الأحد، يونيو 21، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الجنزال عمر )) بقلم الكاتب ابن عزوز فرح الإدريسي / الجزائر


اتكأ الجنرال عمر على مقعده الجلدي المتشقق، يراقب ذرات الغبار وهي ترقص في خيط رفيع من ضوء الشمس الشاحب الذي يتسلل من ستائر الغرفة الثقيلة. كانت الأوسمة المعلقة على صدر سترته القديمة قد فقدت بريقها، تماماً كما فقدت حياته معناها. تحول من قائد يحرك الجيوش بإشارة من إصبعه إلى سجين في زنزانة من الصمت والملل. كان بيته يشبه ضريحاً، تفوح منه رائحة الورق القديم والقهوة الباردة.
وضع كأسه على الطاولة الخشبية، فأحدث رنيناً خافتاً كسر حدة السكون. نظر إلى المرآة المقابلة له؛ وجه شاحب، عينان غائرتان تحكيان قصص حروب لم يربح فيها سوى الوحدة.
"هل هذا كل شيء إذن؟"
همس لنفسه، لكن صوته بدا غريباً، وكأنه يأتي من بئر عميقة. لم يجبه أحد، سوى تكتكة الساعة الجدارية التي كانت تقضم ما تبقى من عمره ببرود.
فجأة، اهتز الهواء. لم يكن اهتزازاً مادياً، بل كان أشبه بتموج في مياه راكدة. بدأت الزوايا القائمة في الغرفة تتلاشى، والجدران التي سجن نفسه بينها بدأت تذوب مثل شمعة تحت لهب غير مرئي. شعر عمر بدوار عنيف، ثم سقط، لا على الأرض، بل في فراغ لا قاع له.
لم يكن سقوطاً مخيفاً. كانت الجاذبية قد استقالت من عملها. وجد نفسه يطفو في فضاء شاسع، لا سماء فيه ولا أرض. كانت الألوان من حوله تتراقص بطريقة لا يمكن لوصف بشري أن يستوعبها؛ أرجواني يتداخل مع ذهبي سائل، وخيوط من الفضة تنسج أنماطاً هندسية معقدة تتغير كلما رمش بعينيه. كان الصمت هنا مطلقاً، ليس صمت الفراغ، بل صمت النشوة، صمت يملأ الأذنين بموسيقى لا تسمعها الآذان بل تشعر بها الروح.
"أين أنا؟"
صرخ عمر، لكن صرخته لم تخرج كصوت، بل كتموج لوني أزرق انتشر في الفضاء.
"أنت في المسافة الفاصلة بين الشهيق والزفير، أيها الجنرال."
جاء الصوت من كل مكان ومن لا مكان. التفت عمر ليجد كياناً يقف أمامه، أو بالأحرى، يطفو. لم يكن بشرياً. كان عبارة عن سحابة من بلورات شفافة تتغير أشكالها باستمرار، تنبعث منها رائحة تشبه مزيجاً من الأوزون بعد عاصفة رعدية وورق المخطوطات القديمة. كانت عيناه، إن كان يمكن تسميتهما كذلك، مجرتين من الضوء الدوار.
"من أنت؟ وما هذا المكان؟"
"أنا صدى لأسئلتك التي لم تطرحها. وهذا المكان هو ما تبقى عندما تتوقف قوانين المادة عن فرض سيطرتها. مرحباً بك في العوالم غير المتناهية."
حاول عمر التحرك، فاكتشف أن إرادته هي المحرك الوحيد. بمجرد أن فكر في التراجع، انفتحت أمامه مساحات شاسعة من السهول التي تتكون من مرايا سائلة، تعكس صوراً لأحداث لم تحدث قط.
"هل أنا ميت؟"
"الموت كلمة محدودة جداً لوصف ما تمر به. هل تظن أن حياتك كانت هي الحقيقة الوحيدة؟"
"كنت جنرالاً. كنت أدير مصائر الآلاف. كانت حياتي ملموسة، قاسية، وواضحة."
ضحك الكيان، وكان ضحكه يشبه رنين آلاف الأجراس الصغيرة.
"ملموسة؟ كنت تعيش في سجن من الأفكار، تظن أن الرتب العسكرية هي التي تحدد حجمك في الكون. انظر حولك يا عمر. هنا، لا توجد رتب، ولا توجد جاذبية تشدك إلى الأسفل، ولا زمان يطاردك بساعته اللعينة."
نظر عمر إلى يديه. بدأ يلاحظ أن جلده أصبح شفافاً، يميل إلى لون أخضر فسفوري باهت. كان بإمكانه رؤية تدفق الضوء داخل عروقه بدلاً من الدم.
"ماذا يحدث لي؟ لماذا أصبح جسدي هكذا؟"
"أنت تتخلص من قشورك. الهيكل الشفاف الذي تراه هو حقيقتك المجردة. أنت الآن تمر بعملية تحلل من المادة إلى المعنى."
شعر عمر برعشة تسري في كيانه. تذكر غرفته، كأسه الباردة، والوحدة التي كانت تخنقه.
"أريد العودة. هذا المكان مرعب في اتساعه."
"الخوف هو القيد الأخير. لماذا تعود إلى السكون الذي كنت تسميه حياة؟ هناك كنت تموت ببطء في بيات شتوي من اليأس. هنا، أنت تتنفس الضوء."
"لكنني لا أعرف كيف أعيش هنا! لا توجد أوامر، لا توجد خطط، لا يوجد عدو لأواجهه."
"ربما لأن العدو الوحيد كان دائماً في الداخل. انظر إلى تلك المساحة."
أشار الكيان بلمحة من ضوئه إلى أفق بعيد حيث كانت تتشكل مدن من الكريستال تطفو فوق سحب من الدخان الملون.
"ما تلك المدن؟"
"تلك هي ذكريات الذين اختاروا البقاء. كل مدينة هي حياة كاملة أعيد صياغتها لتكون خالية من الألم. يمكنك بناء مدينتك الخاصة هنا، حيث لا يخونك أحد، ولا تندم على قرار عسكري خاطئ أدى لمقتل جنودك."
صمت عمر. تذكر وجوه الجنود الذين فقدهم في معركة "وادي الصمت". تذكر نظرات أمهاتهم. شعر بغصة في حلقه، رغم أنه لم يعد يملك حلقاً بالمعنى المادي.
"هل يمكنني رؤيتهم؟"
"يمكنك أن تكون معهم، أو يمكنك أن تمحو وجودهم من ذاكرتك تماماً. الخيار هنا مطلق."
"هل هذا هو الثمن؟ أن أنسى لكي أرتاح؟"
"النسيان هو أعلى درجات الحرية."
تراجع عمر خطوة إلى الوراء، فاندفعت من تحته مساحات من الألوان غير المعهودة، تداخلت فيها درجات من الرمادي المتوهج والأصفر العميق. شعر بقوة تربط هذه الألوان ببعضها، قوة تتجاوز مفهوم الكثافة والوزن.
"أنت تحاول إغرائي،" قال عمر بصوت بدأ يستعيد حدته العسكرية. "هذا يشبه فخاخ الاستخبارات. تمنحني الجنة لكي تسلبني إرادتي."
"إرادتك كانت مسلوبة منذ اللحظة التي قررت فيها أن تتقاعد وتستسلم لليأس. أنا لا أغريك، أنا أعرض عليك الحقيقة. أنت الآن في مرحلة الانتقال. السؤال ليس هل تريد العودة، بل هل تملك الشجاعة لكي لا تعود."
"وماذا لو كان هذا مجرد حلم؟ ماذا لو كنت قد مت بالفعل في مقعدي الجلدي، وهذا هو خيالي وهو يتلاشى؟"
اقترب الكيان منه، وأصبح الضوء المنبعث منه ساطعاً لدرجة أن عمر أغمض عينيه.
"هل هناك فرق بين حلم أبدي من النشوة وحقيقة بائسة من الألم؟ إذا كان هيكلك الشفاف يتلف، فإنه يتلف لكي يفسح المجال لشيء أسمى. أنت لا تنتهي يا عمر، أنت تتسع."
فتح عمر عينيه. نظر إلى الفراغ المحيط به. بدأ يشعر بأن الصمت الذي كان يخيفه في غرفته قد تحول هنا إلى ملاذ. لم يعد يشعر بثقل السنين على كتفيه.
"أخبرني عن قوانين هذا المكان. كيف أتحرك؟ كيف أبني؟"
"لا توجد قوانين، بل هناك رغبات. فكر في شيء، وسيكون. لكن احذر، فرغباتك هي التي تشكل سجنك الجديد أو جنتك."
"أريد أن أرى الحقيقة كاملة. لا أريد مدناً من الكريستال أو نسياناً مريحاً. أريد أن أفهم لماذا جئت إلى هنا."
"الصدفة لا وجود لها في هذه العوالم. لقد وصلت لأن تردد يأسك وصل إلى نقطة التلاشي. عندما يصبح الألم مطلقاً، ينكسر الجدار بين العوالم."
"إذن أنا هنا لأنني كنت بائساً بما يكفي؟"
"بالضبط. اليأس كان مفتاحك. والآن، عليك أن تقرر: هل تظل سجين الفكرة، أم تخرج إلى سكون الوجود؟"
أغمض عمر عينيه مرة أخرى، وتخيل غرفته. تخيل الغبار، والستائر الثقيلة، ورائحة القهوة الباردة. شعر بحنين مفاجئ لتلك التفاصيل الصغيرة والمؤلمة.
"أشعر أنني أفقد نفسي،" همس عمر. "هذا الاخضرار في جسدي... هل هو علامة على الحياة أم علامة على التحلل؟"
"هو كلاهما. لكي تنبت الزهرة، يجب أن تتحلل البذرة أولاً. أنت الآن بذرة في تربة من الضوء."
"لكنني لست زهرة. أنا جندي. أنا رجل حرب."
"الحروب انتهت يا عمر. هنا، المعركة الوحيدة هي ضد الفراغ الذي في داخلك."
ساد صمت طويل. بدأ عمر يلاحظ أن المساحات من حوله بدأت تتقلص وتتوسع في إيقاع يشبه نبض القلب. شعر بأن كيانه يندمج مع الألوان، وأن حدوده الشخصية بدأت تتلاشى. لم يعد يعرف أين ينتهي جسده وأين يبدأ الفضاء.
"هل سأبقى هكذا للأبد؟"
"للأبد كلمة زمنية، والزمن هنا مجرد وهم. ستبقى حتى تكتشف ما تريد أن تكونه بعيداً عن الرتب والأوسمة."
"أريد أن أكون... حراً."
"الحرية هي أثقل الأحمال، لأنها تعني أنك المسؤول الوحيد عن خلق عالمك."
فجأة، ظهرت أمام عمر صورة لجنوده الذين سقطوا. لم يكونوا جثثاً، بل كانوا كائنات من نور، يبتسمون له بصمت. شعر عمر بدمعة من الضوء تسيل على خده الشفاف.
"هل هم هنا أيضاً؟"
"كل من عبر الجدار موجود هنا. لكنهم لم يعودوا جنودك. هم الآن رفاقك في اللانهائية."
مد عمر يده ليلمس أحدهم، وعندما تلامست أصابعهما، انفجر الكون من حوله في موجة من اللون الأبيض الناصع. شعر بقوة تجذبه إلى الأعلى، أو ربما إلى الداخل. كانت النشوة التي شعر بها في البداية قد تحولت إلى يقين مطلق.
"هل انتهت حلقتي الحياتية إذن؟"
"الحلقات لا تنتهي، بل تتسع لتشمل حلقات أخرى. أنت لم تخرج من السكون، بل وجدت السكون الذي لا يقتل."
شعر عمر بأن جسده الأخضر الشفاف بدأ يتوهج بقوة، ثم بدأ يتلاشى تدريجياً، ليس كفعل تدمير، بل كفعل اندماج. لم يعد هناك جنرال، ولا رتبة، ولا يأس. كان هناك فقط وعي خالص يسبح في بحر من الألوان والأنغام.
"هل هذا هو الموت إذن؟"
"إذا كان الموت هو الاستيقاظ من حلم طويل وبائس، فنعم، هذا هو الموت الأجمل."
ضحك عمر، وكانت ضحكته هذه المرة جزءاً من سيمفونية الكون. نظر إلى الخلف للمرة الأخيرة، فرأى غرفته البعيدة، صغيرة جداً، باهتة، وكأنها نقطة سوداء في لوحة فنية عملاقة. رأى مقعده الجلدي، وكأسه الباردة، وساعته التي توقفت عن التكتكة في اللحظة التي عبر فيها الجدار.
"وداعاً أيتها الغرفة الضيقة،" قالها بقلب خفيف. "وداعاً يا أيها الجنرال الذي لم يعرف كيف يعيش."
"إلى أين الآن؟" سأل الكيان، وهو يتحول إلى خيط من الضوء يلتف حول عمر.
"إلى حيث لا توجد خرائط، ولا أوامر، ولا حدود."
انطلق عمر مع الكيان نحو آفاق جديدة، حيث كانت الألوان تخلق لغات جديدة، وحيث كانت المسافات تُقطع بالتفكير لا بالمشي. اكتشف أن العوالم غير المتناهية ليست مكاناً يذهب إليه المرء، بل هي حالة من الوجود يصل إليها من يجرؤ على ترك كل شيء خلفه.
في تلك اللحظة، في العالم الآخر، دخل أحد الجيران إلى شقة الجنرال عمر بعد أن لاحظ غيابه الطويل. وجد الغرفة ساكنة تماماً. كان المقعد الجلدي فارغاً، والكأس الباردة لا تزال في مكانها. لم يكن هناك أثر لصراع، ولا علامة على مرض. فقط كان هناك شعور غريب يملأ الغرفة، رائحة خفيفة من الأوزون، وبريق أخضر باهت جداً يتلاشى على حافة الستائر، وكأن روحاً ما قد قررت أخيراً أن تفتح النافذة وتطير.
أما عمر، فقد كان في تلك اللحظة ينسج مجرة من ذكرياته السعيدة، محولاً آلام الماضي إلى نجوم تضيء دربه في الفراغ النشوان. لم يعد يتساءل إن كان قد تحرر أم انتهى، لأن الفرق بين التحرر والنهاية قد تلاشى تماماً في حضرة اللانهائية.
"هل تشعر بالخفة الآن؟" سأل الكيان.
"أشعر بأنني لأول مرة... موجود."
"هذا هو البدء الحقيقي."
وهكذا، غاص الجنرال في أعماق النور، تاركاً خلفه رتباً من القماش وأوسمة من معدن، ليصبح هو نفسه وساماً من الضوء في صدر الكون. استمر في استكشاف المساحات التي تلي المساحات، يغوص في ألوان لم تُخلق بعد، ويسمع أصواتاً كانت تسكن في صمته لسنوات. اكتشف أن الجاذبية التي كانت تشده للأسفل في حياته لم تكن جاذبية الأرض، بل كانت جاذبية الندم، وبمجرد أن غفر لنفسه، أصبح أخف من الريح، وأسرع من الفكرة.
مرت دهور في لحظة، ولحظات في دهور. تعلم كيف يتحدث بلغة الألوان، وكيف يرسم مشاعره على قماش الفراغ. التقى بآلاف الأرواح التي عبرت الجدار، واكتشف أن كل واحد منهم كان يحمل في داخله "بياتاً شتوياً" خاصاً به، وأن اليأس كان هو الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبروا من خلاله إلى هذه النشوة المطلقة.
"لماذا لم يخبرنا أحد بهذا في الأسفل؟" سأل عمر وهو يراقب ولادة نجم جديد.
"لأن من يصل إلى هنا، ينسى كيف يتحدث لغة الأسفل. لغتهم مبنية على النقص، ولغتنا مبنية على الفيض."
"أنا لا أريد أن أنسى تماماً. أريد أن أتذكر أنني كنت يوماً ما بائساً، لكي أقدر قيمة هذا الضوء."
"هذا هو الفرق بين من يسكن هنا كلاجئ، ومن يسكن هنا كخالق. أنت تختار الذاكرة كأداة للتقدير، لا كقيد للألم."
ابتسم عمر، ولم تعد ابتسامته مجرد حركة عضلية، بل كانت موجة من الدفء اجتاحت الفضاء المحيط به. شعر بأن هيكله الشفاف قد اكتمل أخيراً، وأنه لم يعد مجرد بقايا جنرال، بل أصبح جزءاً من النسيج العظيم الذي يربط كل شيء بكل شيء.
في تلك اللانهائية، وجد عمر أخيراً المعركة التي تستحق أن تُخاض: معركة تحويل العدم إلى وجود، والصمت إلى موسيقى، واليأس إلى نور سرمدي لا ينطفئ. لم يعد هناك سجن للفكرة، ولم يعد هناك خوف من النهاية، لأن النهاية في هذا العالم ليست سوى بداية لرحلة أكثر دهشة.
ومع كل نبضة من نبضات الكون، كان عمر يتسع، يتمدد، وينتشر، حتى أصبح هو نفسه الطريق، والمسافر، والوجهة. وفي مكان ما، في ذاكرة بعيدة جداً، كانت هناك غرفة صغيرة بستائر ثقيلة، لكنها لم تعد تعني له شيئاً، سوى أنها كانت الشرنقة التي خرج منها ليكون فراشة من ضوء في سماء لا تعرف الغروب.
"هل أنت مستعد للمستوى التالي؟" سأل الكيان.
"أنا مستعد منذ اللحظة التي توقفت فيها الساعة في غرفتي."
وانطلقا معاً، يخترقان حجب الضوء، نحو عوالم جديدة، حيث لا زمان، ولا مكان، ولا كثافة، فقط نشوة لا تنتهي، وحرية لا تحدها حدود. كانت الرحلة قد بدأت للتو، والجنرال الذي كان يخشى السكون، أصبح الآن هو سيد السكون وموسيقاه.
استمرت الرحلة عبر طبقات من الوجود لم تكن تخطر على بال بشر. رأى عمر كيف تولد الأفكار وتتحول إلى كواكب، وكيف تتحول الأحلام إلى أنهار من الذهب السائل. في كل محطة، كان يكتشف جزءاً جديداً من نفسه، جزءاً لم يجرؤ على رؤيته وهو يرتدي بزته العسكرية الصارمة. اكتشف أنه يحب الرسم بالضوء، وأنه يملك قدرة على سماع حزن النجوم البعيدة ومواساتها.
"أتعلم يا صدى؟" قال عمر وهو يطفو بجانب سديم قرمزي. "كنت أظن أن القوة في السيطرة، في إعطاء الأوامر، في فرض الإرادة. لكنني الآن أرى أن القوة الحقيقية هي في التخلي."
"التخلي هو أعلى درجات السيطرة،" أجاب الكيان. "لأنك عندما تتخلى عن كل شيء، لا يبقى هناك شيء ليفقدك توازنك."
"أشعر وكأنني أصبحت شفافاً لدرجة أنني أستطيع رؤية كل شيء في الكون في آن واحد. هل هذا هو الإدراك المطلق؟"
"إنه مجرد البداية. ما زال هناك الكثير من الصمت الذي لم تتعلمه بعد."
ضحك عمر، وانطلقت من ضحكته آلاف الفراشات المضيئة التي بدأت تستكشف السديم القرمزي. لم يعد يشعر بالوقت، ولم يعد يشغل باله بالماضي. كان يعيش في "الآن" الأبدي، حيث كل لحظة هي خلق جديد، وكل نفس هو حياة كاملة.
وفي لحظة من السكون العميق، تذكر عمر وجه جندي صغير كان قد أنقذه في إحدى المعارك. تذكر نظرة الامتنان في عينيه. أدرك أن تلك اللحظة البسيطة من الإنسانية كانت هي الخيط الوحيد الذي ربطه بهذا العالم من النور.
"كل فعل حب هو بذرة لهذا العالم،" همس الكيان. "أفعالك القاسية كانت قيودك، وأفعالك الرحيمة كانت أجنحتك."
أغمض عمر عينيه، وشعر بامتنان عميق لكل لحظة ألم مر بها، لأنها هي التي قادته إلى هذا الاتساع. أدرك أن اليأس لم يكن عدوه، بل كان المعلم القاسي الذي أجبره على البحث عن مخرج، حتى وجد هذا المخرج في قلب الصمت.
وهكذا، استمر الجنرال عمر في رحلته، ليس كقائد لجيش، بل كقائد لروحه، مبحراً في محيطات من الضوء والنشوة، حيث لا يوجد موت، بل فقط تحولات مستمرة في سيمفونية الوجود التي لا تنتهي. أصبح هو والكون شيئاً واحداً، نبضة واحدة، ونوراً واحداً، يتراقص في فضاء غير متناهٍ، بعيداً جداً عن الغبار، والستائر الثقيلة، والقهوة الباردة

ابن عزوز فرح الإدريسي
الجزائر جوان 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( عظامي وهنٌ، والسنونُ تتابعتْ )) بقلم الشاعرة د. عطاف الخوالدة

عظامي وهنٌ، والسنونُ تتابعتْ ________ ولكنَّ في قلبي من الإيمانِ تأييدُ وأثقلني سكرٌ وضغطٌ ملازمانِ لي ________ كضيفينِ طالَ بهما المقامُ وت...