. .. { حكايات رضا }
.. كل يوم حكاية .. ( في بيت عمي ) / رضا الحسيني
عندما كنت أعرف أن أمي ستأخذني معها لبيت عمي كنت أشعر أنني ذاهب لعالم السحر ، فبيت عمي من بيوتنا العتيقة ، موقعه الفريد أمام دار الهلال ، في نافذته كنت أرى أغلفة المجلات الهامة ، وكنت أشعر أن كل من يدخل ويخرج هم كبار الصحفيين والكتاب ، وكم حلمت بأن أكون واحدا منهم ، لذلك ولدتْ بداخلي في هذا البيت أحلام كثيرة حققتُ الكثير منها
وبيتُ عمي من البيوت الكبيرة ، مدخله يعادل مساحة شقة من البيوت الحديثة ، بنوافذه الكبيرة ، كنت أحب كثيرا السلم الذي يشبه سلالم القصور ، وهذا الممر الطويل المؤدي لشقة عمي ، وكان يدهشني كثيرا أنه يضع يافطة تحمل اسمه على الباب ، دهشتي الأكبر من اسم العائلة فيه وهو غير الموجود بنهاية اسمي، ولأنني كنت صغيرا لم أستطع سؤال أحد
حين يُفتح الباب لنا ، أنا وأمي ، أشعر أننا سندخل قصر عابدين ، أعمدته المستديرة ، ترابيزة السُّفرة الكبيرة بمقاعدها الأثرية ، كانت السُّفرة الوحيدة التي تنافسها هي الموجودة بقصر إحدى الهوانم من عائلة أمي بالدقي
كانت شقة عمي كبيرة متعددة الغرف ،تشبه غرف الفنادق، متراصة بجوار بعضها وكلها تطل على الشارع الرئيسي ، والجزء الخاص بالمطبخ والحمامات يعادل مساحة شقة حديثة ، ولا أدري هل كنا نزورهم دائما وهم ينظفونها مصادفة أم أنهم كانوا ينظفونها دائما كل جمعة ، فزيارتنا دائما لهم يوم الجمعة ، وكنت أتعجب حين أرى أولاد عمي كل منهم له عمل مكلف به في هذا التنظيف ، وجميعهم يشتركون في نظافة الهول الكبير الذي به السُّفرة وتطل عليه الغرف المتعددة بأبوابها البيضاء مثل الجدران ، وكنت أعرف وقتها أن لعمي سبعة أولاد منهم بنت وحيدة تشبه ألفة الفصل ، شديدة وحاسمة كأنها قائد فرقة النظافة هنا ،بعد ذلك عرفت أن أحدهم ابن عم آخر لنا يعيش معهم من صغره بعد وفاة عمي هذا بسن صغير، وعندما أرغب في النزول من فوق الكنبة المجاورة لباب الشقة نحو النافذة المطلة على دار الهلال يخرج من زوجة عمي كُرباجا :
_ اقعد هنا ياواد يا بربري
_ عاوز أروح أطل من الشباك
_ هتروح إزاي وهم بيمسحوا كده ، اسمع الكلام
أجلس رغما عني منكمشا لبعض الوقت داخل أمي التي كانت تحكي وتضحك مع زوجة عمي وكأنهما أكثر من الإخوات ، حتى أنني كنت أشعر أنني في بيت خالتي وليس في بيت عمي ، ولم أكن وقتها الطفل الوحيد ، فلعمي طفلين توأمين أصغر مني قليلا ، نلعب معا ونتشاكس كثيرا أنا وأحد التوأمين الذي كان يمارس معي وأخيه العض ليخيفنا منه ، وينتهي الأمر بعلقة لنا ثلاثتنا
وحين نصل لأجمل لحظات الزيارة كنت أشعر بمنتهى السعادة ، حين نجلس جميعا على السفرة لنتناول الغداء الذي أعدته أَلفة البيت ، كانت لمتنا هذه تجعلني أشعر أنني أجلس على مائدة ملك ، فابتسامة عمي وزوجته لنا أشهى من أي طعام
_ طبعا البربري ده مش محتاج عزومة
في المساء ينتابني حزن شديد ، حان وقت الرحيل ، الخروج من قصر الأحلام ، حينها يكون أبي قد جاء يأخذنا بسيارة التاكسي الذي يقوده بعد عمله بالمصنع ، فكنت أشعر أخيرا بأن عندي ما أتباهى به !!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق