها تحمل عمرها كله، تقطر دمعاً، وقالت: يا حكيم، عشت عشرين خريفاً مع جارتي الوزة، نتقاسم العشب والماء والظل، ونحكي للصغار عن برد الشتاء. فلما جاء صياد ومعه كلبه، واقترب خطر الموت، هانت عليها عشرتي، فرفرفت بجناحيها وطارت، وتركتني أزحف ببطئي أواجه الموت وحدي، ولم تلتفت.


فمسح الحكيم على قوقعتها وقال: يا مسكينة، تلك هي النفس التي تزن العشرة بميزان المنفعة. من هانت عليه عشرتك، فهو يبيع العمر الطويل بلحظة عابرة. فامضِ عنه، فإن من باعك مرة، سيبيعك كل مرة.


    ثم جاء أسد الغابة، كان ملكها، لكنه اليوم جريح، في كتفه سهم صياد، يزحف والدم يقطر، وحيداً بلا حاشية، وقال بصوت خافت كان يزلزل الغابة بالأمس: يا حكيم، كنت محاطاً بمئة حيوان، كلهم يهزون رؤوسهم إذا زأرت، ويصفقون إذا مشيت، فلما وقعت وسال دمي، وصرت أحتاج إلى مخلب يسنِدني، لم أجد أحداً. تفرقوا كأنهم لم يعرفوني. تركوني وحدي في وقت شدتي.


فوقف الحكيم، ونزع السهم من كتف الأسد وربط جرحه بورق التوت، وقال: يا ملك، بهذا تُعرف معادن الرجال، وبهذا تُختبر الصداقة. إن الرخاء يجلبه التصفيق، والشدة تغربله. فامضِ عنهم، فإن من تركك وقت شدتك، ليس بصاحب، بل هو عابر سبيل كان يقتات على ظلك، فلما زال الظل زال معه.


    وأخيراً جاء عصفورا صغيرا كان يغني كل صباح فوق كوخ الحكيم، فيوقظه بتسبيحه، لكنه اليوم جاء صامتاً، منفوش الريش، وقد بنى عشاً صغيراً ووضع فيه بيضتين، وقال والفرح قد انطفأ في عينيه: يا حكيم، بنيت عشي بمنقاري عوداً عوداً، وفرحت ببيضتي، فغنيت شكراً لله، فمر بي الببغاء الملون، كثير الكلام، قليل الفعل، وقال ساخراً: لماذا تغني؟ من أنت حتى تسعد؟ أتظن الغابة لك وحدك؟ فاستكثر علي سعادتي، فخجلت من فرحي.


عندها قام الشيخ المسن، وقد اجتمعت حوله الحيوانات الخمسة، كلٌ يمثل جرحاً من جراح بني الإنسان، ونظر إلى الغابة الصامتة، وإلى الجبل القفر، وإلى السماء التي لا تمطر إلا على المتطهرين، وتنهد تنهيدة رجل لا ينطق إلا حكمةً قد عصرتها السنون عصراً، وقال قولته التي صارت دستوراً لكل من طلب راحة البال والسلام الداخلي:


"يا أبنائي، اسمعوا مني، فإني تركت البشر لا كرهاً فيهم، بل حباً في نفسي، وصيانةً لقلبي من أن يموت وهو حي.


خمسة فارقهم ولا تندم عليهم أبداً، فإن في فراقهم حياة لقلبك، وفي بقائهم شقاء لروحك:


أما أولهم: فمن ترصد زلتك، فإنه لا يرى فيك إلا عيباً، وإن رأى حسنةً سترها، وإن رأى سيئةً نشرها، فلا ود له ولا أمان.


وأما ثانيهم: فمن استرخص قيمتك، فإنه إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه جحدك، فإن حضر لم يكرمك، وإن غبت لم يفتقدك.


وأما ثالثهم: فمن هانت عليه عشرتك، فإنه يبيع العمر الطويل بلحظة عابرة، وينسى خبز السنين بجوع ساعة، فلا عهد له.


وأما رابعهم: فمن تركك وقت شدتك، فإنه ليس بصاحب، بل هو ظل، إذا كانت الشمس قائمة كان معك، وإذا غربت تركك للظلام.


وأما خامسهم: فمن استكثر عليك سعادتك، وحسدك على فرحك، وضاق صدره بضحكتك، فإنه لا يحبك، بل يحب نفسه أكثر منك.


فارقوهم يا أبنائي ولا تندموا، ولو صرتم وحدكم، فالغابة الموحشة بلا بشر، آنس من مدينة عامرة بمن لا يستحقون العشرة، والوحدة مع الصفاء، خير من الزحام مع الخبث."


قال صديقي الجيلاني، وقد انطفأت سيجارته في يده دون أن يشعر: فتفرقت الحيوانات، كلٌ عاد إلى جحره وقد فهم الدرس، وعرف أن الحكمة ليست في كثرة الأصحاب، بل في صفوة الأصحاب. وبقي الحكيم وحده تحت شجرة البلوط العتيقة، مطمئناً قرير العين، قد وجد راحة البال حيث لا يكذب إلا الإنسان قد رحل، لأن الصفاء لا يسكن إلا قلباً عرف من يفارق، وعرف متى يفارق، وعرف كيف يفارق بلا ندم.


ثم صمت الجيلاني، ونظر إلى فنجان قهوته البارد، وقال: هذه حكايتي يا صاحبي، فهل فهمت الآن لماذا اخترت أن أكون كذلك الناسك؟

                                   ___««»»___

انتهت الحكاية وفيها عبرة لمن يريد أن يعتبر

                                   ___««»»___


الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

البلد: الجمهورية التونسية 🇹🇳

الأحد، أكتوبر 11، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( فكرة ... مؤجلة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


فكرة... مؤجلة
بقلم :ماهر اللطيف /تونس
جلست في مكتبي أخيرًا، بعد عناء يوم كامل من العمل. هيأت نفسي، وأحضرت أوراقي ولوازمي، وتفقدت أقلامي، ثم شرعت أدون رؤوس أقلام بعد أن تخمرت فكرة في ذهني.
ابتسمت وقلت: «نعم، هي كذلك... الآن أصبح كل شيء جاهزًا، ولم يبقَ غير التحرير والتدقيق وحفظ النسخة النهائية فيما بعد.»
كانت ورقتي حبلى بالتخطيط: الزمان، والمكان، والشخصيات، والعقدة، والحل، وأهم الأحداث... وكان هيكل المكتوب مرسومًا في ذهني بدقة ووضوح.
هممت بمباشرة الكتابة. توكلت على الله وبسملت، سويت الأوراق أمامي، وشحنت أقلامي بدموعي ودمي، وجلست على قلبي حتى لا يعيقني ويرجعني إلى الوراء.
لكن صوتًا داخليًا باغتني، وهو يجمد فكري ويثقل يمناي: «اطلع على تعليقات منشورك السابق، عساك تجد ما يفيدك، ويوجهك أكثر نحو التميز والتفرد في مكتوبك الجديد.»
استجبت له.
وكان الأمر كذلك... وليته لم يكن.
كانت معظم التعليقات إيجابية ومحفزة، كعادتها؛ تشجعني على المضي قدمًا، وتنويع مواضيعي وأجناسي الأدبية وغيرها. لكن قلة قليلة ارتأت أن تستفزني، وتقلقني، وتحبط عزيمتي، وتسفّه ما أقوم به.
كتب أحدهم:
ثُبْ إلى رشدك، وارجع إلى ربك؛ فما تقوم به ملهاة عن ذكر الله.
وقال آخر:
هل تعتقد نفسك عباس محمود العقاد أم نجيب محفوظ؟ أنت لم ترتقِ حتى إلى هاوٍ مبتدئ.
وثالث:
لا أظنك تفكر من مخك... انتبه، هناك من عبث بإعدادات جسدك!
قرأت التعليقات مرة، ثم أعدت قراءتها.
لم يؤلمني نقدهم؛ فالنقد مطلوب، وبه نرتقي ونحسن من أنفسنا وقدراتنا. الذي استفزني وأوجعني هو السخرية، والاعتداء على شخصي، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى محاولة للنيل مني.
ناديت زوجتي وأطلعتها على كل شيء.
ابتسمت وقالت:
- نفس التعليقات والأشخاص... ألم يملّوا ويرتدعوا؟!
قلت:
- فعلًا. ورغم تغير الأجناس الأدبية، فقد حافظوا على نفس التعابير.
قالت:
- قم بحظرهم وتجنبهم.
قاطعتها:
- لا يا حبيبتي. إرضاء الناس غاية لا تُدرك. لست ضد النقد، لكنني ضد الانتقاد والاعتداء على شخصي.
بقينا نتجاذب أطراف الحديث، نستحضر بعض كتاباتي القديمة منذ عقود، وما حملته من تعليقات مماثلة، حتى قلت لها:
- لذلك قلت لك إنني لن أطبع حرفًا ورقيًا يومًا ما.
نظرت إليّ طويلًا ثم قالت:
- ستحرم الناس من هذا الإرث الكبير، وقد تُسأل عنه غدًا...
صمتُّ.
عدت ببصري إلى مكتبي.
كانت الأوراق ما تزال أمامي، والخطة مكتملة، والشخصيات تنتظر أدوارها، والأحداث جاهزة... والقلم بين أصابعي.
لكنني لم أكتب.
تنحيت عن المكتب واتجهت نحو بيت الجلوس. تمددت على الأريكة، وشاهدت مسرحية هزلية حتى غلبني النعاس.
وبقيت الفكرة معلقة...
إلى أن يحل أجلها، إن حلّ.

الأحد، أكتوبر 04، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية ((ثماني ساعات )) بقلم د. عبد الرحيم الشويلي/ القاهرة



«العُبُودِيَّةُ لَمْ تُلْغَ، بَلْ تَمَّ تَحْوِيلُهَا لِتَشْمَلَ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ يَوْمِيًّا.»
تْشَارْلْز بُوكُوَفْسْكِي

قصة قصيرة

ثَمَانِي سَاعَاتٍ

كَانَ يَقْرَأُ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَ يُسَبِّبُ لِنَفْسِهِ مُشْكِلَاتٍ كَثِيرَة.
يَقْرَأُ عَنِ الحُرِّيَّةِ، وَعَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ أَجْلِهَا، وَعَنِ الفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَمْضَوْا حَيَاتَهُمْ فِي البَحْثِ عَنْ مَعْنَاهَا.
كَانَ لَهُ رَأْيُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، وَكَانَ يَعْتَبِرُ الحُرِّيَّةَ مِنَ المُقَدَّسَاتِ الَّتِي لَا تُنَاقَشُ.
لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا.
جَرَّبَ التِّجَارَةَ فَخَسِرَ، وَجَرَّبَ الأَعْمَالَ الحُرَّةَ فَفَشِلَ، لَا لِقِلَّةِ الأَفْكَارِ، بَلْ لِقِلَّةِ المَالِ وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ.
وَكَانَ كُلَّمَا قِيلَ لَهُ:
— لِمَاذَا لَا تُخَاطِرُ؟
يُجِيبُ:
— لِأَنَّنِي أُحِبُّ الحُرِّيَّةَ.
ثُمَّ يَصْمُتُ قَلِيلًا، وَيُضِيفُ:
— وَالحُرِّيَّةُ لَا تُطْعِمُ الخُبْزَ.
حِينَ وَجَدَ وَظِيفَةً فِي شَرِكَةٍ كَبِيرَةٍ، أَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ، بَلْ أَجَّرَ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ مِنْهَا.
فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، قَالَ لَهُ المُدِيرُ:
— نَحْنُ نَحْتَرِمُ الحُرِّيَّةَ هُنَا.
سَأَلَهُ:
— وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
— أَنَّكَ حُرٌّ فِي إِبْدَاءِ رَأْيِكَ.
ابْتَسَمَ.
— هَذَا جَيِّدٌ.
قَالَ المُدِيرُ:
— بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ رَأْيَكَ، نُخْبِرُكَ بِالرَّأْيِ الصَّحِيحِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ يُبْدِي رَأْيَهُ.
فِي الثَّانِي، أَصْبَحَ يُفَكِّرُ قَبْلَ أَنْ يُبْدِيَهُ.
فِي الثَّالِثِ، أَصْبَحَ يَعْرِفُ مُسْبَقًا مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ.
فِي الرَّابِعِ، لَمْ يَعُدْ يَقُولُ شَيْئًا.
لَاحَظَ أَنَّ شَيْئًا غَرِيبًا يَحْدُثُ لَهُ.
لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي المَكْتَبِ.
ثُمَّ لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي البَيْتِ.
ثُمَّ بَدَأَ يَشْتَرِي الكُتُبَ وَلَا يَفْتَحُهَا.
فِي يَوْمٍ مَا، وَجَدَ فِي دُرْجِهِ كِتَابًا قَدِيمًا عَنِ الحُرِّيَّةِ.
فَتَحَهُ، فَكَانَتِ الصَّفْحَةُ الأُولَى تَقُولُ:
«الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَخْتَارُ، لَا يَعِيشُ.»
أَغْلَقَ الكِتَابَ بِسُرْعَةٍ.
دَخَلَ رَئِيسُهُ فَجْأَةً.
— مَاذَا تَقْرَأُ؟
— لَا شَيْءَ.
— جَيِّد.
أَخَذَ الكِتَابَ، وَوَضَعَهُ فِي سَلَّةِ المُهْمَلَاتِ.
— هَذِهِ الأَشْيَاءُ تُشَوِّشُ عَلَى الإِنْتَاجِيَّةِ.
فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، لَمْ يَنَمْ.
فِي الصَّبَاحِ، وَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ طَوِيلًا.
قَالَ لِنَفْسِهِ:
— أَنَا حُرٌّ.
لَمْ تُجِبْهُ المِرْآةُ.
قَالَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
لَمْ تُجِبْهُ.
ثَالِثَةً.
فَقَطْ رَأَى وَجْهًا يَبْدُو لَهُ غَرِيبًا.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الشَّرِكَةِ، كَانَ المُدِيرُ يَنْتَظِرُهُ.
— مُبَارَكٌ.
— عَلَى مَاذَا؟
— تَرْقِيَةٌ.
سَأَلَ بِتَوَجُّسٍ:
— وَمَا المَطْلُوبُ؟
ابْتَسَمَ المُدِيرُ:
— لَا شَيْءَ كَبِيرًا... سَنَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى سَاعَتَيْنِ إِضَافِيَّتَيْنِ مِنْ وَقْتِكَ.
سَكَتَ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَمَاذَا سَأَحْصُلُ فِي المُقَابِلِ؟
— سَتَحْصُلُ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
— كَيْفَ؟
أَجَابَهُ المُدِيرُ بِهُدُوءٍ:
— سَنَتْرُكُ لَكَ حُرِّيَّةَ اخْتِيَارِ السَّاعَاتِ الَّتِي تَعْمَلُهَا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ضَحِكَ.
ضَحِكَ حَتَّى بَكَى.
ثُمَّ وَقَّعَ.
وَعِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ المَكْتَبِ، أَخْرَجَ سَاعَتَهُ مِنْ مَعْصَمِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ أَعَادَهَا إِلَى مَكَانِهَا.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَ قَبْلَ مَوْعِدِهِ بِسَاعَتَيْنِ.
لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَحَدٌ أَنْ يَذْهَبَ مُبَكِّرًا.
وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ.
وَعِنْدَ بَابِ الشَّرِكَةِ، وَقَفَ الحَارِسُ مُتَعَجِّبًا:
— لَمْ يَفْتَحُوا بَعْدُ.
نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ، وَقَالَ:
— أَعْرِفُ.
— إِذَنْ لِمَاذَا جِئْتَ؟
صَمَتَ طَوِيلًا.
ثُمَّ أَجَابَ:
— لَا أَعْرِفُ... لَقَدْ أَصْبَحْتُ أَخَافُ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
وَفِي دَاخِلِ الشَّرِكَةِ، كَانَتِ السَّاعَةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتِ الثَّامِنَةَ بَعْدُ...!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة


5.أكتوبر. تشرين أول.2026م.

الأربعاء، يوليو 22، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الفاتورة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


الفاتورة
بقلم: ماهر اللطيف / تونس
أعطوه فاتورة المصحة الخاصة ظهر ذلك اليوم، وطلبوا منه تسويتها قبل المغادرة.
تأملها بتمعّن لحظات، ثم أطلق العنان لبكائه.
في لمح البصر، أحاط به الطاقم الطبي، بعد أن ظنّوا أن حالته الصحية قد تدهورت.
تقدّم منه رئيس الأطباء، وربّت على كتفه مبتسمًا:
- ما الذي يبكيك أيها البطل؟ هل تشعر بألم؟
- لا يا بني... فمن أعطى أخذ.
ابتسم الطبيب وقال مازحًا:
- يبدو أن قيمة الفاتورة أفزعتك. إن أردت، خفّضناها لك قليلًا.
قاطعه الرجل بهدوء:
- المشكلة ليست مادية... أستطيع تسديدها كاملة.
واصل الطبيب أسئلته، لكنه لم يظفر بجواب. وفي الأثناء، دخل ولداه بعد أن أُذن لهما بذلك. أُعلما بما يحدث، لكنهما لم يحصلا بدورهما على تفسير.
تناول الابن الأكبر الفاتورة، فتسمّرت عيناه أمام أرقامها. استأذن الجميع، واتجه إلى الإدارة لتسديد تكاليف الاستشفاء.
أما الأب، فقد سرحت به الذاكرة... إلى طفولته، ولعبه، وركضه، وتباهيه بقوة جسده، ثم زواجه، وإنجابه أبناءه، وتضحياته في العمل، قبل أن يبدأ الجسد رحلة الوهن، يومًا بعد يوم.
تنهّد طويلًا، وقال بصوت سمعه كل من في الغرفة:
ثلاثة أيام من التنفس الاصطناعي بخمسة ملايين، دون احتساب بقية الخدمات... وعشرة ملايين دُفعت في محاولة لضخ شيء من الحياة في جسدي، بينما أنعم الله عليّ بأكثر من ثمانين عامًا من التنفس الطبيعي، دون أن أدفع مليمًا واحدًا... الحمد لله، وله الشكر.
عاد الابن الأكبر يحمل شهادة الخلاص، ثم شرع في جمع أمتعة والده بعد مغادرة أصحاب المآزر البيضاء.
وما إن همّوا بالمغادرة حتى صاح، وقد شحب وجهه:
- لقد سُرقت!
التفت إليه أبوه وأخوه.
- ماذا سُرق؟
- خمسمائة دينار... ربما أضعتها عندما استخرجت عشرة ملايين من خزنة المصحة، أو لعل أحدًا سرقها.
ربّت الأب على كتف ابنه وقال بهدوء:
- لا تحزن يا بني... المال يُعوَّض.
ثم رفع بصره إلى السماء، وهمس:
- الحمد لله، وله الشكر.
ظل الابن الأكبر يسترجع ما حدث، بينما انسحب أخوه الأصغر بهدوء إلى بيت الراحة.
أغلق الباب خلفه، وأخرج رزمة النقود التي دسّها في جيبه قبل قليل.
عدّها...
- ثلاثمائة وسبعون دينارًا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وهمس:
- يا لك من كاذب يا أمين!... ثلاثمائة وسبعون دينارًا أصبحت، في لمح البصر، خمسمائة!

الخميس، يوليو 16، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية ((إشراقة شمس 169"مخلِصا له الدين" )) بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا



"مخلصا له الدين"
وأنا في طريقي لمقابلة مساعد الكتيبة أطلب منه شطب اسمي من عداد الغائبين بعد أن تخلفت عن الاجتماع الصباحي،تبسمت في سري وأنا أقول"جيشنا الباسل تمت برمجته وفق مصالح مادية ونظرة فوقية، بعيدا عن كل لمحة إنسانية، فهذا أبو فتحي لديه في الأصل طيبة قلب، غير أن هذه الطيبة محجوبة بفعل الأوامر العسكرية التي يلزمه الخضوع لها وهي التي خلت البتة عند إنشائها من لمسات إيمانية وشريعة إلهية
بشيء من تردد سألت نفسي قائلا: لو كنت أعلم أنني سأتأخر عن الاجتماع الصباحي فهل كنت أجلب معي لمساعد الكتيبة شيئا من زعتر حلبي وصابون غار، أم أن مثلي لا يرتكب مثل هذه الحماقة لما أنا عليه من دعوى إيمان، وأن عملا كهذا يخالف جوهر الايمان
وبمرارة تبسمت وأنا أقول في نفسي بعد قليل سوف يلتف حولي شرذمة ممن يظنون أن الرشوة تدفع بلاء محققا، ويلومونني لم لم أحضر شيئا معي لأبي فتحي عساه لا يرفع غيابي إلى قائد الكتيبة
- احترامي سيدي
- من غير أن يرفع رأسه إلي أجابني مساعد الكتيبة بكلمة: نعم ؟
- أنا يحيى سمونة
- باستهزاء قال: أهلا وسهلا، أين كنت؟
- كنت في إجازة
- بحدة قال: أعرف أنك كنت في إجازة، وأنا أسألك عن سبب التأخير؟
- كان الازدحام شديدا في مركز الانطلاق ولم يكن ثمة حافلات نقل من حلب إلى دمشق
- في تمام الساعة العاشرة والنصف تحضر إلى هنا كي أدخلك إلى قائد الكتيبة لتشرح له هذا الكلام
برفقة مساعد الكتيبة دخلت على الرائد سلامه الذي تجاهلنا بادئ الأمر، ثم من غير أن يسألني عن لحيتي وما فعلت بها، ومن غير أن يسألني عن سبب تأخري عن الاجتماع الصباحي، التفت إلى أبي فتحي ثم إلى ورقة بين يديه وكتب عليها بصوت مسموع: ستة أيام توقيف شديد
وفيما كان أبو فتحي يستلم الورقة والبريد من يد الرائد، قمت أنا بتحية للرائد وانصرفنا وأنا أقول في نفسي"في جيش الإيمان يطلق السلام ولا تطلق التحية"
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 169

الأربعاء، يوليو 08، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( حماية مستمرة )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس


********
حماية مستمرة
بقلم: ماهر اللطيف / تونس
كان الجميع يهرول في اتجاه مقصده... 
إلا أنا.
أحسست بيد تجذبني إلى الأسفل، وأخرى تخنق أنفاسي، وثالثة تجثم على صدري، ورابعة تمنع عني الدم والماء والهواء...
أذان الظهر يدوي من صوامع المدينة، مناديًا إلى الصلاة وذكر الله. طوابير الناس تمر من الجانبين بمحاذاتي، وأصواتهم، وأصوات نعالهم، تزيد من اضطرابي وقلقي...
لم أستطع الصياح وطلب النجدة. حتى الدمعة تجمدت بين الأجفان، وأبت أن تسقط. أردت أن أحرك يدي فلم أستطع؛ كانتا ثقيلتين لا تقويان على الحراك. حاولت الهرب، فخانتني قدماي، وسقطت أرضًا محدثًا زلزالًا مدويًا.
نظرت يمنة ويسرة، واستعطفت المارة بعيني، عسى أحدهم ينتشلني من الهلاك، لكن أحدًا لم يلتفت إلى هواني وضعفي، أو يمد إلي يده. تماسكت، وحاولت النهوض مجددًا، فخانني هذا الجسد الممتلئ، وسقطت مرة أخرى. كان الزلزال الثاني أشد وقعًا من الأول...
تذكرت حينها كيف كنت أمشي على أربع. أحاول النهوض فأسقط، فيبتسم أبي ويعينني على الوقوف، فأقع من جديد، فيعيدني مرة أخرى... وكنت -كما أخبرني- لا أرضخ للفشل منذ نعومة أظافري، أستبسل، وأؤمن بنفسي رغم وهني وضعفي...
أرجعني إلى وعيي صوت أعرفه جيدًا. دققت فيه، وأخذت أحدد هويته في مخيلتي قبل أن ألتفت إليه:
- انهض... كالعادة.
- (مبتسمًا) بطبيعة الحال... (حاولت مرة، وثانية، وثالثة... لكنني فشلت.) تمهل...
- (ساخرًا) اضمحلت قوتك، وبت ضعيفًا.
- (مقاطعًا) لا... انظر كيف سأنهض وأقهر ضعفي...
التفت سريعًا أستجلي مصدر الصوت، فلم أجد أحدًا. أعدت البحث، فلم يكن حولي أحد.
عندها فقط أدركت أنني لم أكن أسمع إلا صدى صوته...
نعم... إنه صوت أبي. الصوت الذي أرعبني في صغري، وأمرني ونهاني، ودلني وأرشدني، وعلمني عند بلوغي، ووجهني ونصحني في كبري...
وها هو اليوم، حتى بعد أن وُري الثرى، ما يزال يحميني ويرعاني، يحفزني على النهوض كلما فقدت توازني، ويأخذ بيدي حتى لا يدعسني من فوق التراب... وهو من تحت التراب.

مجلة وجدانيات الأدبية (( خارج حدود الخارطة )) بقلم الكاتب عبدالفتاح الطياري - تونس


*******************
خارج حدود الخارطة
ثارت الياسمين في بلاد الزين، وأوهمت العالمين أن تونس أصبحت مأوى البائسين. قفل كلُّ مُهانٍ جرابه، وقصد بلاد الثائرين... أما خلف ستار النصوص، فقد انتصب وهمُ الانعتاق والسراح.
​هكذا سارت "لينا" السوداء نحو تلك الأرض، تحمل في حقيبتها حلم البقاء، وفي عينيها بريق من صدّقوا أن "الربيع" قد أزهر للجميع. لم تكن تطلب سوى مساحة من الأمان، ذاك البيت الصغير الذي يحمي كرامتها من عاصفة الاضطهاد. لكن، ما إن لامست قدماها تراب تلك الأرض، حتى اصطدمت بالحقيقة التي تتوارى خلف ديباجة القوانين البراقة.
​لقد اكتشفت لينا أن النصوص التي كُتبت عن الحرية والمساواة لم تكن إلا جداراً عازلاً، صِيغت بلغةٍ أنيقة لتُرضي ضمائر من صاغوها وتُغطّي على واقعٍ لا يرحم. كان العالم، بكل حدوده وخطاباته، يمارس كذباً جماعياً؛ تُمنح فيه "الحرية" كشعار في المحافل، وتُسلب كحق في شوارع التيه. وقفت لينا وسط زحامٍ لا يعترف بوجودها، وأدركت أن "الانعتاق" الذي بشّرت به الشعارات ليس إلا سراباً وسط صحراء من التمييز. وبينما كانت الأيام تمضي، أيقنت أن هذا العالم كاذب؛ يفتح أبوابه بالكلمات، ويغلقها بالأقفال الحديدية والقيود الخفية.
​في الغرفة الضيقة التي حاولت أن تجعلها وطناً مؤقتاً، كانت تحتفظ بكتيبٍ صغير وُزّع عليها عند وصولها إلى الحدود. كان الكتيب مزخرفاً بعبارات ملونة عن "حقوق الإنسان" و"المساواة العالمية"؛ كلماتٌ منتقاة بعناية، حبرٌ أنيق على ورق مصقول يَعِدُ بالعدالة والكرامة لكل من يعبر الحدود. كانت تقرأ تلك السطور بتمّعن، في البداية شعرت ببريق أملٍ يضيء عينيها، لكن سرعان ما تحول إلى مرارةٍ حين اصطدمت بالواقع. لقد أدركت أن تلك النصوص لم تُكتب لكي تُطبّق، بل لترضي ضمائر من وضعوها، تماماً كما يُغطي القاتل آثار جريمته بقطعة قماش مزينة بالزهور.
​كانوا يتحدثون عن "الحرية" وهم يحيطون المكان بالأسلاك الشائكة، ويتحدثون عن "المساواة" بينما يُصنّفون البشر بناءً على أوراقهم الثبوتية وألوانهم وحجم معاناتهم. في تلك اللحظة، سقط القناع عن العالم في عيني لينا؛ عرفت أن "الحرية" التي يتشدقون بها هي عملة غير قابلة للصرف في واقعها المرير.
​حين أغلقت الكتيب، لم تشعر بالغضب، بل بشيء أعمق: الانعتاق من الوهم. اتخذت قرارها: لن تعول على وعودٍ كُتبت لغيرها، ولن تطلب كرامتها من نصوصٍ لا تملك أرواحاً. لقد ولدت لينا من جديد في تلك اللحظة، لا كلاجئة تنتظر الرحمة، بل كإنسانة قررت انتزاع حقها في العيش، حتى وإن كان العالم كله يرفض الاعتراف به.
​أدركت لينا أن "المسار العادي" الذي تنشده ليس متاحاً لمن يتبعون الطرق المرسومة، تلك التي تُعبدها النصوص الجميلة لتقودهم نحو مخيمات النسيان أو مكاتب الانتظار الأبدية. قررت أن تتوقف عن كونها "رقماً" في ملفات المؤسسات الدولية، وبدأت ترسم مسارها الخاص، مساراً يتطلب شجاعةً وحذراً.
توقفت عن قراءة البيانات التي تتغنى بالحرية، واعتبرتها ضجيجاً يهدف فقط لإسكات جوعها وتغطية عيونها عن الحقيقة المرة. ​كان فك الارتباط قرارها الأول.
و ​أيقنت أن النجاة تتطلب أن تكون متوارية؛ أن تتجاوز الحدود دون أن تترك أثراً في سجلاتهم، لأن السجلات هي سجونهم الجديدة. فكان الخفاء أفضل.
​ آمنت أن قوتها ليست في الاستغاثة بالمجتمع الدولي، بل في قدرتها على المشي لساعات، وتحمل العطش، والثقة بحدسها حين تضل الطرق.
​لم يعد حلمها ببيتٍ آمن يبدو "شاذّاً" كما أوهموها، بل أصبح الغاية التي تبرر كل خطوة خشنة على الأرض. بدأت تتسلل عبر الغابات والدروب التي لا تظهر في الخرائط، حيث لا وجود لنصوص الحرية ولا لادعاءات المساواة، بل وجودٌ خام؛ إما أن تنجو وتصل، أو تبتلعك الأرض.
​مضت لينا تمشي، مدركةً أن العالم الذي خلفته وراءها هو عالم "كاذب" بامتياز، يكتب عن الحقوق بيد ويقبض على الأرواح باليد الأخرى. وفي كل خطوة كانت تقطعها، كانت تتحرر من "الأوهام الجميلة" لتستعيد حقيقتها كإنسانة لم تعد تنتظر إذناً من أحد لتعيش بكرامة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري - تونس

الأربعاء، يوليو 01، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إلى أين ؟! )) بقلم الكاتب سامي يعقوب / فلسطين

 

الكِتَابَةُ بِأَبّجَديَةٍ ثُنَائِيِّةِ التَرقِيْم :

إِلى أَين !؟ .
كَانَ الغَمَامُ يَلتَفُ عَلَى قِمَمِ الجِبَالِ و الرِيحُ تُدَاعِبُ ( مَرجَ ابْنِ عَامِر ) مَعَهُ ( البِقَاعَ ) و كُلَّ السُهُول …
جَاءَ الخَرِيفُ يَومَ مِيلَادِي أَيْلُولٌ تِشْرِينِيٌّ يَبْحَثُ عَن حُرِيَّةِ أَورَاقِ الشَجَرِ ؛ المَوتَ ؛ الذُبُول …
فِي بِلَادِ الأنْبِيَاءِ هُنَاكَ جَنُوبَ السَاحِلِ السُورِيِّ ، يُنَادِي الأَمْوَاجَ المُتْعَبَةَ مِنَ السَفَرِ الطَوِيل …
سَمْعْتُهُ : هُوَ الآنَ مَدٌّ فَوقَ رِمَالِ بَحْرِ الصُمُودِ ، لِيَتَوَقَفَ عِنْدَ نَاصِيَّةِ الكَلَامِ فِي الحَرْفِ المَعْلُول …
أَنَا هُنَا صَرَخْتُ مَشْدُوهًا مِن مَعْدَنِ الطُيُورِ ، تُشْعِلُ الهَوَاءَ نَارًا ، لَهِيبًا خَلْفَ نَافِذَةِ القَتِيل …
سَمِعَنِي النَهَارُ قَائِلًا مِن أَينَ أَتِيتَ إِلى هُنَا ؛ الجَحِيْمَ ، تَارِكًا خَلفَكَ الأَشْرِعَةَ الحُرَّةَ أَسَاطِيل …
قُلْتُ مُتَلَعْثِمًا مِن صِدْقِ رُكَامِ المُدُنِ نَامَت بَعْدَ أَن نَامَ بَينَ أَحْضَانِهَا الشَهِيدُ ؛ جَسَدًا نَحْيل …
مُضَمَّخًا بِدِمَاءِ أَبْنَاءِهِ و آبَاءِهِ سَافَرُوا قَبَلَهُ لِلأَعَالِي ، وَقْتَ سَافَرَ خَلْفَ نِدَائِهُمُ صَوتًا عَلِيل …
: مَن بَاعَ دِمَائَنَا بِلَا ثَمَنٍ يَا إِخْوَتِي لجُنُونِ الأَعَادِي !؟ ، و لَمَّا تَكَلَمَ السُؤَالُ صَمَتَ الجَوَابُ الدَلِيل …
مَاتَ الإِنْسَانُ العَرَبِيُّ يُلْجِمُهُ خَوفٌ مِن الكَرَاسِي ، و تَحَرَّرَت إِنْسَانِيَةُ الكَوكَبِ مِن الزِيْفِ فِي مَعنَى القَلِيل …
و أَسْرَابُ الغِربَانِ تَنْعِقُ خَلْفَ كِذْبَةِ العَصْرِ ، تَدُورُ تَبْحَثُ عَن مَكَانِ و زَمَانِ الحَلِّ البَدِيل …
هُنَاكَ حَطَّ الغُرَابُ يَعْتَمِرُ تَاجَهُ المَلَكِيَّ عَلَى رَأسِ الفَرَاغِ مِن الضَمِيْرِ خَلْفَ الأَطْلَسِيِّ الطَوِيل …
عَرَبِيُّ اللُغَةِ و الأَبِ و الأُمِ تَأَمْرَكَ قَبْل سِنِينٍ ، و صَمْدَ أَمَامَنَا و ( المِيديَا ) الفَتَى النَبِيل …
الجَمِيعُ رَآهُ يَشْرَبُ كَأسَ قِيَامَتِهِ ؛ الجُوعَ ؛ العَطَشَ ، و لَم يَرِفُّ لَنَا رِمْشٌ غَضَبًا يَقُول …
بَكَى الطِفْلُ لَمَّا سَقَطَت مِنْهُ لُعْبَتُهُ الصَغِيرَةُ ، دَاعَبَتْهُ لِيَهْدَأَ فِي خَيمَتِهِ كَلِمَاتُ السَلِيل …
هِيَ الحَيَاةُ الآنَ حَنْظَلٌ ، مِلْحٌ أُجَاجٌ فِي غَابَةِ المَعْنَى ، و المَاءُ العَذْبُ الفُرَاتُ حَيَاةَ الذَلِيل …
أَمَّا أَنَا فَوَاحِدٌ مِنْكُمُ لَا أُزَكِي نَفْسِي بِوَصْفٍ ، أَخْبِرُونِي أَينَ نَحْنُ الآنَ يُرَافِقُنَا صَمْتٌ كَسُول …
كُلُّ إِخْوَتِي مَاتُوا قَبْلَ أَن يَسْتَيقِظَ الفَجْرُ السُعَارُ ، و يُفْضِي النَهَارُ عَن صُورَةِ الإِنْسَانِ الذُهُول …
طَارَت مِن بَينِ أَيدِينَا حَضَارَةٌ عُظْمَى شَرْقَ المُتَوَسِطِ ، لِيَنَامَ العَقْلُ شَخِيرًا لَامُبَالٍ أَينَ السَبِيل …
أَكْبَرُ مِن صَدْمَةٍ كَمَا هَذِهِ مَاذَا نُرِيدُ الآنَ ، كَي تَصْحُو الكَرَامَةُ و قُوةُ الحَقِّ فِي جَذْرِ الجِين الأَصِيل …
و تَصْحُو مِن سَفَاهَتِهَا أَحْلَامُنَا لِنَكْبُرَ بِهَا و مَعَهَا ، و يَصْحُو ضَمِيرُنَا العَرَبِيُّ فِي الرُوحِ و تَصْحُو العُقُول …
و نصْحُو مُرُوءَةً ، شَهَامَةً ، شَجَاعَةً فِي قُوَةٍ ، فُرْسَانٌ كَمَا الأَجْدَادُ سُيُوفًا فَوقَ أَعَالِي الصَهِيل …
فَأَجْرَاسُ العَودَةِ تُنَادِينَا مُنْذُ قَرْنٍ مِن كُلِّ بِلَادِ الشَتَاتِ و مُخَيَمَاتِ اللُجُوءِ و سَاعَاتُ الوَقْتِ تَطُول …
لِنَرفَعَ أَعْلَامَنا فِي أَرْضِ الله بِأَخْضَرٍ أَرْضُ قَصَائِدِنَا و أَبْيَضٍ كَنَوَايَانَا و أَسْوَدٍ لِانْتِقَامِنَا و أَحْمَرٍ لِدَمِنَا مَع ( فلسطين ) فِي الوَرِيدِ يَسِيل …
شَعْبٌ وَاخِدٌ فِي وَطَنِ الأَمْجَادِ لِأَوَلِ مَرَّةٍ فِي عَكَا ، حَيفَا ، يَافَا ، و غَزَةَ الصُمُودَ ، و فِي القُدْسِ و نَابُلْسَ و فِي الخَلِيل …
فِي صَفْدٍ و نَاصِرَةِ المَسِيحِ و فَوقَ هِضَابِ الجَلِيل …
نُغَنِي ( العَتَابَا ) و ( المِيجَنَا ) مع تَرَاقُصِ دَبْكَتِنَا صَبَاحًا و رَبِيعًا مُزْهِرًا بِشَقَائِقِ النُعْمَانِ جَمِيل …
و نُشْعِلُ لِأُمِّ البِدَايَاتِ و أُمِّ النُهَايَاتِ كُلَّ شُمُوسِ الكَونِ لَهَا النَحْنُ الجَمِيعُ أَينَمَا كُنَّا الفَتِيل .
سامي يعقوب . / فلسطين .
#إِغْضَب .
Don’t stop talking about Palestine, and don’t stop sharing, the war just starting.

الثلاثاء، يونيو 30، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( مرثية الزهور )) بقلم الكاتب عبد الفتاح الطياري / تونس



**********
مرثية الزهور
​في حديقةٍ عتيقة كانت يوماً تختصرُ التاريخ في ألوانٍ وأسرار، كان "أزرق" و"ذهبية" - فراشتان من سلالةٍ شهدت عصوراً من الازدهار - يطوفان فوق ما تبقى من أطلال البتلات. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً برائحة احتراقٍ خفية لم تعد تفرق بين عطر الزهر ودخان المصانع البعيدة.
​حطت "ذهبية" فوق "زنبقة" ذابلة، وقالت بصوتٍ يشبه حفيف الورق الجاف: "هل تشمين ذلك؟ لم تعد هذه الزنبقة تفوح بعبق الأساطير التي كانت ترويها الجدات، حين كان الناس يهدونها في لحظات الحب والوفاء. رائحتها اليوم تشبه رائحة الصدأ.. رائحة التخلي".
​رد عليها "أزرق"، وهو يرتجف فوق "ياسمينة" كستها طبقة من الغبار الرمادي: "لقد غيّروا كل شيء يا رفيقتي. الإنسان لم يعد يرى في الزهور سوى ديكورٍ لموائده البلاستيكية. لقد فقدوا القدرة على استنشاق الحكايات. انظري إليهم من خلف زجاج نوافذهم، يهرولون في المسارات الإسمنتية، عيونهم معلقة في شاشاتهم، لا يلحظون أن السماء فقدت زرقتها، وأن الأرض بدأت تضيق بأنفاسهم الملوثة".
​كانت الزهور بالنسبة لهما كتاباً مفتوحاً من الذكريات؛ فالوردة الجورية، التي كانت يوماً مخزناً لصدق الوعود، صارت تفوح برائحة الزيف والتبذير، والخزامى التي كانت تداوي الأرواح باتت تنضح بمرارة الإهمال. كل زهرة كانت تختزل خيبة أملٍ في علاقة الإنسان بجذوره التي قطعها بيده.
​ثم جاءت "الواقعة"؛ لم تكن مجرد صيفٍ عابر، بل كانت موجة الحر القاتلة (الكانيكولا) التي أعلنت نهاية العهد. تحولت الشمس إلى قرصٍ من لهبٍ لا يرحم، وجفت الجداول التي كانت تمنح الحديقة حياتها، فتوقف حراك الناس تماماً، وانحبسوا خلف جدرانهم الباردة، تاركين الطبيعة تواجه احتضارها وحدها.
​قالت "ذهبية" وهي تشعر بأجنحتها تتقصف من شدة الحرارة: "لم يعودوا حتى ينظروا من النوافذ. لقد عزلوا أنفسهم عن دمارهم الخاص".
​"أزرق" كان يراقب زهرة "عباد الشمس" الوحيدة التي بقيت واقفة رغم انحنائها حتى ملامسة الأرض. قال وهو يغلق عينيه: "هذه هي النهاية التي كتبوها بأيديهم. لقد نسوا أنهم جزء من هذا النسيج، وحين جفّ النسيج، أحرقوا هم أيضاً دون أن يدركوا".
​تأملت "ذهبية" ذبول زهرة النرجس وقالت: "أترى يا أزرق؟ النرجس يموت وهو ينظر إلى انعكاسه في بركة جافة. هذا هو الإنسان بالضبط؛ لقد استهلكوا الزمن وهم يبحثون عن 'أناهم' في المرايا الرقمية، حتى نسيوا أن البركة التي تعكس وجودهم قد تبخرت منذ زمن."
​أجاب "أزرق" وصوته يمتزج بأزيز الحرارة: "لقد حولوا الوجود إلى وظيفة، والحواس إلى أجهزة استقبال باردة. لم يعودوا يتوقفون ليتنشقوا عطر الجوري؛ فعل الاتصال هذا كان صلاة خفية بين الروح والتربة، واليوم يمرون بجانب الزهور كأنهم يمرون بجانب أثاثٍ مهمل. حين تنطفئ القدرة على الاستشعار، وتصبح الرائحة مجرد كيميائيات والجمال مجرد رقم في شاشة، ألا نكون حينها قد متنا قبل أن تأتي هذه الكانيكولا؟"
​ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت تكسر أوراق الشجر اليابسة. كانت الحديقة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والإنسان القابع خلف جدرانه لم يعد يكترث إلا بنجاته الفردية، ناسياً أنه جزء من نسيجٍ إذا تمزق، احترق الجميع.
​حين مالت الشمس إلى الغروب في ذروة قيظها، تبادلت الفراشتان نظرة أخيرة. لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة "إدراك".
قال "أزرق": "نحن لسنا ضحايا هذه الحرارة، نحن شهود على زوال وهمٍ كبير. الإنسان ظن أنه يكتب التاريخ، لكنه في الحقيقة كان يكتب مرثيته على بتلات الزهور."
​أغمضت "ذهبية" عينيها وقالت: "ليغادروا التاريخ إذاً، فالأرض ستستعيد عافيتها حين تصمت ضوضاء غرورهم."
​في تلك اللحظة، انطفأت أجنحتهما وسقطتا فوق كومة من الرماد، حيث لم يعد هناك فرق بين لون جناحيهما الملون وبين الغبار الكوني. لقد كانت رحلتهما مرآة لوعي البشرية؛ حين انقطع التواصل بين الروح والأصل، تحولت الحياة إلى سراب.
​بقيت الحديقة قاحلة، شاهدة على عصرٍ ترف فيه الإنسان عن التناغم مع محيطه حتى جفت ينابيعه. كانت الشمس، التي كانت يوماً رمزاً للحياة، قد أتمت دورها كأداة "تنقية" للطبيعة من آثار العبث البشري، لتبدأ الأرض من جديد، خالية من أي أثرٍ لخطواتنا المتسرعة، في انتظار مطرٍ لا يشبه دموع البشر.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

السبت، يونيو 27، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إشراقة شمس عدد 166 بعنوان " أمطروني بتعليقاتهم )) بقلم الكاتب يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا



أمطروني بتعليقاتهم
كان الاجتماع الصباحي في فوجنا قد انفض، وكان اسمي قد دون في سجل الغائبين
بمجرد وصولي إلى الفوج توجهت نحو المهجع، الذي كان حافلا بجميع عناصره في استراحة صباحية لمدة عشرة دقائق
التفت الجميع على وقع كلمات أحدهم، يقول: حمدا لله على سلامتك شيخ يحيى، أين هي لحيتك؟!
بشكل مذهل توالت التعليقات -بحيث أنها لم تدع لي مجالا للرد- منها ما يحمل طابع الفكاهة، ومنها ما يحمل طابع السخرية، ومنها ما يحمل طابع التشفي، ومنها ما يحمل طابع الفضول ومنها ما يحمل طابع الاستدراج، ومنها ما يحمل طابع الشفقة، ومنها ما يحمل طابع التحسين أو التقبيح، ومنها ما تضمن رؤية سياسية مخصوصة، ومنها ما قد تعدى الخطوط الحمر، ومنها ما كان يعبر عن وضاعة صاحبها، ومنها ما كان يطعن تلميحا بمن كان السبب وراء حلق لحيتي
كانت سلامتي تتوقف على ردة فعلي من تلك التعليقات
في مجتمع مغلق كمهجعنا الذي ضم كافة أطياف ومكونات الشعب السوري، كان من الطبيعي أن أسمع هذه التعليقات كلها، رغم أن الأجواء العسكرية في سورية لم تكن لتسمح بحرية التعبير بل كان "الحذاء العسكري" هو الرأي الأوحد
=وكم من عنصر في المهجع آثر الصمت حين رآني ولم يعلق بشيء خشية الوقوع في فك مخبر مفترس=
هذا أحدهم قال وهو يقهقه" الشيخ يحيى لم يعد يطيق اللحية وتبعاتها"
وقال آخر "هكذا هو أحلى شيخ يحيى"
وقال ثالث "بل كانت اللحية تمنحه هيبة"
ورابع قال"يبدو أنه حلقها لخطة ما في رأسه"
و خامس قال"لقد استطاع الرائد سلامه أن يجبر الشيخ يحيى على حلق لحيته"
و سادس قال"ربما أمسكت به الشرطة العسكرية في حلب وحلقت له لحيته"
وسابع قال"وأخيرا أدرك الشيخ يحيى أن اللحية لا تمثل الدين"
وثمة أقوال أخرى لا مجال لذكرها الآن
نعم أيها السادة و السيدات لقد أمطروني بتعليقاتهم التي كانت تبعث في نفسي الخوف لأنه من المحتمل أن تأخذ مجراها لدى أفرع الأمن العسكري
لكنني في ظاهر الأمر كنت قد تلقيت كل تلك التعليقات بأعصاب باردة هادئة بحيث لا تثار حولي الشكوك وأنا الذي كنت في حلب قد التقيت كلا من دكتور عبدالله ودكتور أيمن وأخذت منهما جرعة عالية من تفاؤل وثقة وأن الأمور تسير وفق منهجية مدروسة فائقة الدقة
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 166

الأحد، يونيو 21، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( حصاد السنين )) بقلم الكاتب عبد الفتاح الطياري / تونس




*****************
حصاد السنين
في زاوية خافتة من صالون البيت، جلس كلاهما. انتهت حصة الأطفال، نام الصغار أخيراً بعد نهار طويل من الركض والطلبات، وانتهت معها التزامات العمل وضغوط النهار. حلّ السكون، لكنه لم يكن سكوناً مريحاً، بل كان صمتاً ثقيلاً كالهواء قبل العاصفة.
​وقف "آدم" ينظر من النافذة إلى أفق المدينة الذي بدا ضبابياً بفعل غبار المساء، بينما جلست "سارة" على الأريكة، تطالع كفيها وكأنها تبحث فيهما عن خطوط عمرٍ مضى.
​التفت إليها وقال بصوت خافت: "ما الذي يجمعنا الآن يا سارة؟"
​سؤالٌ كان معلقاً في الهواء منذ أشهر، ربما منذ سنوات. لطالما كان الأطفال هما المحور، والعمل هو الوقود، والمسؤوليات هي الغراء الذي يمسك خيوط حياتهما معاً. ولكن الآن، بعد أن هدأت الضوضاء، واجها الحقيقة العارية: لقد تحولا إلى شريكين في إدارة "مؤسسة المنزل"، لكنهما فقدا "الحبيبين" في الطريق.
​حاولت سارة أن تتذكر آخر مرة تحدثا فيها عن شيء يخصهما هما فقط. طوال سنوات، تلاشت الهوايات المشتركة؛ حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع لغتهما الخاصة صارت ضبابية وباهتة. لم يعد هناك كتاب يتشاركان قراءته، ولا حلم غريب يضحكان عليه، ولا حتى نزهة عفوية دون تخطيط مسبق.
​والأصعب من ذلك كله، كان الجفاء الجسدي. لم يكن الأمر مجرد غياب للعاطفة، بل إن "الجماع قد مات" بينهما منذ زمن. لم يعد هناك ذلك الخيط السحري الذي يربط جسديهما ليقول ما تعجز عنه الكلمات. تحولت اللمسات إلى مجرد واجبات عابرة، واعتذارات متبادلة بالتعب والإرهاق، حتى استسلم كلاهما لبرود السرير وجدار الصمت.
​نظرت إليه سارة، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة، وقالت بصوت متهدج: ​"أنا لا أريد أن أفقدك، ولكنني لم أعد قادرة على أن أفقد نفسي أكثر من ذلك."
​اقترب آدم وجلس في مواجهتها، شعر بصدق كلماتها وهزّته العبارة في عمق روحه. كان يعلم أنها محقة. لقد استنزفتهما الحياة حتى باتا مجرد أشباح يدوران في ساقية واحدة.
​قالت له وهي تمسك يده برفق، في لمسة وداع عاطفية أكثر منها تمسكاً: ​"أنت ستظل دائماً في قلبي، حتى لو كان عليّ أن أدعك ترحل. أنا أتركك اليوم، ليس لأنني أحبك أقل، بل لأنني بدأت أحترم نفسي وأحترمك أكثر. لا يمكننا الاستمرار في تزييف حياة من أجل الحفاظ على المظاهر."
​ساد الصمت مجدداً، لكنه كان صمتاً يحمل في طياته شجاعة الاعتراف. نظر آدم إلى يدهما المتشابكتين، وشعر بحجم الألم والتحرر في آن واحد.
​قال لها وهو يبتسم بمرارة: "لقد أعطيتك قلبي يا سارة، وأعطيتني قلبكِ.. ولكن يبدو أننا وجدنا أنفسنا في مكان يجب على كل منا أن يسترد قلبه ليطببه ويداوي جراحه بمفرده."
​لم تكن تلك الليلة ليلة شجار وصراخ، بل كانت ليلة نضج وسلام. أدركا أن الحب أحياناً لا يكفي إذا مات الشغف وانعدم التواصل الروحي والجسدي.
​اتفقا على الانفصال بوعي، احتراماً للماضي الجميل الذي جمعهما، وحفاظاً على ما تبقى من ود لأجل الأطفال. رحلت سارة، وبقي آدم، لكن كلاً منهما غادر محملًا بأمل جديد:
أن يستعيدا أنفسهما التي تاهت في زحام الحياة، وأن يلتئم ذلك القلب الذي تصدع تحت وطأة الصمت والروتين.
لقد وضعت الحياةُ نقطة النهاية لزواج ميت، لتبدأ من جديد سطور حياةٍ تنبض بالاحترام والحرية...
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

مجلة وجدانيات الأدبية ((همسة في أذن الزمان )) بقلم الكاتب ابن عزوز فرح الإدريسي / الجزائر


اتكأ الجنرال عمر على مقعده الجلدي المتشقق، يراقب ذرات الغبار وهي ترقص في خيط رفيع من ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل من ستائر الغرفة الثقيلة. كانت الأوسمة المعلقة على صدر سترته القديمة قد فقدت بريقها، تماماً كما فقدت حياته معناها. تحول من قائد يحرك الجيوش بإشارة من إصبعه إلى سجين في زنزانة من الصمت والملل. كان بيته يشبه ضريحاً، تفوح منه رائحة الورق القديم والقهوة الباردة.
وضع كأسه على الطاولة الخشبية، فأحدث رنيناً خافتاً كسر حدة السكون. نظر إلى المرآة المقابلة له؛ وجه شاحب، عينان غائرتان تحكيان قصص حروب لم يربح فيها سوى الوحدة.
"هل هذا كل شيء إذن؟"
همس لنفسه، لكن صوته بدا غريباً، وكأنه يأتي من بئر عميقة. لم يجبه أحد، سوى تكتكة الساعة الجدارية التي كانت تقضم ما تبقى من عمره ببرود.
فجأة، اهتز الهواء. لم يكن اهتزازاً مادياً، بل كان أشبه بتموج في مياه راكدة. بدأت الزوايا القائمة في الغرفة تتلاشى، والجدران التي سجن نفسه بينها بدأت تذوب مثل شمعة تحت لهب غير مرئي. شعر عمر بدوار عنيف، ثم سقط، لا على الأرض، بل في فراغ لا قاع له.
لم يكن سقوطاً مخيفاً. كانت الجاذبية قد استقالت من عملها. وجد نفسه يطفو في فضاء شاسع، لا سماء فيه ولا أرض. كانت الألوان من حوله تتراقص بطريقة لا يمكن لوصف بشري أن يستوعبها؛ أرجواني يتداخل مع ذهبي سائل، وخيوط من الفضة تنسج أنماطاً هندسية معقدة تتغير كلما رمش بعينيه. كان الصمت هنا مطلقاً، ليس صمت الفراغ، بل صمت النشوة، صمت يملأ الأذنين بموسيقى لا تسمعها الآذان بل تشعر بها الروح.
"أين أنا؟"
صرخ عمر، لكن صرخته لم تخرج كصوت، بل كتموج لوني أزرق انتشر في الفضاء.
"أنت في المسافة الفاصلة بين الشهيق والزفير، أيها الجنرال."
جاء الصوت من كل مكان ومن لا مكان. التفت عمر ليجد كياناً يقف أمامه، أو بالأحرى، يطفو. لم يكن بشرياً. كان عبارة عن سحابة من بلورات شفافة تتغير أشكالها باستمرار، تنبعث منها رائحة تشبه مزيجاً من الأوزون بعد عاصفة رعدية وورق المخطوطات القديمة. كانت عيناه، إن كان يمكن تسميتهما كذلك، مجرتين من الضوء الدوار.
"من أنت؟ وما هذا المكان؟"
"أنا صدى لأسئلتك التي لم تطرحها. وهذا المكان هو ما تبقى عندما تتوقف قوانين المادة عن فرض سيطرتها. مرحباً بك في العوالم غير المتناهية."
حاول عمر التحرك، فاكتشف أن إرادته هي المحرك الوحيد. بمجرد أن فكر في التراجع، انفتحت أمامه مساحات شاسعة من السهول التي تتكون من مرايا سائلة، تعكس صوراً لأحداث لم تحدث قط.
"هل أنا ميت؟"
"الموت كلمة محدودة جداً لوصف ما تمر به. هل تظن أن حياتك كانت هي الحقيقة الوحيدة؟"
"كنت جنرالاً. كنت أدير مصائر الآلاف. كانت حياتي ملموسة، قاسية، وواضحة."
ضحك الكيان، وكان ضحكه يشبه رنين آلاف الأجراس الصغيرة.
"ملموسة؟ كنت تعيش في سجن من الأفكار، تظن أن الرتب العسكرية هي التي تحدد حجمك في الكون. انظر حولك يا عمر. هنا، لا توجد رتب، ولا توجد جاذبية تشدك إلى الأسفل، ولا زمان يطاردك بساعته اللعينة."
نظر عمر إلى يديه. بدأ يلاحظ أن جلده أصبح شفافاً، يميل إلى لون أخضر فسفوري باهت. كان بإمكانه رؤية تدفق الضوء داخل عروقه بدلاً من الدم.
"ماذا يحدث لي؟ لماذا أصبح جسدي هكذا؟"
"أنت تتخلص من قشورك. الهيكل الشفاف الذي تراه هو حقيقتك المجردة. أنت الآن تمر بعملية تحلل من المادة إلى المعنى."
شعر عمر برعشة تسري في كيانه. تذكر غرفته، كأسه الباردة، والوحدة التي كانت تخنقه.
"أريد العودة. هذا المكان مرعب في اتساعه."
"الخوف هو القيد الأخير. لماذا تعود إلى السكون الذي كنت تسميه حياة؟ هناك كنت تموت ببطء في بيات شتوي من اليأس. هنا، أنت تتنفس الضوء."
"لكنني لا أعرف كيف أعيش هنا! لا توجد أوامر، لا توجد خطط، لا يوجد عدو لأواجهه."
"ربما لأن العدو الوحيد كان دائماً في الداخل. انظر إلى تلك المساحة."
أشار الكيان بلمحة من ضوئه إلى أفق بعيد حيث كانت تتشكل مدن من الكريستال تطفو فوق سحب من الدخان الملون.
"ما تلك المدن؟"
"تلك هي ذكريات الذين اختاروا البقاء. كل مدينة هي حياة كاملة أعيد صياغتها لتكون خالية من الألم. يمكنك بناء مدينتك الخاصة هنا، حيث لا يخونك أحد، ولا تندم على قرار عسكري خاطئ أدى لمقتل جنودك."
صمت عمر. تذكر وجوه الجنود الذين فقدهم في معركة "وادي الصمت". تذكر نظرات أمهاتهم. شعر بغصة في حلقه، رغم أنه لم يعد يملك حلقاً بالمعنى المادي.
"هل يمكنني رؤيتهم؟"
"يمكنك أن تكون معهم، أو يمكنك أن تمحو وجودهم من ذاكرتك تماماً. الخيار هنا مطلق."
"هل هذا هو الثمن؟ أن أنسى لكي أرتاح؟"
"النسيان هو أعلى درجات الحرية."
تراجع عمر خطوة إلى الوراء، فاندفعت من تحته مساحات من الألوان غير المعهودة، تداخلت فيها درجات من الرمادي المتوهج والأصفر العميق. شعر بقوة تربط هذه الألوان ببعضها، قوة تتجاوز مفهوم الكثافة والوزن.
"أنت تحاول إغرائي،" قال عمر بصوت بدأ يستعيد حدته العسكرية. "هذا يشبه فخاخ الاستخبارات. تمنحني الجنة لكي تسلبني إرادتي."
"إرادتك كانت مسلوبة منذ اللحظة التي قررت فيها أن تتقاعد وتستسلم لليأس. أنا لا أغريك، أنا أعرض عليك الحقيقة. أنت الآن في مرحلة الانتقال. السؤال ليس هل تريد العودة، بل هل تملك الشجاعة لكي لا تعود."
"وماذا لو كان هذا مجرد حلم؟ ماذا لو كنت قد مت بالفعل في مقعدي الجلدي، وهذا هو خيالي وهو يتلاشى؟"
اقترب الكيان منه، وأصبح الضوء المنبعث منه ساطعاً لدرجة أن عمر أغمض عينيه.
"هل هناك فرق بين حلم أبدي من النشوة وحقيقة بائسة من الألم؟ إذا كان هيكلك الشفاف يتلف، فإنه يتلف لكي يفسح المجال لشيء أسمى. أنت لا تنتهي يا عمر، أنت تتسع."
فتح عمر عينيه. نظر إلى الفراغ المحيط به. بدأ يشعر بأن الصمت الذي كان يخيفه في غرفته قد تحول هنا إلى ملاذ. لم يعد يشعر بثقل السنين على كتفيه.
"أخبرني عن قوانين هذا المكان. كيف أتحرك؟ كيف أبني؟"
"لا توجد قوانين، بل هناك رغبات. فكر في شيء، وسيكون. لكن احذر، فرغباتك هي التي تشكل سجنك الجديد أو جنتك."
"أريد أن أرى الحقيقة كاملة. لا أريد مدناً من الكريستال أو نسياناً مريحاً. أريد أن أفهم لماذا جئت إلى هنا."
"الصدفة لا وجود لها في هذه العوالم. لقد وصلت لأن تردد يأسك وصل إلى نقطة التلاشي. عندما يصبح الألم مطلقاً، ينكسر الجدار بين العوالم."
"إذن أنا هنا لأنني كنت بائساً بما يكفي؟"
"بالضبط. اليأس كان مفتاحك. والآن، عليك أن تقرر: هل تظل سجين الفكرة، أم تخرج إلى سكون الوجود؟"
أغمض عمر عينيه مرة أخرى، وتخيل غرفته. تخيل الغبار، والستائر الثقيلة، ورائحة القهوة الباردة. شعر بحنين مفاجئ لتلك التفاصيل الصغيرة والمؤلمة.
"أشعر أنني أفقد نفسي،" همس عمر. "هذا الاخضرار في جسدي... هل هو علامة على الحياة أم علامة على التحلل؟"
"هو كلاهما. لكي تنبت الزهرة، يجب أن تتحلل البذرة أولاً. أنت الآن بذرة في تربة من الضوء."
"لكنني لست زهرة. أنا جندي. أنا رجل حرب."
"الحروب انتهت يا عمر. هنا، المعركة الوحيدة هي ضد الفراغ الذي في داخلك."
ساد صمت طويل. بدأ عمر يلاحظ أن المساحات من حوله بدأت تتقلص وتتوسع في إيقاع يشبه نبض القلب. شعر بأن كيانه يندمج مع الألوان، وأن حدوده الشخصية بدأت تتلاشى. لم يعد يعرف أين ينتهي جسده وأين يبدأ الفضاء.
"هل سأبقى هكذا للأبد؟"
"للأبد كلمة زمنية، والزمن هنا مجرد وهم. ستبقى حتى تكتشف ما تريد أن تكونه بعيداً عن الرتب والأوسمة."
"أريد أن أكون... حراً."
"الحرية هي أثقل الأحمال، لأنها تعني أنك المسؤول الوحيد عن خلق عالمك."
فجأة، ظهرت أمام عمر صورة لجنوده الذين سقطوا. لم يكونوا جثثاً، بل كانوا كائنات من نور، يبتسمون له بصمت. شعر عمر بدمعة من الضوء تسيل على خده الشفاف.
"هل هم هنا أيضاً؟"
"كل من عبر الجدار موجود هنا. لكنهم لم يعودوا جنودك. هم الآن رفاقك في اللانهائية."
مد عمر يده ليلمس أحدهم، وعندما تلامست أصابعهما، انفجر الكون من حوله في موجة من اللون الأبيض الناصع. شعر بقوة تجذبه إلى الأعلى، أو ربما إلى الداخل. كانت النشوة التي شعر بها في البداية قد تحولت إلى يقين مطلق.
"هل انتهت حلقتي الحياتية إذن؟"
"الحلقات لا تنتهي، بل تتسع لتشمل حلقات أخرى. أنت لم تخرج من السكون، بل وجدت السكون الذي لا يقتل."
شعر عمر بأن جسده الأخضر الشفاف بدأ يتوهج بقوة، ثم بدأ يتلاشى تدريجياً، ليس كفعل تدمير، بل كفعل اندماج. لم يعد هناك جنرال، ولا رتبة، ولا يأس. كان هناك فقط وعي خالص يسبح في بحر من الألوان والأنغام.
"هل هذا هو الموت إذن؟"
"إذا كان الموت هو الاستيقاظ من حلم طويل وبائس، فنعم، هذا هو الموت الأجمل."
ضحك عمر، وكانت ضحكته هذه المرة جزءاً من سيمفونية الكون. نظر إلى الخلف للمرة الأخيرة، فرأى غرفته البعيدة، صغيرة جداً، باهتة، وكأنها نقطة سوداء في لوحة فنية عملاقة. رأى مقعده الجلدي، وكأسه الباردة، وساعته التي توقفت عن التكتكة في اللحظة التي عبر فيها الجدار.
"وداعاً أيتها الغرفة الضيقة،" قالها بقلب خفيف. "وداعاً يا أيها الجنرال الذي لم يعرف كيف يعيش."
"إلى أين الآن؟" سأل الكيان، وهو يتحول إلى خيط من الضوء يلتف حول عمر.
"إلى حيث لا توجد خرائط، ولا أوامر، ولا حدود."
انطلق عمر مع الكيان نحو آفاق جديدة، حيث كانت الألوان تخلق لغات جديدة، وحيث كانت المسافات تُقطع بالتفكير لا بالمشي. اكتشف أن العوالم غير المتناهية ليست مكاناً يذهب إليه المرء، بل هي حالة من الوجود يصل إليها من يجرؤ على ترك كل شيء خلفه.
في تلك اللحظة، في العالم الآخر، دخل أحد الجيران إلى شقة الجنرال عمر بعد أن لاحظ غيابه الطويل. وجد الغرفة ساكنة تماماً. كان المقعد الجلدي فارغاً، والكأس الباردة لا تزال في مكانها. لم يكن هناك أثر لصراع، ولا علامة على مرض. فقط كان هناك شعور غريب يملأ الغرفة، رائحة خفيفة من الأوزون، وبريق أخضر باهت جداً يتلاشى على حافة الستائر، وكأن روحاً ما قد قررت أخيراً أن تفتح النافذة وتطير.
أما عمر، فقد كان في تلك اللحظة ينسج مجرة من ذكرياته السعيدة، محولاً آلام الماضي إلى نجوم تضيء دربه في الفراغ النشوان. لم يعد يتساءل إن كان قد تحرر أم انتهى، لأن الفرق بين التحرر والنهاية قد تلاشى تماماً في حضرة اللانهائية.
"هل تشعر بالخفة الآن؟" سأل الكيان.
"أشعر بأنني لأول مرة... موجود."
"هذا هو البدء الحقيقي."
وهكذا، غاص الجنرال في أعماق النور، تاركاً خلفه رتباً من القماش وأوسمة من معدن، ليصبح هو نفسه وساماً من الضوء في صدر الكون. استمر في استكشاف المساحات التي تلي المساحات، يغوص في ألوان لم تُخلق بعد، ويسمع أصواتاً كانت تسكن في صمته لسنوات. اكتشف أن الجاذبية التي كانت تشده للأسفل في حياته لم تكن جاذبية الأرض، بل كانت جاذبية الندم، وبمجرد أن غفر لنفسه، أصبح أخف من الريح، وأسرع من الفكرة.
مرت دهور في لحظة، ولحظات في دهور. تعلم كيف يتحدث بلغة الألوان، وكيف يرسم مشاعره على قماش الفراغ. التقى بآلاف الأرواح التي عبرت الجدار، واكتشف أن كل واحد منهم كان يحمل في داخله "بياتاً شتوياً" خاصاً به، وأن اليأس كان هو الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبروا من خلاله إلى هذه النشوة المطلقة.
"لماذا لم يخبرنا أحد بهذا في الأسفل؟" سأل عمر وهو يراقب ولادة نجم جديد.
"لأن من يصل إلى هنا، ينسى كيف يتحدث لغة الأسفل. لغتهم مبنية على النقص، ولغتنا مبنية على الفيض."
"أنا لا أريد أن أنسى تماماً. أريد أن أتذكر أنني كنت يوماً ما بائساً، لكي أقدر قيمة هذا الضوء."
"هذا هو الفرق بين من يسكن هنا كلاجئ، ومن يسكن هنا كخالق. أنت تختار الذاكرة كأداة للتقدير، لا كقيد للألم."
ابتسم عمر، ولم تعد ابتسامته مجرد حركة عضلية، بل كانت موجة من الدفء اجتاحت الفضاء المحيط به. شعر بأن هيكله الشفاف قد اكتمل أخيراً، وأنه لم يعد مجرد بقايا جنرال، بل أصبح جزءاً من النسيج العظيم الذي يربط كل شيء بكل شيء.
في تلك اللانهائية، وجد عمر أخيراً المعركة التي تستحق أن تُخاض: معركة تحويل العدم إلى وجود، والصمت إلى موسيقى، واليأس إلى نور سرمدي لا ينطفئ. لم يعد هناك سجن للفكرة، ولم يعد هناك خوف من النهاية، لأن النهاية في هذا العالم ليست سوى بداية لرحلة أكثر دهشة.
ومع كل نبضة من نبضات الكون، كان عمر يتسع، يتمدد، وينتشر، حتى أصبح هو نفسه الطريق، والمسافر، والوجهة. وفي مكان ما، في ذاكرة بعيدة جداً، كانت هناك غرفة صغيرة بستائر ثقيلة، لكنها لم تعد تعني له شيئاً، سوى أنها كانت الشرنقة التي خرج منها ليكون فراشة من ضوء في سماء لا تعرف الغروب.
"هل أنت مستعد للمستوى التالي؟" سأل الكيان.
"أنا مستعد منذ اللحظة التي توقفت فيها الساعة في غرفتي."
وانطلقا معاً، يخترقان حجب الضوء، نحو عوالم جديدة، حيث لا زمان، ولا مكان، ولا كثافة، فقط نشوة لا تنتهي، وحرية لا تحدها حدود. كانت الرحلة قد بدأت للتو، والجنرال الذي كان يخشى السكون، أصبح الآن هو سيد السكون وموسيقاه.
استمرت الرحلة عبر طبقات من الوجود لم تكن تخطر على بال بشر. رأى عمر كيف تولد الأفكار وتتحول إلى كواكب، وكيف تتحول الأحلام إلى أنهار من الذهب السائل. في كل محطة، كان يكتشف جزءاً جديداً من نفسه، جزءاً لم يجرؤ على رؤيته وهو يرتدي بزته العسكرية الصارمة. اكتشف أنه يحب الرسم بالضوء، وأنه يملك قدرة على سماع حزن النجوم البعيدة ومواساتها.
"أتعلم يا صدى؟" قال عمر وهو يطفو بجانب سديم قرمزي. "كنت أظن أن القوة في السيطرة، في إعطاء الأوامر، في فرض الإرادة. لكنني الآن أرى أن القوة الحقيقية هي في التخلي."
"التخلي هو أعلى درجات السيطرة،" أجاب الكيان. "لأنك عندما تتخلى عن كل شيء، لا يبقى هناك شيء ليفقدك توازنك."
"أشعر وكأنني أصبحت شفافاً لدرجة أنني أستطيع رؤية كل شيء في الكون في آن واحد. هل هذا هو الإدراك المطلق؟"
"إنه مجرد البداية. ما زال هناك الكثير من الصمت الذي لم تتعلمه بعد."
ضحك عمر، وانطلقت من ضحكته آلاف الفراشات المضيئة التي بدأت تستكشف السديم القرمزي. لم يعد يشعر بالوقت، ولم يعد يشغل باله بالماضي. كان يعيش في "الآن" الأبدي، حيث كل لحظة هي خلق جديد، وكل نفس هو حياة كاملة.
وفي لحظة من السكون العميق، تذكر عمر وجه جندي صغير كان قد أنقذه في إحدى المعارك. تذكر نظرة الامتنان في عينيه. أدرك أن تلك اللحظة البسيطة من الإنسانية كانت هي الخيط الوحيد الذي ربطه بهذا العالم من النور.
"كل فعل حب هو بذرة لهذا العالم،" همس الكيان. "أفعالك القاسية كانت قيودك، وأفعالك الرحيمة كانت أجنحتك."
أغمض عمر عينيه، وشعر بامتنان عميق لكل لحظة ألم مر بها، لأنها هي التي قادته إلى هذا الاتساع. أدرك أن اليأس لم يكن عدوه، بل كان المعلم القاسي الذي أجبره على البحث عن مخرج، حتى وجد هذا المخرج في قلب الصمت.
وهكذا، استمر الجنرال عمر في رحلته، ليس كقائد لجيش، بل كقائد لروحه، مبحراً في محيطات من الضوء والنشوة، حيث لا يوجد موت، بل فقط تحولات مستمرة في سيمفونية الوجود التي لا تنتهي. أصبح هو والكون شيئاً واحداً، نبضة واحدة، ونوراً واحداً، يتراقص في فضاء غير متناهٍ، بعيداً جداً عن الغبار، والستائر الثقيلة، والقهوة الباردة

ابن عزوز فرح الإدريسي
الجزائر جوان 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( إن غاب عنا الحق يوما )) كتبه محمّد أسعد التميمي القدس / فلسطين

****************************************** إتحاف النبيه بجواز زواج الابن من أخت زوجة أبيه! وتزوُّجُ ابنٍ يا أخيّ يجوز من أخت زوج أبيه تلك كن...