القابضة عِنان اللّجام
***قصّة من المجموعة القصصيّة "لفظ اللجام" الصادرة سنة 2014 والتي جاء في إهدائها:
"الإهداء
نحن أهل أمّة أدغمَنا الغرباءُ رَدَحا والأقرباءُ رُدُحاً بألْجُمة، ورضينا حتى أدمنّا الإدغامَ وأدمنّا لفظَ اللجام* وأدمنّا صليلَه في كل زاوية من بيوت حيواتنا. ولكن كان فينا من رفض الإدغام وجعل اللجام نِضْواً فاقد الصليل، وما زال فينا من يرفض إلا أن يجعل اللجام أنضاء لا أن يكون كأنضاء اللجام، لا في عيني نفسه ولا في عيني عدوه، ولا في عيني عزّة كثيّر حين قال:
رأتني كأنضاء اللجام، وبعلُها من المِلْء أبزى عاجزٌ متباطئ
أو في رواية أخرى:
رأتني كأشلاء اللجام، وبعلُها من الحيّ أبزى منحنِ متباطنُ
إلى كل هؤلاء الرافضين الإدمان على اللجام، "الما-زالوا" فينا، أهدي هذه القصص.. سعيد نفّاع.
***القصّة.
شيء ما قبض على صدره أو انقبض في صدره، تطاول بلا حياء إلى الأعلى وبلا استحياء انحدر إلى الأسفل، وراح بين حيائه واستحيائه يعلو جارحا ويهبط جارحا.
كل ذلك حين حطّ الخيلاءُ مدججةً بكل أنواع السلاح القاتل غير آبهة بما حولها قابضةً عِنان لجام الفرس التي اقتحمت الميدان دغماء طويلة العِنان مزينةً من أخمص حوافرها حتى ذروة عرفها.
الفرس متوترةٌ لافظة اللّجام تلهث، زينتُها إما فرح غامر وإما حزن عارم، فحولَها دموع وزغاريد، والقابضةُ عِنان اللجام تعانق الأفقَ ولا يبدو أنها تعير ما حولها اهتماما، واثقةٌ من مضاء سلاحها.
عرفها ولم يعرفْها عرفته ولم تعرفْه، ثم ابتلعتها الدغماء المزدانةُ من أخمص حوافرها حتى أعلى عرفها، والتي ما زالت تلهث يعلوها التوتر.
خال نفسه يرى القابضةَ عِنان اللجام تبكي، أويبكي الفرسان؟ وخالها تضحك، أويضحك الفرسان؟ نعم يضحكون ويبكون وأعذبُ البكاء بكاءُ الفرسان وأمرُّ الضحك ضحكُ الفرسان!
كان لا بدّ أن يتقدم رغم خوفِه، الفرسُ ما زالت مكانَها تلهث والقابضةُ عِنان لجامها متوارية، فاقترب من الفرس مخاطرا ليكتشف أعذب البكاء وأمرّ الضحك، لكن القابضةَ عِنان اللجام لم تحقق له رغبتَه.
رغم فراسته حجبت عنه قطراتُ الندى المالئةُ المكان، أن يكتشف إن كانت الفرس تنتظر فارسَها أو أن انتظارَها إياه مضى ولن يعود، فالقطرات المتلألئة رغم حر الشمس لم تنبئْه الخبرَ أو أن ادعاءَه الفراسةَ محضُ ادعاء.
هل القابضةُ على عِنان اللجام أمُّ الفارس وتبكي فرحته أو تبكي الخوفَ من لا-عودته، رغم أنها مدججةٌ بكل أنواع السلاح القاتلِ عن بعد الفتّاكِ عن قرب، والقادرةُ أن تحميه ؟.
لم يعرف إن كان يجب أن يحمد ربّه، القريبَ من المكان، الذي لا يحمد على مكروه سواه، على أن لم تمكنْه القابضةُ على عِنان اللجام أن يسبرَ غورَ التساؤلات أعلاه، لكنه تابع المسيرَ واتخذ موقعَه ينتظر احتدامَ المعركة.
دارت الرحى فاختلط الحابلُ بالنابل، دموعٌ تطلق سهاما وبسماتٌ تطلق مثقفات، خشوعٌ وتمرد، إيمانٌ وكفر ومناجاةٌ ومناداة ودمعٌ وخفقانُ قلوب فرِحةٍ ووجيبُ قلوب دامية وموتُ ماض وولادةُ مستقبل، وأكاليلُ وشموع.
وهو لا يعرف كيف سيخرج من الساحة؛ أطريحا أم جريحا؟! فالقابضةُ عِنان اللجام كانت قد أرخته على الغارب، رصدته في موقعه وراحت تضرب حينا بدموعِها سهاما أشدَّ من الشهب، وحينا بافترار ثغرها مثقفاتٍ أحدَّ من اللهب.
لم يستطع أن يحصي الضحايا أو لم يعرفْ أصلا إن كان غيرُه ضحيّةً تدلّت على يسار قبضةِ القابضِ على صدره نبالٌ تزاحمت ومثقفاتٌ تكسّرت. هدأ أوارُ المعركةِ فبكى من انتصر وبكى من انكسر، لكن لم يبق في الميدان ما يدل على شدة سعيرِها غيرُ ذلك الجريح المدلاةِ على يسار القابض على صدره نصالٍ حانيةٍ ونبالٍ دامية وأنضاء لجام.
راح يجرجر نفسَه خارجا وغبارُ المعركة يكللُه دون أن يدري إن كانت القابضة عِنان اللجام جاءت تندب فارسا أو تزف فارسا، فالدنيا في ديارنا تمطر إن ارتحل الفرسانُ وتمطر إن اعتلى الفرسان.
لكن المعركةَ انتهت على الأقل بفارس ابتلع جراحا حتى الثمالةِ ولم تسعفْه أو توقظْه نسماتُ الجنوب التي تدحرجت على محياه حارة باردة، وظلت وقائعُ المعركةِ تملأ حناياه وطال انتظارُه وألمُ الجراح يخبو رغم صليل اللجام.
تموز2005

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق