بقلم :ماهر اللطيف /تونس
كنتُ دائمًا أُرضي غيري.
أتماهى مع رغباتهم، أنفّذ ما يريدون، أبتسم حين يُطلب مني أن أبتسم، وأصمت حين يُراد لي أن أصمت.
كنتُ كما يريدون أن يروني… لا كما أريد أن أكون.
أتذكّر ذلك اليوم جيدًا… يوم انكسر فيه شيء في داخلي، ولم يعد كما كان.
استدعاني مديري.
جلس خلف مكتبه كمن يملك العالم، ثم قال ببرود:
-أريدك أن تُهين أحد موظفيك… نحتاج ذريعة لطرده.
تجمّد الهواء في صدري لحظة، ثم قلت بهدوء لم أعرفه من قبل:
-أنا موظف هنا من أجل المصلحة العامة، لا من أجل تصفية الحسابات.
رفع حاجبيه ساخرًا:
-كبرتَ يا جلال… وصار لك صوت؟
وقفتُ دون تراجع:
- وُلدتُ حرًّا… وسأبقى كذلك، سيدي.
قهقه طويلًا، ثم قال وهو يشيح بيده:
- ستدفع فاتورة هذا الغرور غاليًا.
خرج وهو يزمجر، وكأن كلمتي صفعة.
لم أفهم حينها أن الفاتورة قد كُتبت بالفعل.
بعد أيام، وُضع المال المسروق في درج مكتبي.
ثم جاء الاتهام… سريعًا، جاهزًا، مكتملًا.
الشرطة لم تبحث طويلًا.
الأدلة كانت “واضحة”.
والحقيقة… لم تكن مطلوبة.
لم يصدقني أحد.
سقطتُ من أعينهم كما يسقط ورق محترق.
قُبض عليّ.
ثم فُصلتُ من عملي وأنا خلف القضبان.
أُهنت…
سُحقت…
وانتهيت.
ثم خرجتُ… لا بريئًا، بل مُنهكًا.
توسّلت.
تذلّلت.
وقبّلتُ حذاءه.
ووعدتُ أن أختفي… أن أعود كما يريدون: بلا صوت، بلا موقف، بلا وجود.
واليوم…
التاريخ يعيد نفسه، ولكن بوجوه مختلفة.
والد خطيبتي يريد أن يرسم حياتي كما يشاء.
أن أكون امتدادًا لحلمه، لا لحياتي.
زهرة… ترددت.
ثم مالت… كما تميل الأشياء حين تُدفع بقوة أكبر من رغبتها.
وفي تلك اللحظة، عاد كل شيء.
الزنزانة…
الظلم…
الحذاء…
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا هذه المرة.
أنا.
وقفتُ.
نظرتُ إليهم بهدوء لم أعرفه من قبل، وقلت:
لن أدفع فاتورة حياة لا تخصني.
ثم استدرتُ وغادرت.
هذه المرة… لم يكن هروبًا.
ولم يكن انهيارًا.
كان اختيارًا.
خلفي تُركت كل التنازلات التي لم أعد أستطيع دفع ثمنها.
وأمامي… طريق واحد فقط:
أن أكون أنا.
ولو للمرة الأولى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق