*******************
خارج حدود الخارطة
ثارت الياسمين في بلاد الزين، وأوهمت العالمين أن تونس أصبحت مأوى البائسين. قفل كلُّ مُهانٍ جرابه، وقصد بلاد الثائرين... أما خلف ستار النصوص، فقد انتصب وهمُ الانعتاق والسراح.
هكذا سارت "لينا" السوداء نحو تلك الأرض، تحمل في حقيبتها حلم البقاء، وفي عينيها بريق من صدّقوا أن "الربيع" قد أزهر للجميع. لم تكن تطلب سوى مساحة من الأمان، ذاك البيت الصغير الذي يحمي كرامتها من عاصفة الاضطهاد. لكن، ما إن لامست قدماها تراب تلك الأرض، حتى اصطدمت بالحقيقة التي تتوارى خلف ديباجة القوانين البراقة.
لقد اكتشفت لينا أن النصوص التي كُتبت عن الحرية والمساواة لم تكن إلا جداراً عازلاً، صِيغت بلغةٍ أنيقة لتُرضي ضمائر من صاغوها وتُغطّي على واقعٍ لا يرحم. كان العالم، بكل حدوده وخطاباته، يمارس كذباً جماعياً؛ تُمنح فيه "الحرية" كشعار في المحافل، وتُسلب كحق في شوارع التيه. وقفت لينا وسط زحامٍ لا يعترف بوجودها، وأدركت أن "الانعتاق" الذي بشّرت به الشعارات ليس إلا سراباً وسط صحراء من التمييز. وبينما كانت الأيام تمضي، أيقنت أن هذا العالم كاذب؛ يفتح أبوابه بالكلمات، ويغلقها بالأقفال الحديدية والقيود الخفية.
في الغرفة الضيقة التي حاولت أن تجعلها وطناً مؤقتاً، كانت تحتفظ بكتيبٍ صغير وُزّع عليها عند وصولها إلى الحدود. كان الكتيب مزخرفاً بعبارات ملونة عن "حقوق الإنسان" و"المساواة العالمية"؛ كلماتٌ منتقاة بعناية، حبرٌ أنيق على ورق مصقول يَعِدُ بالعدالة والكرامة لكل من يعبر الحدود. كانت تقرأ تلك السطور بتمّعن، في البداية شعرت ببريق أملٍ يضيء عينيها، لكن سرعان ما تحول إلى مرارةٍ حين اصطدمت بالواقع. لقد أدركت أن تلك النصوص لم تُكتب لكي تُطبّق، بل لترضي ضمائر من وضعوها، تماماً كما يُغطي القاتل آثار جريمته بقطعة قماش مزينة بالزهور.
كانوا يتحدثون عن "الحرية" وهم يحيطون المكان بالأسلاك الشائكة، ويتحدثون عن "المساواة" بينما يُصنّفون البشر بناءً على أوراقهم الثبوتية وألوانهم وحجم معاناتهم. في تلك اللحظة، سقط القناع عن العالم في عيني لينا؛ عرفت أن "الحرية" التي يتشدقون بها هي عملة غير قابلة للصرف في واقعها المرير.
حين أغلقت الكتيب، لم تشعر بالغضب، بل بشيء أعمق: الانعتاق من الوهم. اتخذت قرارها: لن تعول على وعودٍ كُتبت لغيرها، ولن تطلب كرامتها من نصوصٍ لا تملك أرواحاً. لقد ولدت لينا من جديد في تلك اللحظة، لا كلاجئة تنتظر الرحمة، بل كإنسانة قررت انتزاع حقها في العيش، حتى وإن كان العالم كله يرفض الاعتراف به.
أدركت لينا أن "المسار العادي" الذي تنشده ليس متاحاً لمن يتبعون الطرق المرسومة، تلك التي تُعبدها النصوص الجميلة لتقودهم نحو مخيمات النسيان أو مكاتب الانتظار الأبدية. قررت أن تتوقف عن كونها "رقماً" في ملفات المؤسسات الدولية، وبدأت ترسم مسارها الخاص، مساراً يتطلب شجاعةً وحذراً.
توقفت عن قراءة البيانات التي تتغنى بالحرية، واعتبرتها ضجيجاً يهدف فقط لإسكات جوعها وتغطية عيونها عن الحقيقة المرة. كان فك الارتباط قرارها الأول.
و أيقنت أن النجاة تتطلب أن تكون متوارية؛ أن تتجاوز الحدود دون أن تترك أثراً في سجلاتهم، لأن السجلات هي سجونهم الجديدة. فكان الخفاء أفضل.
آمنت أن قوتها ليست في الاستغاثة بالمجتمع الدولي، بل في قدرتها على المشي لساعات، وتحمل العطش، والثقة بحدسها حين تضل الطرق.
لم يعد حلمها ببيتٍ آمن يبدو "شاذّاً" كما أوهموها، بل أصبح الغاية التي تبرر كل خطوة خشنة على الأرض. بدأت تتسلل عبر الغابات والدروب التي لا تظهر في الخرائط، حيث لا وجود لنصوص الحرية ولا لادعاءات المساواة، بل وجودٌ خام؛ إما أن تنجو وتصل، أو تبتلعك الأرض.
مضت لينا تمشي، مدركةً أن العالم الذي خلفته وراءها هو عالم "كاذب" بامتياز، يكتب عن الحقوق بيد ويقبض على الأرواح باليد الأخرى. وفي كل خطوة كانت تقطعها، كانت تتحرر من "الأوهام الجميلة" لتستعيد حقيقتها كإنسانة لم تعد تنتظر إذناً من أحد لتعيش بكرامة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري - تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق