موت في حضرة الأحفاد
بقلم: ماهر اللطيف 

كنت على فراش الموت، أتصارع مع المرض، أقاوم الأوجاع، أصرخ، أستغيث، أدعو الله أن يخفف عني ما ألمَّ بي. أبكي تارةً، وأحمده وأشكره طورًا، أصلي وأتلو ما تيسّر من القرآن حينًا، وأستنجد بالمسكنات والأدوية عساني أهدأ قليلًا حينًا آخر.
كانت شريكة حياتي تشاركني مأساتي هذه، تبكي لبكائي، تتوجع لوجعي، تدعو معي الله دون انقطاع، تصلي وتسبّح وتحوقل، وتساعدني في كل صغيرة وكبيرة دون قيدٍ أو شرط، رغم وهنها وتنامي آلامها التي كانت تخفيها عني كي لا تزيدني همًّا على همّي.
ذات مساء، زارني أبنائي وبناتي جميعًا ككل نهاية أسبوع، مرفوقين بأحفادي ليبيتوا بجوارنا، يساعدوننا بما يستطيعون، يقضون شؤوننا، ويتفقدون ما ينقصنا وما يزيدنا. أمّا بقية الأيام، فكان أحدهم يبيت عندنا بالتداول، يحرسنا ويؤنسنا.
ما إن ولجوا الدار حتى هبّ الأحفاد نحوي مهرولين رغم نهي والديهم، طرقوا الباب، دخلوا الغرفة، أوصدوه خلفهم، وارتموا في أحضاني يقبّلون ويعبثون ويسألون عن حالي، يعربون عن شوقهم لي، وتصفّفوا على الفراش متجهين نحوي، والابتسامة لا تفارق وجوههم.
كنت حينها أكابد الويلات، أعتقد أنّ الساعة قد حانت. ومع ذلك، أخفيت دموعي، واقترضت بسماتٍ مفتعلة من مغازة جسدي التي أقفرت من كل محتوياتها لأتقوّى بها أمام من لم أحبّ أحدًا مثلهم، ولن أفعل. بادلتهم التحية والقبلات، وجسدي يتمزّق، ومسحت على وجوههم وربّتُّ على أكتافهم وقد ثقلت أكتافي. تكلّفت الجلوس بعد عناء، وأعربت لهم عن شوقي أيضًا...
سألني حفيدي البكر بصوتٍ خافتٍ نسبيًا:
– «حدّثنا جدي عن الحب.»
(احمرّت الوجوه، وخجلت الأبدان).
قال أخوه بحماسٍ وهو يشير بيده:
– «دعك من الحب يا جدي، حدّثنا عن مكارم الأخلاق، عن الدين والإيمان!»
قاطعته ابنة عمته بصوتها الحنون:
– «ما الوطنية يا جدي؟ وما الفرق بينها وبين المواطنة؟»
وصاح ابن خالها الصغير من الطرف الآخر:
– «وما فريقك الرياضي يا جدي؟»
وبقي كل حفيد يسأل سؤالًا مختلفًا عن سابقه، ينتظر جوابي على أحرّ من الجمر، يتوق أن أتوجه إليه قبل غيره بالكلام ليتفاخر بذلك أمام البقية ويدّعي أنّي أحبّه أكثر.
كنت أستعرض في تلك اللحظة حياتي كلها، تمرّ أمامي كأنها شريطٌ سينمائيّ سريع، من الطفولة حتى هذا الوقت: أحزاني وأفراحي، نجاحاتي وإخفاقاتي، خيري وشرّي، قصة حبي وزواجي، إنجابي أطفالي، نموّهم يومًا بعد يوم، مصاعبي ومرضي، إيماني وعلاقتي بالله... كل شيء مرّ في لحظة برق.
ثقلت رموشي، وتراخى جسدي، وشعرت ببرودةٍ خفيفةٍ تسري من أصبع رجلي الكبير، ثم تصعد ببطءٍ نحو الأعلى. أخذت الحواس تفقد توازنها تباعًا، وبهت كلّ شيءٍ من حولي، حتى غدوتُ لا أرى ولا أسمع...
ثمّ سمعت أحدهم يصرخ بأعلى صوته:
– «أبي، أسرع أرجوك، جدي يشخر وأغمض عينيه!»
اختلطت الأصوات بالبكاء من كل ناحية، فرفعت سبّابتي إلى السماء، ونطقت بالشهادة مرارًا وتكرارًا... وكان ذلك آخرَ عهدي بالدنيا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق