تْشَارْلْز بُوكُوَفْسْكِي
قصة قصيرة
ثَمَانِي سَاعَاتٍ
كَانَ يَقْرَأُ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَ يُسَبِّبُ لِنَفْسِهِ مُشْكِلَاتٍ كَثِيرَة.
يَقْرَأُ عَنِ الحُرِّيَّةِ، وَعَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ أَجْلِهَا، وَعَنِ الفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَمْضَوْا حَيَاتَهُمْ فِي البَحْثِ عَنْ مَعْنَاهَا.
كَانَ لَهُ رَأْيُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، وَكَانَ يَعْتَبِرُ الحُرِّيَّةَ مِنَ المُقَدَّسَاتِ الَّتِي لَا تُنَاقَشُ.
لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا.
جَرَّبَ التِّجَارَةَ فَخَسِرَ، وَجَرَّبَ الأَعْمَالَ الحُرَّةَ فَفَشِلَ، لَا لِقِلَّةِ الأَفْكَارِ، بَلْ لِقِلَّةِ المَالِ وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ.
وَكَانَ كُلَّمَا قِيلَ لَهُ:
— لِمَاذَا لَا تُخَاطِرُ؟
يُجِيبُ:
— لِأَنَّنِي أُحِبُّ الحُرِّيَّةَ.
ثُمَّ يَصْمُتُ قَلِيلًا، وَيُضِيفُ:
— وَالحُرِّيَّةُ لَا تُطْعِمُ الخُبْزَ.
حِينَ وَجَدَ وَظِيفَةً فِي شَرِكَةٍ كَبِيرَةٍ، أَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ، بَلْ أَجَّرَ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ مِنْهَا.
فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، قَالَ لَهُ المُدِيرُ:
— نَحْنُ نَحْتَرِمُ الحُرِّيَّةَ هُنَا.
سَأَلَهُ:
— وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
— أَنَّكَ حُرٌّ فِي إِبْدَاءِ رَأْيِكَ.
ابْتَسَمَ.
— هَذَا جَيِّدٌ.
قَالَ المُدِيرُ:
— بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ رَأْيَكَ، نُخْبِرُكَ بِالرَّأْيِ الصَّحِيحِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ يُبْدِي رَأْيَهُ.
فِي الثَّانِي، أَصْبَحَ يُفَكِّرُ قَبْلَ أَنْ يُبْدِيَهُ.
فِي الثَّالِثِ، أَصْبَحَ يَعْرِفُ مُسْبَقًا مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ.
فِي الرَّابِعِ، لَمْ يَعُدْ يَقُولُ شَيْئًا.
لَاحَظَ أَنَّ شَيْئًا غَرِيبًا يَحْدُثُ لَهُ.
لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي المَكْتَبِ.
ثُمَّ لَمْ يَعُدْ يَقْرَأُ فِي البَيْتِ.
ثُمَّ بَدَأَ يَشْتَرِي الكُتُبَ وَلَا يَفْتَحُهَا.
فِي يَوْمٍ مَا، وَجَدَ فِي دُرْجِهِ كِتَابًا قَدِيمًا عَنِ الحُرِّيَّةِ.
فَتَحَهُ، فَكَانَتِ الصَّفْحَةُ الأُولَى تَقُولُ:
«الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَخْتَارُ، لَا يَعِيشُ.»
أَغْلَقَ الكِتَابَ بِسُرْعَةٍ.
دَخَلَ رَئِيسُهُ فَجْأَةً.
— مَاذَا تَقْرَأُ؟
— لَا شَيْءَ.
— جَيِّد.
أَخَذَ الكِتَابَ، وَوَضَعَهُ فِي سَلَّةِ المُهْمَلَاتِ.
— هَذِهِ الأَشْيَاءُ تُشَوِّشُ عَلَى الإِنْتَاجِيَّةِ.
فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، لَمْ يَنَمْ.
فِي الصَّبَاحِ، وَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ طَوِيلًا.
قَالَ لِنَفْسِهِ:
— أَنَا حُرٌّ.
لَمْ تُجِبْهُ المِرْآةُ.
قَالَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
لَمْ تُجِبْهُ.
ثَالِثَةً.
فَقَطْ رَأَى وَجْهًا يَبْدُو لَهُ غَرِيبًا.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الشَّرِكَةِ، كَانَ المُدِيرُ يَنْتَظِرُهُ.
— مُبَارَكٌ.
— عَلَى مَاذَا؟
— تَرْقِيَةٌ.
سَأَلَ بِتَوَجُّسٍ:
— وَمَا المَطْلُوبُ؟
ابْتَسَمَ المُدِيرُ:
— لَا شَيْءَ كَبِيرًا... سَنَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى سَاعَتَيْنِ إِضَافِيَّتَيْنِ مِنْ وَقْتِكَ.
سَكَتَ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَمَاذَا سَأَحْصُلُ فِي المُقَابِلِ؟
— سَتَحْصُلُ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
— كَيْفَ؟
أَجَابَهُ المُدِيرُ بِهُدُوءٍ:
— سَنَتْرُكُ لَكَ حُرِّيَّةَ اخْتِيَارِ السَّاعَاتِ الَّتِي تَعْمَلُهَا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ضَحِكَ.
ضَحِكَ حَتَّى بَكَى.
ثُمَّ وَقَّعَ.
وَعِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ المَكْتَبِ، أَخْرَجَ سَاعَتَهُ مِنْ مَعْصَمِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ أَعَادَهَا إِلَى مَكَانِهَا.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَ قَبْلَ مَوْعِدِهِ بِسَاعَتَيْنِ.
لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَحَدٌ أَنْ يَذْهَبَ مُبَكِّرًا.
وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ.
وَعِنْدَ بَابِ الشَّرِكَةِ، وَقَفَ الحَارِسُ مُتَعَجِّبًا:
— لَمْ يَفْتَحُوا بَعْدُ.
نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ، وَقَالَ:
— أَعْرِفُ.
— إِذَنْ لِمَاذَا جِئْتَ؟
صَمَتَ طَوِيلًا.
ثُمَّ أَجَابَ:
— لَا أَعْرِفُ... لَقَدْ أَصْبَحْتُ أَخَافُ مِنَ الحُرِّيَّةِ.
وَفِي دَاخِلِ الشَّرِكَةِ، كَانَتِ السَّاعَةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتِ الثَّامِنَةَ بَعْدُ...!!.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
5.أكتوبر. تشرين أول.2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق