الأربعاء، ديسمبر 10، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( حظ عنيد )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف / تونس




حظ عنيد
بقلم: ماهر اللطيف

حلّ اليوم الموعود الذي طالما انتظرته منذ حصولي على شهادة الأستاذية قبل عشرة أعوام. ها أنا ذا أتوجه هذا الصباح لاستلام ورقة تعييني ومباشرة عملي في أحد معاهد مدينتي العزيزة

ارتديت ملابس أخي فخري الفاخرة السوداء بعد أن استحممت، وانتعلت حذائي الأسود القديم بعدما نظفته قليلاً. تعطّرت بعطر أخي الوحيد ووالدي، رتّبت شعري، وتلوت ما تيسّر من القرآن، ثم دعوت الله أن يعينني ويفتح لي أبواب الرزق.

تخطّيت عتبة منزلنا، وركبت معبد الطريق في اتجاه الإدارة.
كنت خائفاً مضطرباً، يتسارع خفقان قلبي، أحلم بغدٍ أفضل من حاضرٍ مظلم،
راتب شهري قار سيمنحني القدرة على تخطيط أهداف واقعية، بعد سنوات من انتظار مصروفٍ غير قار من فخري — أخي الذي يكبرني بسنتين ويعمل مهندساً معمارياً منذ عقدٍ من الزمن — أو من والدي الذي لا يجود عليّ إلا ببعض المليمات التي لا تكفي ثمن قهوتي وعلبة سجائري.
كنت أتوق إلى الشعور بقيمتي ودوري في هذا المجتمع بعد أن كنت بلا قيمة فيه.

انتصف الطريق، والساعة لم تتجاوز السابعة والنصف صباحاً، حين أحسست بأن خيط حذائي قد ارتخى وانفكّ من مكانه.
انحنيت لربطه بسرعة، فسمعت صوتاً قوياً يصدر عني، تلاه ضحكٌ مكتوم ثم قهقهاتٌ مدوّية من بعض المارة: لقد فُتق سروالي من الخلف تمزيقاً فادحاً!

تجمّدت في مكاني، مذهولاً، أستغفر الله وألعن هذا الحظ الذي لا يزال يدير لي ظهره، رافضاً أن يمدّ لي يداً أخرج بها من وضعيتي المزرية.

ما العمل الآن؟ هل سأخسر فرصة عمري كالعادة؟ أم سألهم سبيلاً أستر به فضيحتي وأواصل الطريق؟
تسارعت دقات قلبي حتى بلّل العرق وجهي، وبدأت الأشياء تختلط في عينيّ حتى لم أعد أفرّق بين الأبيض والأسود.

استحضرت حواري مع أخي ليلة أمس، حين توسّلت إليه أن يعيرني لباسه الفاخر، فرفض لأنني — كما قال — أضخم منه جسداً وقد أعرّض بذلته للخطر.
قال لي وهو يستشيط غضباً:

أرجوك يا فخر الدين، كن حذراً، فليس لي غير هذا اللباس، أستعمله في المواقف الرسمية كما تعلم.

أجبته ممازحاً:
لا تقلق، سأرجعه لك... إرباً إرباً.

صرخ محتجاً:
لا تسخر مني أرجوك! تعلم أني لا أقرض ثلاثاً: السيارة، الزوجة، واللبس!

فقلت مهدّئاً:
لن يحصل إلا الخير بإذن الله. سأشتري لك من راتبي الأول بدلة أجمل، وعدٌ مني.

عدت إلى واقعي المربك، والضحكات لا تزال تتعالى حولي، والناس يتغامزون ويتهامسون. فكرت في اللجوء إلى خيّاط، لكن الوقت كان باكراً. نظرت حولي أبحث عن شيء أستر به "النافذة المفتوحة"، فلم أجد. تمنيت لو أختفي بين الجموع، لكنني كنت وحيداً.

استجمعت شجاعتي، التفتُّ إلى الحاضرين، وقلت بصوتٍ ثابتٍ — رغم ارتباكي وخجلي —:
"الحاجة تولّد الاختراع! أظنني بصدد تصميم لباسٍ عصريٍّ جديد سيُعتمد لاحقاً على الصعيد الدولي، على غرار السراويل الممزقة!"

انفجر الجميع ضحكاً، وتقاسمنا لحظاتٍ من الزهو خفّفت عني وطأة الموقف وأعادت إليّ شيئاً من ثقتي بنفسي.
واصلت طريقي واضعاً كفّ يدي اليسرى على موضع الفتق، متجنّباً الاحتكاك بالناس، حتى بلغت مكتب الانتدابات.

أمضيت وثيقة تعييني، وغادرت مسرعاً نحو المنزل لتبديل ملابسي وكل من تعاملت معهم يضحكون ويستغربون من حالتي تلك ، مؤجلاً التوجه إلى المعهد إلى ما بعد عودتي الاضطرارية.

وهكذا بدأتُ حياتي المهنية... بفتقٍ في السروال لا في الحظ،خدش في الهندام لا جرح جديد في القلب، امتحان جديد عمق من آلامي ومحاربتي الدائمة لحظي العنيد الذي أطحت به في النهاية والحمد لله !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدتنيات الأدبية (( حين يشبه القدر الوجوه )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف /تونس

بقلم: ماهر اللطيف/ تونس اقتربت منها بين صلاتي العشاء والتراويح بعد أن تخطّت الصفوف تباعًا، وأمسكت كتفها هامسة في أذنها: — انتظريني خارج الجا...