*** 17 نيسان عيد الحرية ***
من نغمات الرمل
***
في كلِّ نيسانٍ ينهض عيدُ الجلاء من ذاكرة التراب، لا بوصفه تاريخًا عابرًا، بل بوصفه رمزًا لكرامتنا التي لا تُشترى، ولعزّتنا التي لا تُهان. هو اليوم الذي قال فيه الوطن كلمته، ووقف أبناؤه صفًا واحدًا، من كلّ مدينة وقرية، ليعلنوا أن الحرية ليست منحة، بل حقٌّ يُنتزع.
وفي السادس من أيار، حين ارتقى الشهداء إلى مقامهم، لم يكونوا خارجين على وطنهم، ولا طلاب فوضى، بل كانوا أصواتًا صادقة في وجه الظلم، ووجوهًا أبت أن تنحني. لم يكونوا إرهابيين كما حاول البعض أن يصوّرهم، بل كانوا شهداء الحقّ والكلمة والموقف، شهداء وطنٍ أراد أن يبقى حرًّا، وأن يبقى أبناؤه أحرارًا.
الوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل بدم الذين آمنوا به حتى آخر نبضة. وهؤلاء الشهداء هم الذين صانوا اسمه، ورفعوا رايته، وحملوا في صدورهم ما لم تستطع الجبال حمله.
هم أكرم من في الدنيا، وأنبل بني البشر، لأنهم قدّموا حياتهم ليبقى الوطن حيًّا .
واليوم، مهما تبدّلت الوجوه، ومهما اشتدّ الظلام، يبقى الوطن بجميع مكوّناته، بأهله، بمدنه، بجباله وسهوله، واقفًا لا ينكسر. تبقى كرامته محفوظة بدماء من رحلوا، وبإصرار من بقوا. ويبقى عيد الجلاء شاهدًا على أن الحرية ليست ذكرى، بل عهدٌ يتجدّد، ووعدٌ لا يموت .
****
يَا جَدِيَّ… الأَرضُ مَا زَالَت تُنَادِي
كُلَّ جُرحٍ خَضَّبَ التُّرْبَ انْفَجَرْ
حِينَ ضَمَّتْكَ الثَّرَى كَانَت تُخَبّي
نُورَ فَجرٍ مِن دَمِ الحُرِّ ازْدَهَرْ
لَا تَظُنَّ العِيدَ ماتَ… إِنَّمَا
نَامَ فِي صَدرِي قَلِيلًا وَاستَتَر
يَا بِلَادِي … حِينَ وَدَّعتُكِ كُرهًا
لَم أُرِدْ إلاكَ عِزًّا مُزْدَهَرْ
كُنتُ أَمشِي نَحوَ فَجرِك وَاثِقًا
رَغمَ أنَّ اللَّيلَ يَغتَالُ العُمُرْ
لَم أُفَارِقْ يَومَهَا إِلَّا لِأَجلِي
عَنكِ جِرحًا كَانَ يَهلِكُ البَشَرْ
فَإِذَا العِيدُ الَّذِي مُتُّ لِأَجلِه
عَادَ يَمشِي مُنكَسِرْ… يَطوِي الذِكَرْ
غَيرَ أَنِّي، مِن دَمِي، أَبنِي طَرِيقًا
يُشَمَخ فَوقَ مَنِ اغتَالُوا القَمَرْ
كُلُّ مَا فِيَّ مَنَ الآهَاتِ يَبكِي
غَيرَ أَنِّي أَحمِلُ الوَعدَ الأَغَرْ
فَانهَضِ الآنَ… فَصَوتُك فِي دَمِي
نَبضُ أَرضٍ لَن تُبَاعَ هِي الظَّفَر
واشهِدِ الدَّربَ الَّذِي مَرُّوا عَلَيهِ
كَيفَ يَمحُو خُطوَهُم فَجرٌ ظَهَرْ
عِيدُ أَرضِي… لَم يَغِبْ، بَلْ قَدْ تَأَخَّرْ
فَجرُ عِيدٍ… مِن دَمِ الحُرِّ ازْدَهَر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النروج 17/4/2026
د . بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق