**********
مرثية الزهور
مرثية الزهور
في حديقةٍ عتيقة كانت يوماً تختصرُ التاريخ في ألوانٍ وأسرار، كان "أزرق" و"ذهبية" - فراشتان من سلالةٍ شهدت عصوراً من الازدهار - يطوفان فوق ما تبقى من أطلال البتلات. كان الهواء ثقيلاً، مشحوناً برائحة احتراقٍ خفية لم تعد تفرق بين عطر الزهر ودخان المصانع البعيدة.
حطت "ذهبية" فوق "زنبقة" ذابلة، وقالت بصوتٍ يشبه حفيف الورق الجاف: "هل تشمين ذلك؟ لم تعد هذه الزنبقة تفوح بعبق الأساطير التي كانت ترويها الجدات، حين كان الناس يهدونها في لحظات الحب والوفاء. رائحتها اليوم تشبه رائحة الصدأ.. رائحة التخلي".
رد عليها "أزرق"، وهو يرتجف فوق "ياسمينة" كستها طبقة من الغبار الرمادي: "لقد غيّروا كل شيء يا رفيقتي. الإنسان لم يعد يرى في الزهور سوى ديكورٍ لموائده البلاستيكية. لقد فقدوا القدرة على استنشاق الحكايات. انظري إليهم من خلف زجاج نوافذهم، يهرولون في المسارات الإسمنتية، عيونهم معلقة في شاشاتهم، لا يلحظون أن السماء فقدت زرقتها، وأن الأرض بدأت تضيق بأنفاسهم الملوثة".
كانت الزهور بالنسبة لهما كتاباً مفتوحاً من الذكريات؛ فالوردة الجورية، التي كانت يوماً مخزناً لصدق الوعود، صارت تفوح برائحة الزيف والتبذير، والخزامى التي كانت تداوي الأرواح باتت تنضح بمرارة الإهمال. كل زهرة كانت تختزل خيبة أملٍ في علاقة الإنسان بجذوره التي قطعها بيده.
ثم جاءت "الواقعة"؛ لم تكن مجرد صيفٍ عابر، بل كانت موجة الحر القاتلة (الكانيكولا) التي أعلنت نهاية العهد. تحولت الشمس إلى قرصٍ من لهبٍ لا يرحم، وجفت الجداول التي كانت تمنح الحديقة حياتها، فتوقف حراك الناس تماماً، وانحبسوا خلف جدرانهم الباردة، تاركين الطبيعة تواجه احتضارها وحدها.
قالت "ذهبية" وهي تشعر بأجنحتها تتقصف من شدة الحرارة: "لم يعودوا حتى ينظروا من النوافذ. لقد عزلوا أنفسهم عن دمارهم الخاص".
"أزرق" كان يراقب زهرة "عباد الشمس" الوحيدة التي بقيت واقفة رغم انحنائها حتى ملامسة الأرض. قال وهو يغلق عينيه: "هذه هي النهاية التي كتبوها بأيديهم. لقد نسوا أنهم جزء من هذا النسيج، وحين جفّ النسيج، أحرقوا هم أيضاً دون أن يدركوا".
تأملت "ذهبية" ذبول زهرة النرجس وقالت: "أترى يا أزرق؟ النرجس يموت وهو ينظر إلى انعكاسه في بركة جافة. هذا هو الإنسان بالضبط؛ لقد استهلكوا الزمن وهم يبحثون عن 'أناهم' في المرايا الرقمية، حتى نسيوا أن البركة التي تعكس وجودهم قد تبخرت منذ زمن."
أجاب "أزرق" وصوته يمتزج بأزيز الحرارة: "لقد حولوا الوجود إلى وظيفة، والحواس إلى أجهزة استقبال باردة. لم يعودوا يتوقفون ليتنشقوا عطر الجوري؛ فعل الاتصال هذا كان صلاة خفية بين الروح والتربة، واليوم يمرون بجانب الزهور كأنهم يمرون بجانب أثاثٍ مهمل. حين تنطفئ القدرة على الاستشعار، وتصبح الرائحة مجرد كيميائيات والجمال مجرد رقم في شاشة، ألا نكون حينها قد متنا قبل أن تأتي هذه الكانيكولا؟"
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت تكسر أوراق الشجر اليابسة. كانت الحديقة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والإنسان القابع خلف جدرانه لم يعد يكترث إلا بنجاته الفردية، ناسياً أنه جزء من نسيجٍ إذا تمزق، احترق الجميع.
حين مالت الشمس إلى الغروب في ذروة قيظها، تبادلت الفراشتان نظرة أخيرة. لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة "إدراك".
قال "أزرق": "نحن لسنا ضحايا هذه الحرارة، نحن شهود على زوال وهمٍ كبير. الإنسان ظن أنه يكتب التاريخ، لكنه في الحقيقة كان يكتب مرثيته على بتلات الزهور."
أغمضت "ذهبية" عينيها وقالت: "ليغادروا التاريخ إذاً، فالأرض ستستعيد عافيتها حين تصمت ضوضاء غرورهم."
في تلك اللحظة، انطفأت أجنحتهما وسقطتا فوق كومة من الرماد، حيث لم يعد هناك فرق بين لون جناحيهما الملون وبين الغبار الكوني. لقد كانت رحلتهما مرآة لوعي البشرية؛ حين انقطع التواصل بين الروح والأصل، تحولت الحياة إلى سراب.
بقيت الحديقة قاحلة، شاهدة على عصرٍ ترف فيه الإنسان عن التناغم مع محيطه حتى جفت ينابيعه. كانت الشمس، التي كانت يوماً رمزاً للحياة، قد أتمت دورها كأداة "تنقية" للطبيعة من آثار العبث البشري، لتبدأ الأرض من جديد، خالية من أي أثرٍ لخطواتنا المتسرعة، في انتظار مطرٍ لا يشبه دموع البشر.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق